طبيعة الكتابة المسرحية وخصوصيتها لدى سعد الله ونوس، تكمن في الطبيعة الجماعية للمرسلين والمتلقين الذين يساهمون جميعا في خلق عملية التواصل. بل ان هذه الجماعة ليست حصرا على المسرح. ذلك ان مسرحه يجد فرادته في كيفية نسج العلاقات التي تتم بين مختلف طبقات الارسال والاستقبال. اذ انه يولي التواصل الانساني اهتماما كبيرا. وهي طبيعة تطبع اعماله كافة. حتى بدت الجامع فيما بينها من »حفلة سمر من اجل 5 حزيران« الى »الفيل يا ملك الزمان« و»المملوك جابر« وصولا الى »طقوس الاشارات والتحولات«. بل اننا نكاد نميزها تماما في ترجماته من خلال الاختيار. نضال الاشقر في اختيارها نص سعد الله ونوس »طقوس الاشارات والتحولات« بدت امينة للنص. بل امينة جدا، حتى ولو حذفت منه ما اوصله الى ساعتين وعشر دقائق. في حين انه يمتد اصلا الى ما يتخطى الساعات الاربع. فالامانة تفترض انضباطا صارما في اقتراحات الكتابة. وهي شبه واضحة في مسرحيات ونوس. اذ انه يرى حين يكتب ويكتب حين يرى. ذهبت الاشقر في طريق سعد الله ونوس وطريقته. لم يُضمها ان تتبنى النص، وان تمارس عليه تقليدا انكليزيا تبدى في احترامه تماما. ثم انها خدمته. لماّ لم تفترق عن طرحه الاصلي ولم تثر اشكالية تضاف الى الاشكالية التي يطرحها. وهي ليست بسيطة مطلقا. ولأنها ليست بسيطة، فقد تلقفتها المخرجة ببساطة اخذت المسرحية الى نوع من تبجيل الممثل في مدى علائقي انساني لافت. وهي بساطة فرضت تنازلات، لم تخشَ الاشقر ان تقدمها. اذ انها ابرزت القصد في »طقوس الاشارات والتحولات« وخصوصا تلك المفارقات الملغزة وتساؤل النص حول الكيانات الفردية ومسعاها في طريق تحقيق حضورها الانساني الوجودي. لقد بدت »طقوس الاشارات والتحولات« مع نضال الاشقر انيقة وشعبية في آن. اناقتها غير شكلية، وليست مغالية في افتعال علاقة بالجمور في المستوى المادي او التخييلي، سوى في مشاهد قليلة بل نادرة. مشهد السوق الشعبي او سوق الحميدية تحديدا. أمّا شعبيتها فهي اقرب الى شعبية فيلار. ولأنها كذلك، فقد قادتنا الى قراءة مفهوم الممثل لديها بمفهوم الممثل لدى فيلار. هو من اعطاه مداه وابعاده الكبرى وسط خشبة متقشفة، شأنه شأن كوبو وآخرين. إنها مسرحية تقيم نوعا من المحاكاة الرصينة بين الرؤية ومكبوتات الجسد العربي. مسرحية ذات دلالات مكثفة تنتج اسئلة محورية. مسرحية ذريعة لقلب معادلة الاخلاق في الكلام الاجتماعي اليومي من خلال حكاية قاضي القضاة ونقيب الاشراف وما بينهما. حكاية المسرحية تجري احداث المسرحية بين ممثلي السلطة السياسية والدينية والمدنية في الشام. تبدأ حين يباغت قائد الدرك نقيب الاشراف في مجلس انس مع غانية ليجعله فرجة الاهالي. يُزج به في السجن، حتى يتولى منافسه وغريمه قاسم المفتي انقاذه من الورطة باستبدال الغانية بزوجته، لكي يقنع الوالي بفظاظة اجراءات صاحب الدرك الذي يتطاول على حرمة اللقب الرسمي الذي ينبغي ان تصان. بطريقة مدهشة بنى سعد الله ونوس رواية انطلاقا من حادثة صغيرة استعادها من مذكرات البارودي جرت العام 1850 ايام ناشد باشا، بحيث عمم الخاص العام وعمم العام الخاص. وبحيث انقلبت كل المقومات والمعايير المبنية المدينة عليها. هنا تتهاوى الاقنعة وتنفضح وينكشف المجتمع كله. وبطريقة لائقة، وغير مدعية تماما بنت نضال الاشقر منصة استعادت فيها روح المسرح الذي انبنت عليه مسرحيات سعد الله ونوس. اي مسرح بدايات القرن. وتلك قضية حساسة وشديدة الخصوصية حملتها الاشقر الى خواتمها السعيدة بتركيزها على الممثل، الوحيد المؤهل للتفاعل بشكل حقيقي ومتجانس مع شركائه على خشبة المسرح. ولكنه يتفاعل ايضا بمستوى آخر مع المتفرج، على الرغم من انه حامل بلاغ لا يمت اليه بصلة الا عبر الشخصية التي يجسدها. نضال الاشقر اعتبرت الارتجال مسلكها الى ممثل صاحب مساحة حرة. ولكنها مضبوطة ومنضبطة في شروط الاخراج غير الاستعراضي حين اكتفى بإحياء مناخات وطقوس تلك المرحلة غير العادية في تاريخ سوريا. لقد نسجت بلاغها الخاص من خلاله. بإنتاج علامات لغوية وغير لغوية تنتمي الى النص حكما، في التفاتة لا تجد في الاستقلال عنه الا تمردا برانيا ولا يخدم احدا. بلاغ الاخراج هو بلاغ ثان. وبين البلاغين ينتج الممثل علامات مقصودة وارتجالية او فطرية تصوغ متنا بينهما. وهما ليسا بحاجة اليه الا لماما. لأنهما متطابقان في وحدة مصيرية، تعيد طرح مسرحيات بدايات القرن كواحدة من الحلول المحتملة لإقامة نوع من الحداثة من خلال التراث. تحديث بالتتريث التحديث من خلال التتريث عنوان شراكة سعد الله ونوس ونضال الاشقر في مدى علائقي شفاف وذي مدى تعبيري يستمد هدراته الجوانية من هدأته العميقة. وهما متطابقان، من اقتراحات النص وقبول الاخراج بها. حتى ان الاخير لم يضطر الى استدعاء تعابير حداثة مباشرة، بل تركها لتلك العلاقة المفتوحة والمتفتحة على الذاكرة القديمة، الثرية، الخصبة. اتضح هذا منذ البداية، منجرا الى نهاية العمل في وحدة جذابة وقادرة على اقامة نوع من التوازن الدقيق بين اللغوي والبصري. بحيث لم تبدُ »طقوس الاشارات والتحولات« جنسا ادبيا يكتمل باكتمال النص المكتوب، وتجوز قراءته كقراءة قصيدة او رواية، باعتبار ان الحوار المسرحي كالحوار الروائي والموضحات الاخراجية كالوصف في الرواية. يمكننا دائما ان نروي مسرحية كما يمكننا ان نمسرح رواية كما تقول آن ايبرسيفلد. الا ان نص سعد الله ونوس هو نص مسرحي كما ان مسرحته من نضال الاشقر بعيدة كل البعد عن رواية مسرحية أو مسرحة رواية. فهي في قيادتها دفة الاخراج بغير تظاهر، محضت النص الونوسي خصوصيته وقيمته الحقيقية مع فريق الممثلين المتفاوت المستوى. خصوصية ارتفعت فوق منهج موضوعي، يعتمد الارتجال والقليل من التغريب ومسحة من فن الحلقة المغربي والحكواتي من دون نفور. بحيث انعجنت هذه الادوات والعناصر في نبرة ايقاعية، سوف تشدها العروض المتلاحقة اكثر. وبحيث استطاعت ان تكشف كنه التركيبة البسيطة والمعقدة للنص الونوسي. وان تكشف الطبيعة المتنوعة والوظائف المتعددة للمسرحية. تعددية النص إخراج نضال الاشقر، اخراج لتعددية نص ونوس من غير ان يتصور كقراءة مطلقة وقطعية. انقادت اليه، من دون ان تذوب فيه. بقيت على مسافة نقدية منه، اثرته واثرت رؤيتها. ولكنها لم تفترق عنه ابدا. حتى انها افتتحت »طقوس الاشارات والتحولات« بفتح نوافذ المشربية العربية الضخمة لكي يتحاور من خلالها كراكوز وعيواظ وهما يفتتحان عرضا تقليديا ويكتشفان حياة متأثرة بسلوك الناس، وناسا متأثرة بالحياة تماماً. »طقوس الاشارات والتحولات« مسرحية عربية لا تنقاد الى تصاوير التراث المخزونة في عقول الاوروبيين. نموذج لا ينقاد الى النموذج العربي كمعيار وحيد لتجربة المسرحي العربية. انه طرح المسرحية الونوسية بالاندراج بالبيئة والنمو اكثر. وهو طرح قائم على خلاصة تجارب الاقدمين. المسرحية الغنائية التي تتضمن غناء وفكاهة وارتجالا اختارها النقاش من معرفة دقيقة بالمتفرجين. بحيث بدت قابلة لاستيعاب المجريات التي يتضمنها كل عرض كردود فعل المتفرجين وتعليقاتهم وتدخلهم في سير الاحداث. كما انه طرح قائم بدرجة اخرى على الاستفادة من التراث من تجربة النقاش في جانب آخر فيها، هو جانب الحكاية بإصراره على قصها امام متفرجيه على ان تكون مألوفة. كما ان المسرحية الونوسية انتبهت الى ان مسرحية النقاش اسبغت على نفسها بعد الترجمة والاقتباس الوان ومذاق البيئة المحلية. ان ثمة موقفا نقديا متمضنا ازاء المسرح الغربي. انها طبيعة الوعي بطبيعة المتفرج الدرامية. تم استخدام الغناء والفكاهة التي كانت رائجة في بابات خيال الظل، كما جرى في بداية »طقوس الاشارات والتحولات« كإشارة فعلية على اللقاء بالتراث. موهبة مارون النقاش كمنت في التأليف المسرحي. اما براعة يعقوب صنوع فقد تبدت في طرح مشكلات الواقع. في حين ان موهبة القباني منظورة في اتيانه بقصة ينطلق من خلالها الى اهتمامه الكبير بالموسيقى والرقص والملابس والمناظر المسرحية باستخدامها بعيدا عن الاغراض التنفيذية والتوضيحية. وانما يستخدمها في شكل استعارة فنية. اشكالهم ساذجة تخطتها المسرحية العربية، ذلك ما تعلنه »طقوس الاشارات والتحولات«. الاستفادة من التراث او التاريخ هكذا تطرح »طقوس الاشارات والتحولات« قضية الاستفادة من التراث المسرحي العربي دفعة واحدة. وذلك في لحظة تجل ونوسية متكررة بأشكال رصده العناصر هذه. وفي لحظة تواضع باهرة من نضال الاشقر امام المقترح الونوسي الاشكالي. الا ان احدا لا يدعي، واولا صاحبة العمل، ان مصوغ »الطقوس« هو مصوغ متكامل. ففيه زوائد فلكلورية. مشهد تحول مؤمنة الى الماسة مبرر. ولكن مشهد السوق فج وفاقع وسط هدأة التواتر البصري البسيط. اما الاكتفاء بمساحة المنصة، فهو لازم لكي لا ينتكس الاخراج بحلته العربية ببصمة تغريب بريشتية. اللعب في الصالة وعند الجسرين المتوازيين لم يبدُ جوهريا. ثم ان زمن العرض يحتاج الى اختصار ما يقارب العشرين دقيقة لكي تبقى المتعة مشدودة فلا تتراخى امام عنصر يمشكل بطريقة مجانية. لا شيء يعرقل سلطنة الممثل في »طقوس الاشارات والتحولات«. لقد أُعطي بمحبة مساحات واسعة، بحيث مُلّك حيزه تماما متروكا لقدراته المصوغة من حيز الارتجال. الا انه تسبب بفلتان الايقاع في اوقات (الكلام يجوز في العتمة، حتى لا تقع المنصة في الصمت بانتظار مشهد يتداخل بالآخر). كما تسبب في نفخ عرائه حتى بانت روحه فوق لحمه. جوليا قصار، نقطة محورية في العرض. مهنية لا تستند الى مهنيتها فقط، بل الى روح خلاّقة. حضورها مكسب اكيد. كارول سماحة مفاجأة في امتداد أدائها واثقا ومتوترا فوق فترةة العرض. وكذلك المقاربة التي اقامها حسن فرحات الخاصة بدور المثلي بعيدا عن التنميط والنمطية. وهو دور صعب جدا. وتتبدى صعوبته تماما في وقوع أياد الباشا في أداء يطبع صورة المثلي عن مسرحية ساذجة أخرى. الا ان الأخير جاء مقبولا في دور المقرب من الحاكم. ولو ان فرحات يحتاج الى تشفيف دوره بعد. اما حسان مراد فقد اشفع دوره بحساسية ورهافة تحتاج فقط الى قليل من تشذيب مسحة غنائية فيه. خالد عبد الله متمكن وزياد سعيد متين. في حين ذهب خالد السيد في نوع من اداء عفوي قوّى حضوره بطريقة لافتة. وكذا ماجد افيوني في دور الوالي، حيث ميلان الاداء الى نوع من الغروتسك الكاشف أعماق الشخصية اللاهية. وهكذا لعب الياس الياس بعفوية معجونة بخبرة. ولم يبخل الآخرون كأنطوان حجل وغيره في تقديم ما يمتلكون فوق منصة نذرت حضورها لحضور الممثل. غابت النمطية عن »طقوس الاشارات والتحولات« من اعتبار جوهري، وليس لحظيا او ظرفيا. اطلت برأسها قليلا في المشاهد الشعبية، وفي المقدمة الغنائية الطويلة نسبيا، قبل ان تختفي في سيل الاخبار والطرائف والاحاديث والجولات والوقائع. بحيث استوت المسرحية على ملامح مرجعية قديمة، متجددة في الرؤية اليها. طرح سعد الله ونوس دفعة واحدة قضية المسرح العربي. تملت نضال الاشقر الطرح وأبحرت فيه بكلها. لم تدّع ولم تشهر اجتهادا باطلا، حين وجدت فيه ما يحملها الى غاية ترتضيها: مسرح عربي يطرح اشكالية المسرحية العربية بالتمام والكمال. وذلك بعيدا عن النمط التعسفي بين الثقافي والسياسي وبعيدا عن عناد خاطئ. كأن »طقوس الاشارات والتحولات« دعوة الى مراجعة حقيقية لبنية المسرحية العربية، وهي رهان كسبناه قبل ان تكسبه الاشقر في بناء سعد الله ونوس الممتاز. عبيدو باشا