في شهر تموز من العام 1919، انهت معاهدة السلام التي وقعت في فرساي بين قوات الحلفاء والمانيا فصول الحرب العالمية الاولى. ومع ذلك، بقيت مصائر دول الشرق الاوسط مجهولة، بشكل كامل، وفقا لما لم تلحظه تلك المعاهدة. فلبنان مثلا، هو في نظر الحلفاء، بمثابة »ارض عدوة محتلة«. وكان المؤتمر السوري، الذي افتتح اعماله قبل شهر من توقيع تلك المعاهدة في دمشق تحت قيادة الامير فيصل، قد اعطى الى لجنة التقصي الاميركية مذكرة طالب فيها بوحدة »سوريا التاريخية« و»استقلالها المطلق والفاعل«. كذلك، وفي تلك الفترة، غادر البطريرك الماروني مرفأ جونيه، على رأس وفد »لبناني« الى مؤتمر السلام حاملا معه »تمنيات الامة الحقيقية«. في نهاية شهر تموز ذاك. قرر شارل قرم رئيس الجمعية الوطنية للشبيبة السورية، اصدار »المجلة الفينيقية«، حيث كان، وفي الوقت ذاته، صاحبها ورئيس تحريرها، والتي كانت تهدف الى قول الاثر التاريخي الذي كانت ترغب في الحصول عليه كما في قول معركتها المزدوجة، المعركة الثقافية والسياسية. في محاور ذلك الخطاب السياسي، نجد المطالبة باستقلال لبنان، وهو استقلال كامل لا يقتصر ابدا على »وظيفة ادارية« كما طالب باعادة رسم حدوده كاملة: الحدود الطبيعية والتاريخية والاقتصادية بالاضافة الى صداقته الابدية مع فرنسا »حامية الضعفاء وممدنة الشعوب وام جميع الحريات الحقة...«. كذلك نادت »المجلة الفينيقية« بجملة من الافكار كمثل: خلود لبنان الذي يميزه عن البلدان المحيطة به، واستقلاليته منذ الازمنة الغابرة، ورسوه في حضارة غابرة، واكمال دوره في التجارة البحرية ودوره الرائد في مجالات عدة...« كانت هذه الافكار، بمثابة خاصياته »الفينيقية« التي تسمح بتوحيد الجبل والساحل وبتخطي التقسيمات الطائفية!. للدفاع عن طروحاتها هذه، جمعت »المجلة الفينيقية« من حولها بعض الاشخاص »الاتين من آفاق متعددة«، اي انهم اشخاص ينتمون الى الوظائف العليا والهيئات الادارية العثمانية والمصرية وبعض رجال الاعمال وقضاة وعلماء ورجال فكر وادب... كما افردت مساحة مميزة الى »شعرائنا« (الذين يكتبون بالفرنسية) وعلى رأسم ايلي تيان وهكتور خلاط، كما خصت »رجالاتنا الكبار« (ناصيف اليازجي وبطرس البستاني... بمقالات، بالاضافة الى عدد كبير من المقالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية التي شددت على فكرة بناء لبنان »الفينيقي« ودور »بيريت« كعاصمة للعدل... الى آخر تلك الافكار... »المجلة الفينيقية« صدرت في اربعة اعداد في تلك الفترة، اذ توقفت مع عدد »الميلاد« من العام نفسه، ومنذاك وهي مفقودة. لذلك قررت »دار النهار« اليوم، اعادة طبعها، لنعيد قراءتها، ولنكتشف مع تلك المجلة كم انها لعبت دورا »سيئا« في محاولتها نزع لبنان من محيطه العربي، وادخاله في متاهة لم نخرج منها لغاية اليوم، وما الحروب الاهلية التي مرت علينا، الا انعكاس لتلك الافكار. فما لبنان، الا فكرة »طموحة« حاولت »المجلة الفينيقية« تجسيدها وبثها في قلوب بعض اللبنانيين، لذلك من غير المجدي، ان نبحث عن سبب توقف المجلة عن الصدور في تلك الفترة. لقد زرعت افكارها... ووجدت ارضا صالحة. ومع ذلك، ان اعادة صدورها، او بالاحرى، اعادة طبعها اليوم، تضع امام الباحث، الفرصة، لاعادة اكتشاف هذا اللبناني الحالم، ولاعادة اكتشاف تلك المرارات التي لم ننج منها بعد... »المجلة الفينيقية«، تشكل لحظة تاريخية في حياتنا الثقافية والاجتماعية، وعلينا ان نتقبلها بصفتها بنت تلك اللحظة، قبل ان نفترق عنها، او قبل ان يحن اليها البعض منا... ا . ح.