يعد رولان بارت (1915 1985) واحداً من أهم أعلام النقد، ليس في فرنسا فحسب، ولكن خارجها أيضاً. ولعل السبب الذي جعله يحظى بهذه المكانة، يتجلى في حساسيته الفنية مع قدرته العلمية الهائلة على اختراق ميادين معرفية وعلمية عديدة وتجاوزها (علم الاجتماع، علم النفس، الفلسفة، الأثنولوجيا، الأنثروبولوجيا، اللسانيات، نظرية المعرفة) ثم التركيب بينها، والإفادة منها في إطار ما يسمى »تقاطع العلوم«. مارس بارت الكتابة الإبداعية والنقدية على امتداد أربعين سنة على الأقل، ولهذا عرف بوصفه واحداً من منتجي الثقافة وصانعاً للمعرفة في هذا العصر. ومن المفيد أيضاً أن نشير إلى أنه قضى فترات من حياته مدرِّساً في تركيا ورومانيا ومصر، وهذا يعني أنه احتك مباشرة بثقافات أمم عديدة، أضافت إلى ثقافته ومعارفه خبرة بعقائد المجتمعات التي عاش فيها، وأنماطها الحضارية، وأفكارها، وثقافاتها. ثم لن ننسى أن نضيف إلى هذا معايشته للحضارة اليابانية وما كتبه عنها. ومن أبرز مهامه إشرافه على إدارة معهد التدريب الفرنسي لمواد علم الاجتماع، والرموز، والرسوم، والدلالات. في دراساته الذكية والطريفة لعلم الدلالات يرى بارت مثلاً: »أن علم الدلالات هو هذا العمل الذي يلتقط ما هو غير نقي من اللغة، كما يلتقط حثالة الألسنية والخراب المباشر للأثر الأدبي، أي أنه لا يقبل ما هو أقل من الرغبات والمخاوف والزجر والحركات والعروض والحنان والاحتجاج والاعتذارات والاعتداءات والموسيقى التي تحاك منها اللغة الحية«(1). علم الدلالات لدى بارت كعلم الاقتصاد منتشر في كل مكان، ولا بد من أن يدخل كل الميادين. إنه علم يكشف عن قمع اللغة، فكلما تمحصنا هذه اللغة وجدنا آثارها المستبدة. وقد أصر البنيويون من سوسير إلى جاكوبسون على هذا الطابع الفاشستي للغة. ويقول بارت نفسه: اننا لا نرى السلطة اللغوية لأننا ننسى أن كل لغة تصنيف، وأن كل تصنيف قمع.. وإذا أخذنا بالحسبان الحرية بمعنى أن لا يخضع المرء لأحد، ونظرنا إليها بوصفها قوة للتخلص من السلطة لأمكننا القول إنه لا حرية خارج اللغة. وللأسف فإن لغة الإنسان مكان مغلق، ولا يمكن الخروج منها إلا بثمن مستحيل، سواء بالفرادة الصوفية التي وصفها كيركغارد حين قال إن تضحية إبراهيم فعل غريب لا يشوبه أي كلام.. إنه فعل يقف في وجه العمومية والتجزئة وأخلاقية الكلام، وسواء عن طريق »آمين« النيتشوية التي هي أشبه بخلخلة فرحة لعبودية اللغة، أو لما يسميه دولوز الغطاء الانفعالي لها. لكننا لسنا فرسان إيمان (إشارة إلى كيركغارد) ولسنا بشراً متفوقين (إشارة إلى نيتشه). لهذا لم يبق لنا، إذا لم يخطئني التعبير، غير أن نتحايل على اللغة، وأن نجعلها تغش«(2). سجن اللغة إن فرادة بارت تكمن في إبداعاته المتنوعة للتحرر من تلك المؤسسة المخيفة، أي من سجن اللغة ذات الدلالات المحددة بصرامة القيود والأغلال. وضمن محاولاته المتكررة للفرار من المفاهيم المتحجرة ودلالاتها الفلسفية اللغوية القاسية، أصدر كتابه الطريف »نظام الموضة« وهو يحلم بالاستراحة من الدلالات، وأن يصل إلى البياض المطلق، وإلى الكتابة المحو، والكتابة التلاشي.. مؤكداً انهيار »الكتابات والدلالات الكلاسيكية« إلى ما غير رجعة. حتى أنه رأى (في إحدى محاضراته) أن الأدب أصبح كله من مالارميه وفلوبير إلى اليوم مجرد إشكالية في اللغة. أو صار وفق تعبيره صفراً حقاً، لا صفر البداية المشرّع على اللانهائي، بل الصفر الغياب التام(3). ولكن الباحثة أميرة الزين تطرح هنا تساؤلاً منطقياً مفاده أنه: »إذا كان الأدب صفراً ومحواً وانقطاعاً فإن الناقد يسقط في فخ من اليأس لا بد له من أن يخرج منه، وإلا فما معنى أن يكتب؟«(4). وقد خرج بارت بالفعل من هذا الفخ عن طريق لم يكن يتصورها هو نفسه حين ابتدأ بالكتابة. إذ قفز من »نظام الموضة« إلى كتابة اللذة، إلى ممارسة الاستمتاع.. إلى »مقاطع من كلام عشق« (الصادر عام 1977)،الذي يكاد يكون انطباعياً وشعرياً وذاتياً، لا يربطه ب»نظام الموضة« أي جفاف بنيوي.. إلى »الغرفة المضاءة«، وكلها عود إلى الفرد الذي ملَّ من عالم الدلالات والأرقام الرياضية والتراكيب الجافة.. إلى الميول الشخصية بكل أفراحها أو أتراحها(5). يبقى كتابه »لذة النص« (الذي صدر عام 1973) أكثف مؤلفاته التي تنظر لإيجابية الكتابة. انه يرد فيه على الذين لا يرون في التأليف سوى تحقيق لخائبي الأمل، أو للعاجزين، أو للذين وضعوا خارج التاريخ أو القوة الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية. حيث يرد بارت على هؤلاء قائلاً: »إن اللذة ليست عنصراً من عناصر النص، وليست حثالة ساذجة. إنها لا تتعلق بمنطق الحس والادراك، بل هي انحراف، وشيء ثوري غير اجتماعي، ولا يمكن لأية جماعة أو عقلية أن تتبناها.. إن النص يخلق لي أفضل لذة إذا توصل إلى أن يجعلني أصغي إليه بطريقة غير مباشرة، أي إذا ما انسقت وأنا أقرأه إلى أن أرفع رأسي وأسمع شيئاً«(6). وهكذا تحول بارت من علم الدلالات إلى »علم متعة الكلام« أي لذة الكتابة نفسها، أو »كاماسوترا« (كتاب فاتسيا يانا الهندي عن الحب والزواج والعشق/ خ.ج). لذة أوديبية »لذة النص« عند بارت ذات طابع ثقافي.. لكنها لذة أوديبية قوامها التعرية، والمعرفة، والاطلاع على الأصل والنهاية، وذلك حين يكون صحيحاً أن كل قصة (كل كشف عن الحقيقة) إنما هي إظهار للأب (الغائب، المختبئ، أو المؤقنم) وهذا ما يفسر تعاضد الأشكال السردية، والبنى العائلية، وحرمانية التعرية، وإنها لمجتمعة كلها عندنا، في أسطورة نوح الذي ستره أبناؤه«(7). يؤكد بارت أن التعطش إلى المعرفة يدفع بنا إلى أن نخلق بعض الفقرات أو نتجاوزها لكي نصل بسرعة إلى مواضع الطرفة المحرقة، بحيث نقفز، بدون خوف من عقاب فوق الوصف، والشروح، والتأملات، والمحادثات. مثلنا في ذلك مثل مشاهد في ملهى من الملاهي. »فهل يعتلي المسرح، ويستعجل الراقصة لكي ينزع عنها ملابسها برشاقة، ولكن بترتيب، أي: بالتقيد بوقائع الطقس من جهة، وبتعجيل وقائع هذا الطقس من جهة أخرى«(8). بكلمات أخرى، إن »لذة النص« لا تنتج من بنى النصوص نفسها، ولكنها تنتج في لحظة استهلاكها فقط، مع أن الكاتب لا يستطيع أن يتنبأ سلفاً بهذا، لأنه لا يريد أن يكتب ما لا نقرأ. »ومع ذلك، فإن الإيقاع نفسه لما نقرأ ولما لا نقرأ هو الذي يحدث اللذة في القصص الكبرى«(9). أي إن ما أتذوقه في قصة من القصص، ليس هو مضمونها مباشرة، ولا بنيتها، ولكني أتذوق أو أستمتع بالأحرى بالغوص على ثنايا النص وتجاويفه وإيقاعاته عبر تمزيق ذهني نفسي وتعرية دقيقة وقحة وصولاً إلى ذروة المتعة في اللغة وامتداداتها ومغاورها العميقة، التي تشكل نقاط جذب ساحرة لا بد من ولوجها. وبناءً على هذا، فإن نص اللذة: هو النص الذي يرضي، فيملأ، فيهب الغبطة. إنه النص الذي ينحدر من الثقافة، فلا يحدث قطيعة معها، ويرتبط بممارسة مريحة للقراءة. وإذا كنا نقبل أن نحكم على نص بما تقتضيه اللذة، فإننا لا نستطيع أن نسمح لأنفسنا بالقول: إن هذا لجيد، وإن هذا لسيّئ. إذ ليس ثمة قائمة للجوائز، كما أنه وفق رأي بارت ليس ثمة نقد، لأن النقد يتطلب دائماً هدفاً تكتيكياً، واستخداماً اجتماعياً، كما يتطلب دائماً غطاءً خيالياً(10). وثمة طريقة وحيدة برأي بارت في التفريق بين نص اللذة ونص المتعة، وهي التي قدمها على كل حال علم النفس، وتتجلى في أن اللذة قابلة للوصف، في حين أن المتعة غير قابلة لذلك »إن المتعة لتدق عن الوصف، ولكنها توصف من داخلها. وإنها لممنوعة، ولكأنها تقال أو تُحس بالمشاركة«(11). وهذا رأي قريب مما قاله لاكان: »إن ما يجب أن نوليه الاهتمام، هو أن المتعة ممنوعة على الذي يتكلم، بوصفه متكلماً، أو أيضاً إن المتعة مما لا يمكن قوله إلا بين السطور..«. »وما دام المجتمع في مأزق فإن اللغة أيضاً في مأزق«. هذا ما ظل بارت يردده، وربما تكون لذة الكتابة أو »لذة النص« هي الأخرى عبارة عن وهم آخر أوجده خيال بارت، الذي ملّ من علم الدلالات ومفاهيمه الجافة القاسية. فهو القائل »لا يمكن لأي »أطروحة« عن لذة النص أن تكون ممكنة. إذ كل ما يدور حول هذا الأمر لا يتعدى كونه تفتيشاً (استبطاناً)، وهو يدوم طويلاً. فيا لها من غبطة نقية!. ومع ذلك، فإني، في مقابل كل شيء وضد كل شيء، لأستمتع بالنص«(12). على أية حال، فإن »لذة النص« أسلوب فردي يعيد للأمور الشخصية والعاطفية والنفسية والقوى التخيلية لدى القارئ دورها المهم، الذي سلبته البيئوية، المرتبطة بتسلط التكنولوجيا وآلية الإنسان، حيث تفصَّل القدم الحية لتتطابق مع القدم المصطنعة. (*) باحث وكاتب من سوريا هوامش (1) أميرة الزين، »رولان بارت من دلالات اللغة إلى دلالات الفرد«، في مجلة »الفكر العربي المعاصر«، العدد العاشر، شباط 1981، ص 132. (2) المرجع نفسه. (3) المرجع نفسه، ص 133. (4) المرجع نفسه، ص 134. (5) المرجع نفسه. (6) المرجع نفسه، ص 135. (7) رولان بارت، لذة النص، ترجمة الدكتور منذر عياشي، حلب، مركز الإنماء الحضاري، ط1، 1992، ص 34. (8) المرجع نفسه، ص 35. (9) المرجع نفسه، ص 35 36. (10) المرجع نفسه، ص 38. (11) المرجع نفسه، ص 47 48. (12) المرجع نفسه، ص 66.