As Safir Logo
المصدر:

تقرير.زائير بإنتظار»معجزة«أخيرة لموبوتو المحتضر

المؤلف: حطيط فؤاد التاريخ: 1996-11-22 رقم العدد:7551

اسمه الكامل الرسمي: موبوتو سيسي سيكو نغبيندو وا زا بانغا، ومعناه »تقديرا لا حصرا«: المحارب كلي القدرة ذو الارادة التي تمكّنه من الانتقال من غزو الى غزو مخلّفاً وراءه النار. إنه الرئيس الزائيري. ليس رئيسا بالمعنى المألوف، حتى في المواصفات الافريقية غير المألوفة. أقرب ما يكون ل»حاكم بأمره«، ليس فقط بمقدرات بلاده، بل أيضا بمصيرها. لذا كانت المفارقة »الطبيعية« أن يتقاطع مصيره بمصير زائير: هو مصاب بسرطان بروستات بات ينخر جسمه، والبلاد مصابة أيضا ب»سرطان« ينتشر من »جرح رواندي« في شرقيها لينخر وحدتها الكيانية. تكبر المفارقة السوداء.. موبوتو ذاته الذي يُحمَّل تسلطه على البلاد طوال 31 عاما مسؤولية استنزافها، لتتحول من إحدى أغنى دول أفريقيا بالثروات الى أغناها بالأزمات، حتى باتت عرضة لخطر التفتت، صار الآن، وهو يقضي »أيامه الأخيرة« في أوروبا، المنقذ الوحيد القادر على درء هذا الخطر. الرئيس الفرنسي جاك شيراك اعتبره مؤخرا »الرجل الأفضل لتمثيل بلاده وإيجاد حل سياسي« لمشكلة اللاجئين الروانديين في شرقي زائير، التي تحولت تمردا على الحكم الزائيري نفسه. هذه شهادة لافتة للنظر بحاكم يُعتبر صاحب مدرسة خاصة به في الدكتاتورية، تعرّف به فقط: الموبوتية، فاستحق عليها في السنوات الأخيرة حنقا واسعا من المجتمع الدولي حتى بات شخصا غير مرغوب فيه في معظم الدول الغربية. حتى سويسرا، التي استقبلته في آب الماضي بهدف العلاج، كانت »متشوقة« الى رحيله، مع أنه يجمع الى صيته الدكتاتوري صفة واحد من أغنى الرجال في العالم، إذ تقدر ثروته بستة مليارات دولار، بحيث يمكن معرفة أين ذهبت ثروة زائير، وهي المشهورة بغناها بالألماس. موبوتو الآن في فرنسا، حيث يتابع علاجه الكيميائي والاشعاعي، والجميع في بلاده والخارج بانتظار قرار العودة للامساك بالوضع من جديد. من صفات »الموبوتية« الأساسية: الإلغاز الذي يقترب من السحر الافريقي. يقول الزائيري يان فانسينا، الذي طرده موبوتو في العام 1965 فأسس برنامج الدراسات الأفريقية في جامعة ويسكونسين الأميركية: »انه في نظر الزائيريين، سواء الأعداء او الأصدقاء، سوبرمان ما. لديه نوع ما من قوة خارقة مكّنته من الوقوف على قدميه في كل الأزمات التي واجهته حتى الآن. وما يثير تساؤلهم حاليا هو ما إذا كان سيعود الى البلاد«. لهذا، كان لا بد لموبوتو من أن يكون حاضرا في الأزمة الحالية، ولو كان غائبا عن البلاد. فثمة رواية في كينشاسا، أن الرئيس، وهو يراقب من سرير المستشفى في سويسرا تنامي التوتر بين زائير ورواندا، أعطى أوامره بمنع إرسال شحنة أسلحة ثقيلة الى القوات الزائيرية في شرقي البلاد، الأمر الذي سمح للمتمردين المدعومين من رواندا بالاستيلاء على المدن الرئيسية في الشرق. لماذا؟ تمضي الرواية الى القول إن موبوتو أراد إشعال أزمة دولية، ولو وضع على المحك مصير بلده وأرواح مئات الآلاف من البشر، ليأتي في اللحظة المناسبة منقذا لا غنى عنه، يطالبه الجميع باستخدام سحره لإيجاد ترياق الحفاظ على وحدة زائير، التي إذا تفتت بلغ الأذى أبعد بكثير من وسط افريقيا. يقول كثيرون إن موبوتو المولع بمظاهر الأبهة لا يريد نهاية حياة عادية. دبّر الحدث لينهيه. والاستنتاج الوحيد يقدمه آتوندو ليونغو، وهو من كبار مساعدي موبوتو: »ما يحدث في شرقي بلدنا لا يمثل خطرا على زائير فقط، بل على افريقيا كلها، لذا، من الطبيعي في هذه الظروف ان يتطلع العالم الى رجل بمثل خبرته موبوتو سعيا الى حلول«. الخيار إذاً بين: الفوضى الشاملة وموبوتو. ثمة فسحة شاسعة للاختلاف في تقييم موبوتو، لكن مؤيديه على قلتهم، ومعارضيه الكثر، يتفقون على امتلاك »غرائز سياسية« لا تتوافر لغيره بين الشخصيات الزائيرية. وبالتأكيد، فإنه عمل طوال 31 عاما على إبعاد كل من يهدد سلطته، أو كل من يرى فيه تهديدا، ولو بعدحين. في سياق طبيعي، كان السؤال الوحيد الذي يثيره موبوتو هو متى يسقط، ومتى يحاسب على ما فعله بالبلاد منذ استقلالها عن بلجيكا في العام 1960 باسم الكونغو، بعد أن ساعدته يد بلجيكية في تسلق الرتب العسكرية من رقيب أول قبل الاستقلال، الى ليوتنانت كولونيل، فرئيسا لأركان جيش الدولة المستقلة. في ذروة حرب باردة في العالم، وبعد ثلاثة شهور من الاستقلال، كان موبوتو، بحجة إنهاء الفوضى، يقود انقلابا مدبرا من وكالة الاستخبارات الأميركية (سي. اي. ايه)، فأزاح الرئيس جوزيف كاسافوبو، ورئيس الوزراء، السوفياتي التطلع، باتريس لومومبا. بعد شهور أعاد موبوتو السلطة الى كاسافوبو الذي كافأه بترفيعه الى رتبة مايجور جنرال، وتعيينه قائدا للجيش، فدبر اعتقال لومومبا الذي قتل خلال محاولة فرار مزعومة. ومع أن الجميع كانوا على يقين بأن مقتل لومومبا كان اغتيالا سياسيا مسؤولا عنه مباشرة موبوتو، فإن الأخير لم يتحرج في إعلان لومومبا بطلاً قومياً في العام التالي. كانت شهية موبوتو على السلطة قد انفتحت تماما. وفي العام 1965، أطاح من جديد بكاسافوبو، وأعلن نفسه رئيسا، فاعتبرته واشنطن فورا حصنا ضد الشيوعية، وأصبح صديقا للرؤساء الأميركيين المتعاقبين، وضيفا مرحبا به في دارات الرئاسة في أوروبا. وأصبحت زائير مركز انطلاق للعمليات السرية الأميركية في وسط افريقيا، ومركز انطلاق للعمليات العسكرية الفرنسية في المستعمرات الفرنسية السابقة. اتقن موبوتو لعبة حسابات الحرب الباردة للحفاظ على موقعه، ولم يقصّر الأميركيون والأوروبيون لهذا السبب في إنقاذه مرات عدة بتدخل عسكري مباشر لإسناد سلطته. واتقن موبوتو أيضا لعبة الألماس، لتفتح له أبواب مراكز صنع القرار في الغرب، خاصة بعد أن فتخ خزانة الدولة لحسابه.. ما للدولة له، وما له له. بانتهاء الحرب الباردة، تغيرت حسابات حلفاء الخارج، فشهدت زائير في بداية العام 1990 فوضى شعبية عامة، أُطلق عليها اسم »المنهبة«، ولم تنته إلا بعد تعهد من موبوتو بإعادة الديموقراطية في العام 1997، والسماح بالتعددية الحزبية. هجر موبوتو كينشاسا منذ ذلك الحين، فأقام أولا في يخت فخم في نهر زائير، ثم انتقل الى قصر في مسقط رأسه في بلدة غبادولايت، ونادرا ما زار العاصمة. يحسب دبلوماسيون أوروبيون في كينشاسا ان ثمة ثلاثة جنرالات أو أربعة في العاصمة يمتلكون خيوطا أساسية للنفوذ تمكّن أياً منهم ليكون الرجل القوي في حقبة ما بعد موبوتو. هنا يقترب المشهد الزائيري من الصورة الصومالية، التي أعقبت الاطاحة بمحمد سياد بري. إنها القصة القديمة ذاتها لدولة تخلقها قوى استعمارية، ثم تتفتت الى أجزاء صغيرة على عداء متبادل. فؤاد حطيط

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة