يتوجه الاسلام السياسي في اعداده المؤمنين للانخراط في صفوفه الى انتخاب صفوة من المؤمنين والعاملين في سبيل الدعوة، وهذه الصفوة تخضع لتربية قاسية في سبيل حمل كل ما هو مقدس ومتعال، ومترفع عن الدنيويات والصغائر، واحتقار الدنيا وتعظيم الآخرة. لان عدة الامة للخلاص والتغير هي الكفاح الطويل والصراع الشديد مع »العواصف الفكرية والاهواء الشخصية ومع الحكومات والافراد والعالم كله الخارج من دائرة الاسلام حسب الإمام حسن البنا، مؤسس حركة الاخوان المسلمين، وهذا لا يستقيم الا »بنفوس مؤمنة وعزائم قوية صادقة مستعدة للتضحية والسخاء عند الملمات. وبكلمة واحدة سلوك طريق الجهاد«. و»ليس مع الجهاد راحة حتى يضع النضال اوزاره وعند الصباح يحمد القوم السرى«(1). ويحدد البنا مهام الجهاد الملقاة على عاتق »الاخ المسلم«، وفي رأس المهام ابتغاء وجه الله لا ينتظر من احد جزاء ولا شكورا. والجهاد عاطفة حية قوية تفيض حنانا الى عز الاسلام ومجده... وتبكي حزنا على ما وصل اليه المسلمون من ضعف وما وقعوا فيه من مهانة. والجهاد في سبيل الله يعني عند البنا »التنازل عن بعض الوقت وبعض المال وبعض مطالب النفس لخير الاسلام وبني المسلمين«(2). فإن كنت قائدا ففي مطالب القيادة تنفق، وان كنت تابعا ففي مساعدة الراعين تفعل. ومن الجهاد في سبيل الله ايها الحبيب: ان تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وان تنصح لله ورسوله ولكتابه ولامة المسلمين وعامتهم«(3). ويتطرق البنا الى شؤون حياتية وعقيدية فيعدها في باب الجهاد، فيوصي المسلم بالتنكر لمن تنكر لدينه، ومن الجهاد مقاطعة من عادى الله ورسوله، وان يكون جنديا لله يقف له نفسه وماله ولا يبقي على ذلك من شيء، فإذا هد مجد الاسلام وديست كرامة الاسلام ودوى نفير النهضة لاستعادة مجد الاسلام كنت اول مجيب للنداء واول متقدم للجهاد (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) (التوبة، 111). ومن الجهاد العمل على اقامة ميزان العدل واصلاح شؤون الخلق وانصاف المظلوم والضرب على يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه. واخيرا وليس آخرا من الجهاد، ان لم توفق الى شيء من ذلك كله: ان تحب المجاهدين من كل قلبك وتنصح لهم بمحض رأيك«(4). يتساءل البنا بمحاكمة نقدية، اين هم الاخوان المسلمون من هذه الدرجات من الجهاد؟ ويوزع اخوانه على هذه الدرجات، فيصيبون منها جميعا. فهم محزونون لما وصل اليه المسلمون متألمون اشد الألم، وهم يفكرون في سبيل الخلاص، ويبذلون الوقت والمال. ويسهرون الليالي بعيون ذابلة ووجوه شاحبة في سبيل الامة، ورب عين ساهرة لعين نائمة. وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وقد بدأوا في ذلك بأنفسهم ثم بأسرهم وبيوتهم ثم باخوانهم واصدقائهم ثم يستدرك فيقول: اما ما بقي من درجات الجهاد فواجب الجماعة، فعلى الجماعة ان تجيب والاخوان المسلمون في ذلك الرعيل الاول لا يدخرون وسعا ولا يحتجزون جهدا(5). هل تماثلت على الدوام تصرفات القادة وتوجهاتها مع هذه التربية التي ربي عليها الاخوان المسلمون فكانوا رجال حرب وحب وزهد وتضحيات؟ الواقع ان تصرفات بعض القادة وما كان يثار حولها كانت تشكل في كثير من الاحيان صدمات عنيفة للحس العفوي السليم لاعضاء الجماعة. فمثلا اثيرت في اواخر عام 1945 قضية سكرتير عام الجماعة عبد الحكيم عابدين (زوج شقيقة البنا). فقد نقل للبنا ان عابدين يستغل مركزه »لانتهاك حرمة بيوت واعراض بعض الاخوان«. وفي اسابيع معدودة تعدت هذه التهم الاخلاقية نطاق البنا والشاكين وحفنة من القيادات الى قطاعات واسعة من الاخوان. وكلف احد نواب البنا، ابراهيم حسن بالقيام بتحقيق سري غير رسمي، وتقديم ابراهيم حسن باقتراح يقضي بفصل عابدين واعضاء مكتب الارشاد الاربعة الذين اتهموه، الا ان اقتراحه لم يحظ بالموافقة، عندئذ كان على البنا ان يشكل لجنة تقصي الحقائق من كبار الاعضاء. وبعد شهور من »الاستماع« تقدم خلالها مزيد من الشاكين، رأت اللجنة، رغم انها لم تتمكن من الوصول الى اتفاق حول صحة التهم، ان عابدين يجب ان يفصل من الجماعة كاجراء تطهيري، ووصفه احد اعضاء اللجنة الغاضبين بأنه »راسبوتين« جماعة الاخوان المسلمين«. وصوت مكتب الارشاد على طرد عابدين بأغلبية ثمانية اصوات لصوت واحد وهم مجموع الحاضرين. عندئذ عرض الامر على الهيئة التأسيسية التي قامت بتأثير من البنا واضح بتشكيل لجنة جديدة مسؤولة امامها عن اجراء تحقيق جديد. واسفر التصويت الذي اعقب التقرير الجديد عن تبرئة عابدين. وكان سائدا في كواليس الجماعة ان البنا نجح في اقناع الاغلبية بعدم التصويت على الادانة، لقاء وعد منه بابعاد المتهم عن نشاطات الجماعة ومن ثم الطلب منه بتقديم استقالته. وبالفعل كانت الاستقالة في طريقها الى مكتب الارشاد. إلا ان البنا استطاع مرة اخرى اقناع الاعضاء برفضها. وفي النهاية كلفت هذه القضية جماعة الاخوان خسارة الدكتور ابراهيم حسن الذي قدم استقالته احتجاجا(6). ويبدو ان هذه القضية اثرت في بعض خلفياتها على صراع البنا مع احمد السكري الذي خرج في وقت قريب من خروج حسن من صفوف الجماعة. وقد اثر خروجهما كما هو معروف على الجهاز الاداري للجماعة. وقد اسهم ذلك كله في تعزيز دور الجهاز السري. وفضلا عن ذلك، فقد تأثرت المعنويات العامة داخل صفوف الجماعة. وقال احد الاعضاء ان الخلاف اعطى »اعداء الجماعة« سلاحا جاهزا للهجوم عليها. وانه شق جهود وطاقة الهيئة ومنعها من التصدي كما يجب للاحداث »الخارجية«. وفي لحظات نادرة كانت جماهير الجماعة تتنبه الى حالة الانفصام بين فكر »الدعوة« وممارسة القادة. فبالرغم من كل الصيحات والدعوات لرص الصفوف في وجه المستعمرين، والتغني بشعارات الاسلام من حق وعدل ورفض لكل ما هو قائم على الساحة الاجتماعية والسياسية، فقد سلك قادة الجماعة في كثير من الاحيان مسالك شابتها الالتواءات لا الاستقامة مما اوقع الجماعة ومناصريها في خضم صدامات دامية ومستمرة دفعت ثمنها فئة لا يستهان بها من جماهير مصر الاسلامية، كما دفعت الحركات السياسية المناهضة لها قسطا من هذا الثمن، حتى عمت الخسائر الجميع، لا بل ان اكبر حزب جماهيري شعبي في مصر (حزب الوفد) نظر اليه بعين الريبة والحذر دائما من قادة الجماعة السياسية. وبعيدا عن الصراعات الحزبية التي لا يحبها البنا فالاخوان كانوا عاملا في هذه الصراعات. وتاريخ نشأة الجماعة مثلا يبرز في منعطف هام من حياة مصر السياسية، فمطلع الثلاثينات كانت القوى الوطنية الديموقراطية تخوض صراعا مريرا من اجل الاستقلال والدستور. ولم تشترك الجماعة بأي صورة من الصور في هذا الصراع الوطني، وربما كان هذا عائدا لطبيعة تكوينها كجمعية دينية، لذلك قصرت نشاطها في البدء على رسائل الاصلاح الديني والاجتماعي. الا انها لم تشترك ايضا في ثورة 1935، وتناقضت مواقف البنا من معاهدة 1936 مع الانكليز، فقد وصفها في مذكراته »بالمعاهدة المشؤومة« وقال بأن الاخوان المسلمين كانوا من المعارضة لها والمتبرمين بها(7). كما ذكر في كتاب وجهه الى علي ماهر باشا في اكتوبر/ تشرين الاول من العام 1939 ان الاخوان يرون في المعاهدة اجحافا كبيرا بحق مصر واستقلالها الكامل«(8). ثم لم يلبث ان وصفها بطريق غير مباشر بأنها »تعاقد شريف« فقد طالب بأن تعترف الحكومة البريطانية باستقلال فلسطين عربية مسلمة، و»التعاقد معها تعاقدا شريفا على نحو ما حدث في مصر والعراق مثلا«(9). كذلك لم تفهم القوى الوطنية معنى نزول البنا الى الساحة السياسية باصداره مجلة »النذير« السياسية الاسبوعية في مايو/ ايار 1938 وكتابته لافتتاحيتها، وقد جاء في هذه الافتتاحية الهامة اعلان البنا عن تشميره لساعد الجد وخوض غمار السياسة. واعلن فشل الخطط والمناهج التي يسير عليها زعماء وقادة البلاد. لذلك توجه الى هؤلاء الزعماء والوزراء وكافة الحكام والشيوخ والنواب والاحزاب الى اتباع منهج الاخوان المسلمين وتأييد برامجهم. »فإن اجابوا الدعوة وسلكوا السبيل الى الغاية آزرناهم، وان لجأوا الى المواربة، وتستروا بالاعذار الواهية والحجج المردودة، فنحن حرب على كل زعيم او رئيس حزب او هيئة لا تعمل على نصرة الاسلام«. ثم يبين البنا ان السياسة جزء من الدين وبذلك لم يخالف الاخوان مناهجهم، لذلك فهو يتوقع لهذه الخطوة نتائج خطيرة كتعرض الاخوان للاضطهاد وما فوق الاضطهاد. وطلب الى من لا يطبق تكاليف الجهاد »ان يبتعد عن الصف قليلا، وليدع كتيبة الله تسير، ثم فليلحقنا بعد ذلك في ميدان النصر«. واختتم كلمته بايراد امل الاخوان المسلمين المحقق في »جلالة الملك المسلم«. فكيف تستقيم الثورة على كل ما هو قائم في نظر القوى الوطنية لينتهي التحريض بعقد الامل على جلالة الملك المسلم. ومن المعروف ان الملك المسلم فاروق كان قد شب على خطى والده الملك فؤاد في اللهو وعدم الاكتراث بمصالح مصر الحقيقية، وعلى كل حال فقد كان صنيعة من صنائع الانكليز. وقد احاط نفسه وعرشه بحاشية خلاعة وفساد، وكان بعض اعضاء تلك الحاشية اجانب وكان بعضهم من العرب الذين لا يتكلمون العربية. ويقول انيس صايغ ان الناس لم تنس، بعد، فضائح فاروق وامه وبعض اخواته في مصر واوروبا واميركا. ويضيف بأن الملكين فؤاد وفاروق نظرا دائما الى الشعب المصري نظرة باقي آل محمد علي من قبل: نظرة احتقار وازدراء. فكانا يعتقد ان الكرباج هو العلاج الوحيد لتذمر الشعب. وكانا يدعيان ان »النخبة التركية« هي التي مدنت مصر. وان على الاغلبية العربية ان تدين لبقايا تلك النخبة بالخضوع«(10). هذا الملك الذي اثر عنه افساد الحياة السياسية في مصر حتى خلعه عن العرش في 1952، كان يعامل الوزراء بمنتهى الاستخفاف. وكان يطرد من لا يرضى عنه. ويحل مجالس النواب المعارضة، ويعتدي على صلاحيات الحكومة، ويوجه شؤون الخارجية والجيش والازهر والاوقاف حسب مزاجه. ويؤسس الاحزاب الموالية للمشاغبة على الاحزاب المعارضة ويستأجر اقلام الصحافيين. هو ذاته الملك الذي زحفت جموع الاخوان لاستقباله يوم قدومه من الاسكندرية الى القاهرة في يوليو/ تموز عام 1937، فكتبت مجلة الاخوان المسلمون تصف هذا الاستقبال تحت عنوان »حشد لم يسبق له نظير في تاريخ مصر الحديثة«. »لم يكد يعلم المركز العام للاخوان المسلمين بالقاهرة، الشعب التابعة له بالاقاليم عن هذا الحشد، ويصدر الاوامر الى فرقه العسكرية بالزحف الى القاهرة، حتى انهمر سيل الاخوان... كانت سارية اللواء تبلغ حوالى اربعة امتار ونصف المتر، وعليها رقعة فسيحة من القطيفة الخضراء وقد رسم عليها المصحف في نصف دائرة هلالية، وكتب في اعلاها: الله اكبر ولله الحمد، ومن تحتها: الاخوان المسلمون. وقد حمل اللواء السيد نصير بطل العالم في حمل الاثقال، بعد ان اعتنق مبادئ الاخوان المسلمين. وانتظمت فرق الرحالة في اثر العلم. وفي ساحة عابدين، انتظم الاخوان على باب القصر رافعين اعلامهم يهتفون: الله اكبر ولله الحمد، الاخوان المسلمون يبايعون الملك المعظم، نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله«(11). كان الهتاف للملك المعظم هينا امام الهتاف لعلي ماهر باشا عام 1939، وكان ذلك بمناسبة عودته من مؤتمر فلسطين في لندن (المائدة المستديرة). فقد ذهب وفد من الاخوان الى المحطة لاستقباله وعلى رأسه احمد السكري. وعندما وصل علي ماهر باشا، هتف احمد السكري بحياته وامر الاخوان بأن يهتفوا بحياته كذلك، فهتف بعضهم، وامتنع الآخرون وعادوا ثائرين، ورفعوا الى البنا احتجاجا عنيفا اوضحوا فيه ان الاخوان المسلمين ليسوا هتافين، وانهم لن يهتفوا لاشخاص، وانما يذكرون الله وحده. ولكن البنا طيب خاطرهم بحجة ان هذه »تحية المسافر، واننا لا نحيي شخصا ولكن نحيي عمله لفلسطين، فاحتسبوها عند الله في سبيل فلسطين العربية«(12). بيد ان الحملات على قادة التنظيم من حيث خروجهم على المبادئ المثالية العامة للدعوة لم تلبث ان طالت المرشد العام البنا نفسه، حتى اضطر المرشد العام للرد على هذه الحملات في خطاب ارسله الى جريدة البلاغ ردا على تساؤلها، بامتلاكه اسهما في شركة الصحافة وشركة الطباعة وشركة المعاملات بألوف الجنيهات. وقد اشار البنا في رده التهم الى انه بوصفه المرشد العام يوقع على عقود باسم الهيئة »بصفته« لا بشخصه وذلك ما ورد بشأن شركة الهلال للسياحة، وصاحب الاسهم هو المركز العام للاخوان، وانه لا يملك منها سهما واحدا، وانه يساهم بالصفة العامة لا بالصفة الشخصية. اما عن شركة الصحافة والطباعة فاؤكد لكم يقول البنا اني لا املك إلا اربعة اسهم في الاولى قيمتها 16 جنيها لم تسدد بعد كلها، وفي الثانية ثلاثة اسهم قيمتها 12 جنيها لم تسدد بعد كلها. اما ما ذكر في العقدين من ان لي في كل من الشركتين ألف جنيه، فهو مبلغ اسمي فقط... واحب ان انتهز هذه الفرصة فأضيف الى معلوماتكم الصحفية في هذا المعنى انني مساهم في شركة اخرى هي شركة المعاملات الاسلامية بخمسة اسهم قيمتها عشرون جنيها دفعت نقدا وعدا والحمد لله، وانني قد انتخبت رئيسا لمجلس ادارة شركة الاخوان للصحافة نظير مبلغ قدره مئة جنيه شهريا، ورئيسا لمجلس ادارة شركة الطباعة نظير مائة جنيه شهريا اخرى كذلك، ولكني رفضت رفضا باتا ان اتقاضى مليما واحدا من احدى الشركتين، وعملت طوال العام الماضي متطوعا حامدا لله(13). والامر تعدى ذلك فيما بعد الى تبادل الاتهامات بين القادة، وخاصة ما دار بين السكري والبنا، وقد اتهم السكري البنا بالاتصال السري ببعض الشخصيات الاجنبية والمصرية. ويقول السكري ان ذلك هاله عندما عرف به بطريق الصدفة، وتطورت الامور عندما بدأ السكري بكتابة سلسلة مقالات في جريدة »صوت الامة« تحت عنوان »كيف انحرف الشيخ البنا بدعوة الاخوان«، وشددت صحافة الوفد حملاتها ضد الجماعة بنشر خلافاتهم وفضائحهم، حتى اضطر البنا الى توجيه خطاب الى مختلف الشعب والمناطق »ينبه فيه على الاخوان تنبيها مشددا ان يضبطوا اعصابهم ضبطا تاما، وان يتجنبوا بكل وسيلة الاحتكاك بمن يحاول استفزازهم بالقول الجارح او اللفظ النابي. وان يفروا من هذا الميدان ما وسعهم الفرار، فليست في الدنيا هزيمة اكرم من الانهزام امام خطرات السوء ودسائس الشيطان »واذا مروا باللغو مروا كراما«(14). وعندما ازدادت حملة الوفد وازداد حرج البنا ارسل خطابا الى مصطفى النحاس رئيس الوفد المصري حمله فيها مسؤولية ما يحدث. وفي الرسالة يبدو امتعاض البنا واضحا من الاتهامات الموجهة الى الجماعة على صفحات الجرائد. حيث وصف كلام الجرائد بأنه الفاظ جافية نابية تشمئز لها كل نفس مهذبة ويستنكرها الاسلام كما يعاقب عليها القانون الذي حرم القذف وقام على صيانة الاعراض. ويذكر البنا بعضا من هذه التهم في رسالته هذه كالقول بأن الاخوان اخذوا من حكومة صدقي كذا الفا من الجنيهات، واخذوا من حكومة النقراشي ألوفا اخرى، وطلبوا من الوفد مبالغ طائلة ليجاهدوا معه في سبيل الوطن. وبعد رد التهم يناقش البنا سبب الخصومة بين الوفد والاخوان ويخلص الى ما اعتبره كشفا جديدا وهو اللغز المحير، فينصح للنحاس لان الدين النصيحة بأن »الوفد تخللت صفوفه طوائف وافواج من ذوي الآراء الخطيرة والمبادئ الهدامة. الذين لا يدينون بغير الشيوعية مذهبا، ولا يؤمنون بغير موسكو قيادة وتوجيها«(15). ويعتبر هذا الخلل بأنه خطر داهم يتهدد كيان الوفد في الصميم اولا، ويتهدد المجتمع المصري كله بعد ذلك، ثم يذكر انه تعالى الهتاف في بعض المدارس: الشيوعية فوق الاسلام. ويخلص البنا في رسالته بطلب للنحاس لتطهير صفوف الوفد من »الاغرار المفتونين بالالحادية المحطمة، والاباحية المدمرة، لان هؤلاء لا خلق لهم ولا لهم دين«(16). وقد اتضح فيما بعد ان سلوك الجماعة التذبذب من موالاة ومعارضة كانت تسبب الحيرة للقاعدة. وامتازت الجماعة بالقدرة على الالتفاف على السلطات القائمة وخاصة حكومات الانقلابات، فكانوا يهادنونها، لانها من جهة حكومات باطشة، ومن جهة اخرى كانت الجماعة تستلب بعض الشبان لينخرطوا في صفوفها بدل انخراطهم في صفوف الوفد. في حين كانت الجماعة تشاغب وتستأسد عندما يكون الوفد في الحكم، وهذا عائد موضوعيا الى النزعة الديموقراطية التي كانت تحكم سلوك الوفد السياسي. صحيح ان رجال المؤمنين هم رجال حرب وحب وزهد. وقد انضموا الى الاخوان، كما يقول صلاح عيسى، استجابة لمشاعرهم الدينية الفطرية التي لم يبذلوا جهدا في تعميقها او تنظيرها، وسعيا وراء مثوبة الدعوة ومقاومة الرذائل في النفس الانسانية، الى الدرجة التي لم يعتبرها بعضهم اصلا حركة سياسية فجمع بين عضويتها وعضوية احزاب اخرى كالوفد المصري مثلا(17). لكن هذه البساطة في نشاط اخوان القسم العام، تعقدت لدى اخوان القسم الخاص (الجهاز السري) الذي كان يدرب ويعد للعصف بالنظام السياسي القائم. وهذا ما اوجد انعدام الوحدة في التثقيف السياسي للاخوان، وهو ما ادى في النهاية، نتيجة سلوك القادة والاعتماد على التشكيلات العسكرية السرية مع عجز ايديولوجي فاضح، الى دخول الجماعة في تحالفات سياسية مشبوهة لم تخضع لاسس المبدئية التي طالما نظر لها البنا، حتى ان الجماعة اصبحت موضوعيا تعمل قبل ثورة يوليو 1952 في حماية الاقليات السياسية المكروهة من الشعب المصري والمعادية للتطور الديموقراطي، وغير المتشددة في مسألة الاستغلال الوطني من الدستوريين والسعديين، حتى بدا الاخوان جزءا من التحالف المعادي للوفد المصري، حزب الوطنية المصرية الليبرالية التقليدية. هذا التحالف الذي يخدم بنشاطه موضوعيا اوتوقراطية السراي الملكية والاستعمار الانكليزي. وهذه للاسف ذروة الانفصام بين المثال المقدس، وعالم السياسة الارضي والمدنس. هوامش (1) مجموعة رسائل الامام الشهيد حسن البنا، ص 69. (2) المصدر نفسه، ص 81. (3) المصدر نفسه، ص 82. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه، ص 84. (6) راجع: ميتشل: الاخوان المسلمون، ص 113 وما بعدها. (7) حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية...، ص 283. (8) المصدر نفسه. (9) المصدر نفسه، وراجع: عبد العظيم رمضان: تطور الحركة الوطنية في مصر، ص 315 316. (10) انيس صايغ: الفكرة العربية في مصر، دون ناشر، بيروت 1959، ص 188. (11) راجع: البنا: مذكرات الدعوة والداعية، ص 251 255. (12) راجع: عبد العظيم رمضان: تطور الحركة الوطنية في مصر...، ص 314 والمرجع المذكور اعلاه، ص 286 287. (13) راجع: انور الجندي: حسن البنا الداعية الامام...، ص 147 148. (14) المصدر نفسه، ص 154 155. (15) المصدر نفسه. (16) المصدر نفسه. (17) صلاح عيسى: مقدمة كتاب ميتشل، الاخوان المسلمون، ص 27.