الكتاب: سيرة أينشتاين. المؤلف: دنيس بريان. الناشر: دار جون وايلي، لندن. على جدار وراء رفوف للكتب العلمية في مكتبة جامعة كمبريدج عدد من الرسوم والكتابات الممنوعة، بينها القاعدة المشهورة التي وضعها أينشتاين عن العلاقة بين الطاقة والكتلة أي المعادلة: E = mc2؛ وتحتها كتب أحدهم: »حسناً جداً، يا ألبرت؛ إنما عليك في المرة الثانية أن تظهر كيف توصلت الى ذلك«. الكلام هين؛ أسهل من التنفيذ. إن عبقرية أينشتاين لا تزال تثير خيال الناس وتربكه، ومرد ذلك بالضبط إلى أن عمله في أعمق أعماقه لا يمكن عرضه، على الأقل على أولئك الذين لم يبرعوا في ألغاز فنون الفيزياء والرياضيات. وفي كل حال، ليست هذه المعادلة E = mc2 بالذات هي المشكلة، إذ إن المضامين العملية لهذه المعادلة التي منها انبثقت نظرية أينشتاين عن النسبية الخاصة سنة 1905، أصبح إدراكها في منتهى السهولة. وهذا ما يشرحه دنيس بريان بوضوح حين يقول »إن القاعدة عنت أن الكتلة هي طاقة مجمدة، وتنبأت بأن تحويل مقدار صغير من الكتلة يطلق مقداراً ضخماً من الطاقة، كما حدث بالتالي بالنسبة إلى القنبلة الذرية«. اللمعة المشكلة، في الواقع، هي في نظرية أينشتاين النسبية العامة التي نشرها سنة 1915 بعد سنوات من الأحلام غير المنتظمة وأسابيع معدودة من التفكير المكثف الموجه. جاءت هذه اللمعة الاستثنائية من التخيل الفكري تفسر المبادرة التي كانت قبل ذلك مربكة في فلك الكوكب عطارد، وتكهنت عن حق بأن ضوء النجوم ينحني حول الشمس. على أن الأكثر مضايقة في هذا المجال أنها أشارت الى كون متزايد الاتساع ليعود أينشتاين، وهو المكتئب، في وقت لاحق »ليصححه« بالاستقرار بفعل عامل استقرار كيفي، على أن الأسوأ من ذلك كله أن النسبية العامة قضت على الكون المريح الذي رسمه نيوتن وكان فيه للمكان والزمان والمادة وجود حقيقي ومستقل؛ أو كما قال أينشتاين: »من قبل ساد الاعتقاد أنه إذا اختفت كل الأشياء المادية من الكون، بقي الزمان والمكان. أما بحسب نظرية النسبية الجديدة التي أقول بها، فإن الزمان والمكان يزولان مع الأشياء المادية«. ثم توالت الآراء المؤيدة والمعارضة لهذا الرأي المذهل من كل حدب وصوب. جورج بيرنارد شو وه. دجي. ويلز أقرا بذلك اختراقاً فكرياً، لكن فئة المعارضين للنسبية جمعت بعض كبار العلماء أمثال فيليب لينارد، ونيكولا تسلا، وهنري بوانكاريه وألبرت ميشلون بالاضافة الى عدد من صغار العلماء الذين ساروا على خطاهم، وإلى العديد من المعادين للسامية ومن الذين اتجهوا إلى مناصرة النازية في وقت لاحق. ومقابل الهجوم النمساوي العنيف المحال بعنوان »مئة مؤلف ينقضون أينشتاين«. اكتفى أينشتاين بأن لاحظ أنه لو كان على خطأ لكفى شخص واحد أن يثبت خطأه. وحين أصبحت المقاومة غير ذات جدوى انقلب النازيون من دون حياء الى الادعاء بأن العلماء الآريين هم الذين وضعوا النسبية العامة. ودفع أينشتاين إلى مناصرة رفاقه اليهود. هو إنسان ذو مشاعر إنسانية وليبرالية ومسالمة طوال حياته؛ تخلى عن جنسيته الألمانية وهو ما زال يافعاً؛ دعم دولة إسرائيل في بداياتها، ولكنه رفض، ولا غرابة في ذلك، رئاستها بعد وفاة حاييم وايزمان مردفاً بملاحظة لا تثير الاستياء، هي أن معرفته بالطبيعة ضئيلة محدودة، أما بالناس فتكاد تكون معدومة. وفي السنوات الأخيرة من عمره أصبح داعية متحمساً للسيطرة على الأسلحة النووية، لكنه ندم على الرسائل التي كان قد وجهها الى روزفلت عند اندلاع الحرب العالمية الثانية يحض الولايات المتحدة على بذل الجهد لإنتاج القنبلة الذرية. والمعلوم أن أينشتاين لم يعتبر مأموناً سياسياً، ولم يعط حق الاطلاع على الأسرار الذرية، ولذلك حرم بالتالي من الاطلاع المسبق على مشروع مانهاتن اللاحق. وحين ذكر له ما حدث لهيروشيما كان تعليقه الوحيد: »واحسرتاه، يا إلهي!«. وعلى أثر نظرية النسبية العامة، نسبت إلى أينشتاين قدرات تتجاوز الطاقة البشرية، ورافقته بقية حياته، باعتباره عالماً فيزيائياً، شهرة لا نظير لها. وفي سيرة حياته التي وضعها أبراهام بايس سنة 1982 بعنوان »عظيم هو الله« وردت قطعة لطيفة نقلها كاتب السيرة عن العالِم الفلكي الإنكليزي آرثر أدينغتون تناولت التأثيرات الجانبية المضحكة هي: »إنك قد تضحك حين تعلم« كما كتب ادينغتون في رسالة الى أينشتاين »إن أحد مخازننا الضخمة في لندن (سلفريدجز) قد علق على نافذته ورقتك (محاولة من أجل نظرية الحقل الموحد).. بحيث أن المارة يستطيعون أن يقرأوها حتى نهايتها. حولها تتجمع الحشود الكبيرة لقراءتها«. كانت نظرية الحقل الموحد قد أصبحت هاجس تفكير أينشتاين؛ وباقتناع عميق منه، يشاركه فيه مفكرون حديثون، بأن القوى الطبيعية التي تبدو منفصلة لا بد من أنها ظاهرات مختلفة لقوة خفية واحدة، أكبّ سنة 1922 بمساعدة الأداة الرياضية الوحيدة المتوفرة له آنئذ، أي بعض الهندسة التفاضلية، على البحث عن مجموعة موحدة من البديهيات التي تضم معادلات ماكسويل/ أينشتاين العشر في النسبية العامة، وتتيح استخراج الميكانيكا الكمية من دون القضاء على السببية العامة. الواقع أن أينشتاين لم يتمكن من الاقتناع بالميكانيكا الكمية لهايزنبيرغ، وبورن، وشرودينغر، وهي التي بثنائية التموج والجسيم نسفت اعتقاده الراسخ بالحتمية. كان هذا البحث بطولياً؛ إلا أنه ميؤوس منه حيال محدودية اعترف بها أينشتاين نفسه بالرياضيات وغياب أية ملاحظات اختبارية دالة، أو أية معرفة بالقوى النووية الضعيفة والقوية الكامنة »بين« المغناطيسية الكهربية والجاذبية. وفي الوقت الحاضر، حتى مع التقدم المذهل في فروع الرياضيات، بما هو واعد إلى حد بعيد، ان النظرية التي تشمل كل الأشياء لا تزال، على ما رجح، بعيدة التحقيق. بالغ أبراهام بايس في سيرته بالذهاب إلى حد بعيد مع المعادلات الممتدة والتفاصيل التقنية المثيرة للحذر في أوراق أينشتاين، من ناحية، في حين أن دنيس بريان يذهب من ناحية أخرى، إلى الحد الآخر بالسرد القائم على ما يبدو أنه منتخبات سريعة من محفوظات أينشتاين الضخمة ومن المقابلات مع باحثين في أينشتاين، اتسموا بالحذر، دوّنها كما هي، حرفياً. وكان بريان على حق في صرف النظر عن قول لروجر هايفيلد وبول كارثر في »الحيوات الخاصة لألبرت أينشتاين« (1993)، هو أن ميليفا مارتيتش، زوجة أينشتاين الأولى، كانت معاونة له ذات أهمية في مسألة النسبية. كذلك أجاد في عرض عملية ج. ادغار هوفر الخبيثة، المرحة كذلك، والسرية، لإظهار أن أينشتاين وأمينة سره هيلين دوكاس كانا جاسوسين شيوعيين. غير انه كان من شأن أي مراجع رحب الصدر أن يهتم بأن يجعل عناوين الفصول متلائمة مع المادة التي يعرضها بريان في فصوله، وأن يحذف الجمل القصيرة الخبيثة التي لفقها الى جانب الموضوعات المتعددة. على أنه يبقى هنالك شيء جدي هو أن بريان يخطئ بالنسبة إلى الفيزياء، ولا سيما في سوء تفسير نظريات أينشتاين حول الحقل الموحد باعتبارها محاولات لتوحيد قوى المغناطيسية الكهربية والجاذبية، وهو ما كان أينشتاين قد حققه في النسبية العامة. الواقع ان توحيد النسبية العامة والميكانيكا الكمية (القوى الذرية والنووية) هو الذي بقي المستهدف. لقد كان ألبرت أينشتاين، بكل بساطة، سابقاً لزمنه بعشرات السنين. إعداد: ميخائيل الخوري (الصنداي تايمز)