نتطلع بعد ان وصلت الامور الى هذه الدرجة من الفساد في لبنان، الى القضاء، من خلال اشخاص المدعين العامين، يذودون عن رسالتهم وواجبهم والدور الذي اوكل اليهم وارتضوه لانفسهم، بأن يطبّقوا احكام القانون على كل الناس من دون محاباة او وجل، وعند اي إخبار او معلومة تصل اليهم، لمنع اصحاب النفوذ من التدخل لدى الادارات كافة، وذلك بالتحقيق معهم مهما علا كعبهم، وذلك ردعا لهذا النوع من الجرائم الذي تفشى، بشكل ادى الى احتكار منافع الدولة، والاستئثار بخدماتها. وعليه، فانه يقتضي لفت نظر المتنفذين، وتحديدا الذين يجهلون وجود جريمة صرف النفوذ، الى أنهم يرتكبون حقا جرما جزائيا في كل مرة يتدخلون بما لهم من دالة ونفوذ على مرجع ما، وكذلك لفت نظر متوسلي الخدمة الى ذلك، من خلال ما نصت عليه المادة 357 من قانون العقوبات، التي نقرأ فيها ما يلي: مَن اخذ او التمس اجرا غير واجب، او قبل بالوعد به، سواء أكان لنفسه او لغيره بقصد إناله آخرين او السعي الى انالتهم وظيفة او عملا او مقاولات او مشاريع او ارباحا غيرها او منحه من الدولة او احدى الادارات العامة، او بقصد التأثير في سلك السلطات باية طريقة كانت، عوقب بالحبس من شهرين الى سنتين، وبغرامة اقلها ضعف قيمة ما اخذ او قبل به. ان اي عمل مهما بلغت درجة خطورته، لا يشكل جرما جزائيا الا اذا انطبق على نص قانوني يعتبره كذلك، وكان موجودا قبل ارتكابه، وهو الامر الذي عرف بالمبدأ القانوني: لا جريمة بدون نص. وكذلك فان هذا العمل، لا يعاقب عليه الا اذا وُجد نص يقضي بالعقوبة ويحددها، وهو ما عرف بالمبدأ القانوني المكمل للاول، والقائل: لا عقوبة بدون نص. وعليه، وتطبيقا للنص الذي يحكم جريمة صرف النفوذ، فانه يقتضي تحديد عناصر هذه الجريمة وشرحها، وإن كان ذلك بايجاز، فنقول إنها اربعة عناصر، هي: أ صفة الفاعل. ب ادعاء النفوذ. ج العنصر المادي. د القصد الجنائي. صفة الفاعل: اذا كان النص جريمة الرشوة، المعروفة منذ القدم، وقبل البعض على جريمة صرف النفوذ، وقد حدد حصرا صفة الفاعل، اي المرتشي، حيث انه لا يطال اي شخص آخر ولم يحدد فيه، فان نص المادة 357 عقوبات طال كل الناس من دون تمييز، كونه جاء عاما، من دون ان يأخذ بعين الاعتبار مركز النفوذ او وظيفته او اختصاصه. ادعاء النفوذ: وهو ان ينسب الجاني الى نفسه نفوذا او دالة على الموظف، ولا يعتد بنفوذ محدد، بل يستوي في ذلك النفوذ السياسي او الاجتماعي او الوظيفي، او حتى النفوذ الناتج من قرابة او صداقة، او ادعاء النفوذ عن طريق شخص آخر غير شخص الجاني، يمكن لهذا الاخير ان يتوسله في تحقيق رغبة طالب المنفعة او السعي الى تحقيقها. وتتحقق الجريمة ايضا، بغض النظر عن نتيجة سعي الجاني، بمعنى ان تحقُّق الجريمة يتم وإن لم تحصل النتيجة المرجوة من صرف النفوذ، اذ يكفي تعهد الجاني ببذل الجهة والنفوذ، حتى إن لم يقم بأي منهما فعلا، ولا يدفع عنه الحرية بأنه لم يكن يقصد تنفيذ تعهده، لان الاصل في جريمة صرف النفوذ، الإخلال بالقيم في اعمال السلطات العامة. العنصر المادي: وهو المتمثل بالامر غير الواجب او الوعد به، وقد يكون عطية او هدية او مكافأة، او قيمة الارباح التي يمكن ان تجنى من مشروع او مقاولات او تعيين في وظيفة او منحة من منح الدولة. القصد الجنائي: ويتعهد به القصد الجنائي الخاص، اذ يوجه الجاني ارادته نحو الحصول على الاجر او الهدية او المكافأة او الارباح، بمعنى ان يتوفر علمه بأن ما يتلقاه ليس الا الثمن المقابل لاستعمال نفوذه، اما اذا لم يعرف الجاني بالهدية، او بانها قدمت إليه عن طريق آخر، من دون ان تتوفر رابطة بينها وبين عمله او جهده، فان الجريمة لا تتحقق. ولا بد من الاشارة الى ان هناك رأيا آخر يقول بالاكتفاء بتوفر القصد العام، الذي يكاد ان يتحد بالقصد الخاص في هذه الجريمة، باعتبار ان الحصول عليه هو ايهام طالب المنفعة، واقناعه بأنه سيقوم باستعمال نفوذ، او حتى يكتفي بالوعد بذلك. ويبقى ان نقول إن جريمة صرف النفوذ هي جريمة حديثة، اذا صح التعبير، بمعنى انها لم تعرف لاول مرة الا في اواخر القرن الثامن عشر، وتحديدا في عهد الثورة الفرنسية، اذ حدد قانون قضى بالاعدام لمرتكبي جريمة صرف النفوذ اذا كانوا من اعضاء السلك القضائي او الاداري من دون ان يطال او يطبق على غيرهم، فهي لم تعتبر جريمة في الاعراب والعوائد الجزائية القديمة، كما اننا لا نجد نصا عليها، او حتى تطرقا اليها في القانون الروماني، وبما كان مرد ذلك، بساطة الحياة قديما، وانحصار اشخاص فقط بمقاليد الامور. وبالفعل، فان اول قانون صدر في فرنسا، يحدد معالم وعناصر الجريمة، هو القانون الصادر بتاريخ 4/7/1889، الذي لم يكن من صدوره بد، وذلك ان الرأي العام ضج، بفضائح الصفقات، في عهد الرئيس الفرنسي غريفي، اذ استغل صهره النائب ويلسون نفوذه على اوسع مدى، فلُزمت مشاريع ضخمة والتزامات حكومية، بتأثير تدخلاته وتدخلات زملاء له، حتى ان مراكز حساسة أنيطت بمن لا يستحقون، فكان ان عم الفساد وانحطت الاخلاق، وانحدر كبار الشخصيات الى المنافع الشخصية، من دون ان يطالهم عقاب لسبب غياب قانون لا ينص على تجريم الفعل وتحديد العقوبة. ولم يستقم الامر في تحديد جريمة صرف النفوذ ورسم اطارها وفق تعريف جامع مانع، الا في القانون الصادر بتاريخ 16/3/1943، الذي مد كل الثغرات التي كان ينفذ منها المتاجرون بنفوذهم. هذا في فرنسا، اما في مصر، فان صرف النفوذ، او الاتجار بالنفوذ، فلم يدخل في عداد الجرائم الا سنة 1929، بصدور المرسوم القانوني رقم 17 سنة 1929، الذي حدد الجاني بمن له صفة نيابية عامة، ثم صدر سنة 1937 قانون يعتبر صارف النفوذ مرتشيا، وحصر الفعل الجرمي بمن له صفة نيابية عامة ايضا على قرار القانون السابق، فافلت من العقاب كل من يتمتع بالصفة النيابية العامة، التي لا تقتصر على النواب المنتخبين، بل تشمل اعضاء مجلس الشيوخ واعضاء مجالس المديريات واعضاء المجالس البلدية والمحلية المعنية منها بطريق الانتخاب والمعينين من قبل الحكومة. ويلاحظ الدارس بهذه الجريمة، انها حديثة العهد، وبالتالي فانها مرت بمخاض طويل قبل ان تصبح جريمة مستقلة عن جريمة الرشوة، ولكن الاهم من ذلك كله، انها ولدت من رحم الفساد الذي انغمس فيه اصحاب النفوذ، واثر الفضائح التي عمت، والناتجة من صفقات والتزامات ورشاو، قام بها نواب ووزراء وحاشية. ان الجهود المبذولة تشريعيا، لمكافحة هكذا جرائم، لم تؤد الى نتائج حاسمة، لانها تتم في الخفاء، شأنها شأن كل الجرائم، الا انها تتميز بأن المساهمين فيها، لهم مصلحة اكيدة في اخفاء معالمها، وابقائها طي الكتمان، فلا يصل الى القضاء من ادلة تستدعي التحقيق، فيبقى المجرمون بمنأى عن يد العدالة. وبرأينا، فان الوضع في لبنان بات خطيرا جدا، لانه لم تتم فيه ملاحقة اي مسؤول او متنفذ على الرغم من وجود اكثر من دليل وقرينة على حصول جريمة صرف النفوذ، فهناك اعترافات علنية، واتهامات يوجهها نواب الى مسؤولين، فلا نشهد محاكمة احدهم، ولا حتى تحريكا للدعوى العامة. ان ما تلهج به السنة اللبنانين، ليس بالضرورة ان يكون بالضخامة التي يحلو لهم ان يسبغوها على فعل ما، ولكن الفساد موجود باعتراف اكثر من مسؤول في موقع السلطة، لا بل وصل الى درجة من الخطورة تستدعى تدخل القضاء عند اي إخبار، او خبر، لاستعادة شيء من الثقة المفقودة كليا بين المواطن وادارات الدولة، هذا بالاضافة الى ما تنشره الصحافة من أخبار، وبشكل يوحي ويؤلف مرتكزا كافيا لتحرك النيابة العامة. وبرأينا، وبعد استفحال الفساد، انه يقتضي تكليف محام عام مختص بالبحث عن اي خبر يُذاع في وسائل الاعلام كافة، والاستقصاء عنه بكل وسيلة، عندما يستشف منه ان عملا ما يخلّ بالثقة العامة ومصالح الدولة، وتحديدا العمل الذي يشكل اتجارا بالوظيفة والنفوذ. نحن نعلم ان هذا التدبير موجه الى اصحاب النفوذ، اكانوا حكاما او نوابا او موظفين كبارا، الامر الذي يستدعي من الرجال الكبار في القضاء التصدي لمهمة صعبة، يستعينون عليها بدعم وتأييد الشعب الذي اكتوى بنار الفساد وما ينتج منه من إهدار لمصالحه ومصالح دولته. واخيرا، فان لبنان، في ذاكرة ابنائه وضميرهم، بلد رائع وجميل، يخشى في حال بقائه على ما هو عليه، وعدم القدرة على الاصلاح والتطهير، الا يعود من سبيل للحب بينه وبين شعبه الذي اضحى فقيرا وغريبا فيه. الم يقل الامام علي منذ زمن بعيد: الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن. * محام بالاستئناف.