هل يمكن لرحلة أن تبدأ من آخر محطاتها؟ من محطة الوصول؟ ليكن! فإن الشاعرة فدوى طوقان بيننا اليوم. ولها أن تقفز بخيالها من هذه المحطة التي نرجو أن تكون مريحة إلى بيت في نابلس: »البيت أثري كبير من بيوت نابلس القديمة التي تذكرك بقصور الحريم والحرمان.. والتي هُندست بحيث تتلاءم وضرورات النظام الاقطاعي. ترى فيها العقود والأقواس والباحات الواسعة والحدائق ونوافير الماء والطوابق العليا والسلالم الملتوية. ويصعب على الزائر الاهتداء إلى طريقه وتبيّن مسالكه دون دليل، فالمرء لا يعرف في مثل هذه البيوت هل هو مفضٍ إلى غرفة الاستقبال أم إلى قن الدجاج أم إلى المطبخ«. (رحلة جبلية.. رحلة صعبة ص 39) وتعود بها تلك القفزة الارتجاعية الى هنا: برفقة صبية طموح تحاصر طموحها أسوار متوازية: العائلة، المجتمع، المرض، الاحتلال من دون أن تنتهي قائمة المواجع، من واقعة الحب الأول الذي أرادت قرنفلة أن تعطره فحبسته بين جدران ذلك البيت الحريمي، بعيداً عن المدرسة، إلى موت المدرسة البديل التي استقامت مع قامة شقيقها إبراهيم طوقان، ليذوي أمل آخر كان يحاول أن يفك من حولها الحصار المتعدد الأسوار. ومع ذلك كانت: »توقاً مستمراً إلى الانطلاق خارج مناخ الزمان والمكان، والزمان هو زمان القهر والكتب والذوبان في اللاشيئية.. والمكان هو سجن الدار..« (رحلة.. ص 10). رحلة فدوى طوقان هي رحلة البحث عن الذات انطلاقاً من نقطة معتمة في الكيان، لم يشف غليلنا شعر فدوى طوقان لنتعرف إليها بإضاءة أكثر. فهل يمكن لنا أن نسميها أو نضعها تحت عنوان »القهر«؟ خصوصاً أن الشاعرة تتذكر مرح أمها وقدرتها على التواصل مع الناس لتستدرك قائلة: »غير أنني كنت أحس بوجود خيط من الشقاء اللامنظور يمتد في أعماقها، وحين كبرت عرفت مصدر ذلك الشقاء الخفي. إنه الحصار والقهر الاجتماعي المفروض على المرأة في بيتنا« (رحلة.. ص 25). وتقول في الرحلة نفسها (ص 124): »ظلت عقدة السجن كامنة في أعماقي. إن عُقدنا الطفولية تتحكّم بنا طوال حياتنا..«. الضغوط المترسبة غير أن رحلة البحث عن الذات، عند فدوى طوقان، ظلت ترزح تحت طبقات من الضغوط المترسبة، فإذا الضياع ميسمها، والتناقض محركها، وحسرة الوصول ولو متأخرة سؤالها. انطلاقاً من ذلك البيت الذي تحدثنا عنه لتونا.. لكن انطلاقاً من بيت سلالي آخر، هو بيت الشعر العمودي، بدأت الرحلة الصعبة، تخبطاً وبحثاً مع التفات القلب وراء أفول العائلة فرداً فرداً.. العائلة التي، بمرّها وحلوها، صنعت من فدوى طوقان هذه القامة التي استحقت من بين ألقابها لقب »خنساء فلسطين«. هي التي أدمنت رثاء صخر وكليب، عذراً: إبراهيم ونمر طوقان. فهل ترك ذلك الألم المتعدد الوجوه مجالاً للذات كي تبحث عن ذاتها، أم تركها تتخبط وعداً مستقبلياً تحدده وتشكله الظروف؟ لقد ترافقت رحلة البحث عن الذات مع التحولات التي أحاطت بالشاعرة: تحولات العائلة، احتلال الوطن، السفر، الشعر، الخ.. وما كان لفدوى طوقان أن تتوصل إلى أجوبة سهلة عن أسئلة تبدو لأول وهلة سهلة. لذلك رأينا أنها لم تتقدم إلا بخطوات بطيئة وعسيرة، على مجمل الجبهات: } فعلى المستوى الاجتماعي: راوحت بين الخضوع الخارجي لسلطة الأب والعائلة، مع تمرد داخلي وجدت بعض أسلحته في المطالعة المكثفة والموسيقى والشعر. أما لجوؤها إلى الحب فكان لجوءاً إلى المطلق: »ولم يكن لتلك الفكرة المجردة شواطئ ولا مرافئ أرسو عندها. كانت بحراً واسعاً تعلو أمواجه أحياناً حتى تستحيل الى دوامة تدور بي وتلفني فتفقدني أحياناً إحساسي بالعالم الخارجي من حولي« (رحلة.. ص 135). } وعلى المستوى السياسي؛ ظلت علاقتها بالوطن ذات طابع رومنسي لا يبتعد، حتى في طريقة الأداء، عن أبي القاسم الشابي الذي أراد أن يهوي على الجذوع بفأسه، فإذا فدوى، في ديوانها الأول »وحدي مع الأيام« تقول في قصيدتها »بعد الكارثة«: يا هذه الأقدار لا ترحمي فرائس الضعف، بقايا الرمم بالمعول المحموم أهوي على تلك الجذوع الناخرات الحطم وكما هو الموقف الرومنسي، يلوح الأمل من وراء سورة الغضب: ستنجلي الغمرة يا موطني ويمسح الفجر غواشي الظلَمْ (...) لن يقعد الأحرار عن ثأرهم وفي دم الأحرار تغلي النّقم! (الأعمال الكاملة ص 138 139) وسوف يتبلور وعيها ومواقفها الوطنية مع هزة، بل كارثة 1967، وقبل ذلك تدرج وعيها بالقضية الوطنية من الرومنسية والحزن والشكوى إلى الحيرة والاعتذار. »قال لي ]شقيقي إبراهيم[ ذات مرة: يا أختي، الناس لا تهمهم مشاعرنا الخاصة، فلا تنسي هذه الحقيقة..« (رحلة.. 83). وكذلك والدها: »كيف وبأي حق أو منطق يطلب مني والدي نظم الشعر السياسي وأنا حبيسة الجدران« (رحلة.. ص 127). »وأصبت بمرض بغض السياسة (...) إذا لم أكن متحررة اجتماعياً، فكيف أستطيع أن أكافح بقلمي من أجل التحرر السياسي أو العقائدي أو الوطني« (رحلة.. ص 129). كان والدها إذاً يدافع عن شرف العائلة (فضيحة أن تكتب ابنته شعراً وتأتي عملاً غير حريمي) دافعاً إياها إلى شرف الوطن (فليكن الشعر سياسياً إذاً). .. من الرومنسية والحزن إلى الحيرة والاعتذار، وصولاً إلى التحام الذات بموضوعها، على المستوى الوطني، في أبرز القصائد التي كتبتها بعد هزيمة 67 واعدة: »يميناً، بعد هذا اليوم لن أبكي!«. (الأعمال الكاملة، ص 511) وهي تشهد على ذلك في سيرتها: »فما عرفت طعم هذا الاندماج ولا تعرّفت على زخمه وحلاوة مذاقه إلا بعد حرب حزيران 1967. فالاحتلال الإسرائيلي أرجع إليَّ الإحساس بنفسي ككائن اجتماعي، وفي ظل الاحتلال فقط، حين رحت ألتقي بالجماهير في قراءاتي الشعرية، عرفت القيمة والمعنى الحقيقي للشعر الذي يتعتق ويتخمّر في دنان الشعب«. (رحلة.. ص 100). لكن التحام الذات بموضوعها على الصعيد الوطني، ترك البقعة المعتمة في روح فدوى طوقان، منطقة لا يسبر لها غور. فلا بد من أن تتواصل رحلة البحث إذاً.. } وعلى المستوى الفني: تربّت فدوى طوقان في بيئة تتذوق الشعر الكلاسيكي وتتعاطى كتابته. وبفضل شقيقها إبراهيم طوقان لم تتوصل إلى قراءة أمهات التراث فحسب، بل تعرفت إلى أبرز الشعراء الفلسطينيين والعرب آنذاك، سواء بالاتصال المباشر، أو عبر مراسلة المجلات العربية وفي مقدمتها مجلة »الرسالة« لأحمد حسن الزيات. »منذ البداية حذرني إبراهيم من حفظ الشعر الحديث..« (رحلة.. ص 86). لذلك تدرجت كتاباتها الشعرية من الشعر العمودي (ديوان »وحدي مع الأيام«) إلى مزج بين شعر التفعيلة والعمودي (ديوان: »وجدتها« وديوان: »أعطنا حباً«) إلى هيمنة قصيدة التفعيلة مواكبة لتطور الإيقاع في الستينيات (أمام الباب المغلق) وصولاً إلى تبني الشكل الثوري نهائياً في مواكبة للتحولات التي مرت بها القضية الفلسطينية من سنة 1967 الى سنة 1987 (الليل والفرسان، على قمة الدنيا وحيداً، تموز والشيء الآخر). لكن ذلك التدرج لم يخلص شعرها من مسحات رومنسية ظلت تطبع شعرها بالانفعالات الآنية والنقمة: يا إخوتنا قولوا حتّامَ؟ أواهُ وآهٍ يا فيتنام آه لو مليون محارب من أبطالك قذفتهم ريح شرقية فوق الصحراء العربية ووهبتمو مليون ولود قحطانية! ... عفواً يا أهل البيت جارحة هذه الأمنية لكن لم يبق لدينا منكم إلا قعقعة الصوت ضيّعنا الأشياء الأصلية ولقد أعيانا يا أحبابي رشّ السكر فوق الموت (قصيدة أمنية جارحة: أعمال: ص 624) ولا تكتمل رحلة فدوى طوقان بهذا الاختزال. فأين أسفارها؟ هي التي نزعت دائماً إلى التخلص من جاذبية المكان جسداً وروحاً! لقد كان السفر أحد المحدِّدات/ المكونات للتجربة الشخصية والشعرية: وها هو ذا إشراقها الرامبوي (نسبة إلى الشاعر رامبو) وهي تزور لندن لأول مرة: »أحسست بإشراق غريب في داخلي، فرح لا أملك تصويره بالكلمات، كأن يداً خفية ضغطت فجأة على زر كهربائي غير مرئي في أعماقي فإذا بروحي تضيء بوهج باهر ما عرفت مثله من قبل. إشراقة صوفية تفصلني عن الماضي كله، تمحو عن قلبي آثار الفظاظة والخشونة والقسوة، تطوقني برقى الأمان والسلام النفسي. العالم طيب، إني أبارك على الحياة (رامبو). وداعاً يا زمان الجفاف والضيق، وداعاً يا زمان التمزق والحيرة«. (رحلة.. ص 167) حتى قصائد السفر تتخلص من مرجعياتها المحلية وبلاغتها القديمة وقوافيها التقليدية (قصائد: لن أبيع حبه، رؤيا هنري، قصائد إلى ج.ه. الخ). لكن السفر بدوره، يعيد إلى الذات، في نهاية المطاف. وعندما تعود فدوى طوقان إلى ذاتها بعد الوعي والكتابة والسفر والتخلص النسبي من ضغوط العائلة والمجتمع فإنها لا تجدها: تعبتُ، تعبتُ، أما مِن نهاية لدربي الطويل لأية غاية أجرّ السنين ودربي يطول وما من وصول (قصيدة هباء، أعمال، ص 260) بين الرومنسية التي لمسناها في الشعر المهجري: »ولم أهتد إلى أصالتي إلا يوم هداني الدكتور محمد مندور إلى أدب المهجر« (رحلة.. ص 88). .. وطرح السؤال بمنظور فلسفي، تتواصل رحلة البحث عن الذات غير أنها ذاتٌ متحولة: من الحيرة: »إلامَ أسير، لأية غاية« (أعمال 258). إلى الطمأنينة: »وكل ما قد كان من ظل يمتد مسودّاً على عمري يلفه ليلاً على ليل مضى، ثوى في هوة الأمس يوم اهتدت نفسي إلى نفسي« (وجدتها: أعمال 176) إلى اليأس مرة أخرى: ثم ماذا؟ الخلود؟ لا تحدثني عن المهزلة الكبرى عن الكذبة، دعها لمجانين الخلود. وعلى الرغم من استحالة التوصل إلى إجابة، ترومها الذات، فإن التجربة لا تتوقف. فلنتمعن في هذين الحلين المواربين: أولاً ماذا لو لم أكن أنا أنا، أو »ماذا لو عدت إلى الطفولة. وتخلصت مما مضى من ضغوط وأخطاء: لو أني رجعت صغيرة لو أني رجعت وملء يديَّه تجارب عمري وخبراتِيَه وما لقّنتني الحياة الكبيرة وما علمتني السنون الكثيرة لعدت برغمي لأخطائيه ونفس حماقاتيه الجبرية تصدر الشاعرة هذه القصيدة (»لا مفر« من ديوان »أعطنا حباً« أعمال ص 356) بالقول إنها لا تؤمن بجبرية تأتينا من الخارج وإنما الجبرية تكمن في داخل الذات. هي جزء لا ينفصل عن النفس. ومن هنا مأساة وجودنا الإنساني«. لذلك تبدو المحاورة فاشلة. وتنهي القصيدة/ المحاولة بالقول: هناك وراء الوراء، بأعماق ذاتي هنالك يرسب شيء خفي يظل خفياً ولا شكل له يظل قوياً ولا لون له يوجه سيري، يخط دروبي ويرفع بين يديّ صليبي و يحدو خطاي إلى الجلجلة! ثانياً مع نضج التجربة يلوح حل آخر: الانبعاث التموزي! ذلك ما تفعله فدوى طوقان في مجموعتها الأخيرة »تموز والشيء الآخر«. فالمجموعة في حد ذاتها تمثل انبعاثاً للشاعرة ولأبرز موضوعات شعرها التي تتكرر لكن مع اغتناء في التجربة والاحتراف الفني وكأنها تقابل فكرة الموت، وعبثية البحث عن الذات الهاربة نحو أفولها، بالانبعاث من جديد كما جرت العادة مع الشعراء التموزيين. فكرة الانبعاث في الطبيعة نجد بذورها الأولى في شعر فدوى طوقان وكأنها تعود إليها الآن لتنقي ما تراه حباً وتفرزه عن الزؤان: كفاني أظل بحضن بلادي تراباً وعشباً وزهرة (أعمال، ص 553) وتتأكد هذه الفكرة/ الحل، تموزياً، من خلال النثر أيضاً، في كتابها »رحلة جبلية رحلة صعبة«. فكأن في كتابة السيرة استعادة للحظات مفلتة، لعمر مفلت، ومحاسبة قاسية للظروف المجحفة، من دون أن تترك مجالاً »لتجميل الواقع وتبريج الحقيقة« كما يقول سميح القاسم في تقديمه للكتاب. بل كأنما في كتابة السيرة مطهر نهائي يهيئ للانبعاث التموزي. لقد جاءت سيرة فدوى طوقان، على مستوى الأسلوب، محملة بعناصر عديدة من شعرها، ربما ضاقت عنها القصيدة على الرغم من امتلائها بالبوح والمباشرة في أحيان كثيرة. غير أن السيرة تتسع الآن للسرد والحكي والتوثيق والنقد. رحلة فدوى طوقان خروج متواصل من البيت النابلسي (بمعناه الاجتماعي السلبي) ومن البيت الكلاسيكي (بمعناه الشعري القديم) وحتى من بيت الروح: »كنت أحس بتلك البذرة تتحرك في داخلي (...) وكنت أحس في الوقت نفسه بالقالب الفولاذي الذي أقبع داخله يعمل على خنق تلك البذرة..« (رحلة.. ص 96). وهو ما جاء في قصائدها الأولى: روحي يلوب بدار غربته عطشاً إلى ينبوعه السامي فهناك أصداءٌ يسلسلها صوتُ السماء بروحي الظامي وهنا، هنا، في الأرض يهتف بي صوتٌ يقيّد خطوَ أقدامي صوتان.. كم لجلجت بينهما يتنازعان شراع أيامي وأنا كيانٌ تائه قلقٌ يطوي الوجودَ حنانُه الظامي! (قصيدة »أشواق حائرة« من ديوان »وحدي مع الأيام« أعمال، ص 38) هو في الختام خروج إلى فضاء السؤال الذي ظل سؤالاً في تلك المنطقة المعتمة من الذات: منطقة الألم. ومن سفح العائلة الى قمة الدنيا، حيث تنخفض الجاذبية، تلتفت فدوى طوقان إلينا، عائدة من ذاتها، لتقول لنا أخيراً: كانت »رحلة جبلية.. رحلة صعبة«. ونحن نختم بسؤال نوجهه إليها: فهل صحيح سيدتي، كما تقولين في إحدى قصائدك: »فهل صحيح أنه عمر نهايته مثل البداية؟«. (*) روائي وناقد تونسي