As Safir Logo
المصدر:

قصة الرسالتين من عبيد والديراني إلى عائلتيهما أولاد الأسيرن يكبرون ويتفاءلون أكثر مما يأملون

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1996-11-04 رقم العدد:7535

ما يهم ذوي الأسرى والمعتقلين في سجون ومعتقلات قوى الاحتلال الاسرائيلي هو غير ما يهم المفاوضين. وان كان الجانبان يبغيان الوصول الى نتيجة واحدة: إطلاق سراح هؤلاء. الشيخ عبد الكريم عبيد، خطفته وحدة كومندوس اسرائيلي من منزله في جبشيت ليل 21 تموز 1989 مع مجموعة من ابناء البلدة. ونقل الى سجن إفرادي داخل الأراضي المحتلة. وبقي هناك من دون اتصال علني، الى ان اجرى معه التلفزيون الاسرائيلي مقابلة حثّ فيها »على إجراء الاتصالات والعمل لإطلاق سراح الطيار رون اراد لكي يجري إطلاق سراح بقية المعتقلين«. الحاج مصطفى الديراني، خطفته وحدة كومندوس من منزله في قصرنبا في البقاع، ليل 21 أيار 1994. ونُقل أيضاً الى سجن إفرادي داخل الأراضي المحتلة، وهو يخضع لاعتقال إداري كما الشيخ عبيد، بانتظار انتهاء »محاكمته« بالتّهم المنسوبة إليه، وفي مقدمها »خطف« الطيار الاسرائيلي رون اراد الذي اسقطت طائرته التي كانت تقصف منازل سكنية شرق صيدا في العام 1986، اعتقلته وحدة من حركة »امل«، التي كان الديراني في ذلك الوقت، يشغل فيها منصب المسؤول الأمني الأبرز. منذ هذين التاريخين، والاتصال الانساني مقطوع، مرات عدة حاول أهل الأسيرين البعث برسائل إليهما بواسطة الصليب الاحمر الدولي، الذي يعود في كل مرة حاملاً الرسائل نفسها، وقائلا: »الزيارة ممنوعة والرسائل ممنوعة أيضا«. عائلة عبيد قطعت الأمل بهذا الباب للاتصال، وعائلة الديراني، حاولت عبر طريق آخر، دبلوماسي عربي شهير، وعد بالقيام بمحاولة، اتصل بالأمين العام للامم المتحدة بطرس غالي، الذي فشل أيضا حتى في نقل الرسائل وليس في تأمين زيارة من اهل المعتقلين الى عبيد والديراني في سجنهما داخل اسرائيل. الأسرى تعودوا على الاعتقال، والأهالي تعودوا أيضا، والفارق، أن معتقلين كثراً خرجوا، كانوا في وضع أقل قلقاً من حالة ذويهم، ولذلك، كانت اسرائيل تعمد الى جعل الاعتقال، وسيلة ضغط مباشرة تهدف من ورائها ليس الى الحصول على معلومات، وهي نادرة أصلاً، بل لاعتقادها، بأن الاعتقال، سوف يفرض على الآخرين تقديم التنازلات، وخصوصا بشأن رون اراد. وفي محاولات التفاوض السابقة للوصول الى صفقة، كان الوسيط الالماني برنار شميدباور يصطدم برفض اسرائيلي مطلق للبحث في وضع عبيد والديراني والاسيرة سهى بشارة طالما لم تصل قضية رون اراد الى سكة الحل. ولذلك، فشلت كل الوساطات لضمها الى ملف التبادل التقليدي. ولذلك، جرى تحييد هؤلاء الثلاثة، ومعهم آخرين لا يجري عادة التداول بأسمائهم مثل الاسير جواد قصفي المعتقل منذ سبع سنوات. لكن تفاصيل التفاوض، أظهرت بشكل حاسم ان اسرائيل سوف تجمّد بقية الملف حتى تحصل على معلومات تقود الى اطلاق سراح رون اراد. وفي أثناء هذه العملية، أبدى »حزب الله« لأول مرة، استعداده للبحث عن رون اراد، والعمل على جمع ما يتيسر من معلومات تفيد عملية اطلاقه مقابل جميع المعتقلين اللبنانيين في سجون الخيام والأراضي المحتلة، وعلى هذا الأساس، تحرك شميدباور من جديد، وكان لا بد من »رسائل حسن نية«. تطوّع شميدباور مسبقا، وقبل تنفيذ صفقة تبادل الأسرى وجثث الشهداء، كان قد أشار مع المسؤولين الاسرائيليين عن الملف، امكانية اجراء اتصال بالأسيرين عبيد والديراني، وجاءته الموافقة بشرط ان يتحدد توقيت هذا الاتصال ربطاً بالتطورات، وعملت اسرائيل على الطلب من عبيد والديراني كتابة رسالتين على بطاقتين وقد وقّعتا بتاريخ 30 تموز 1996، أي بعد أيام قليلة من صفقة التبادل، لكن يعقوب بيري، المسؤول الاسرائيلي عن هذا الملف، احتفظ بالرسالتين الخاليتين من أي إشارة الى الموضوع الأساسي، بل تتضمنان فقط، سلامات وتحيات الى الأهل. وعندما استأنف شميدباور وساطته، اعطى الرسالتين، ونقلهما الى أمين عام »حزب الله« السيد حسن نصر الله، الذي نقلهما بدوره الى ذوي عبيد والديراني وقال لهما: »أنا متفائل، ونعمل بكل جهد لإقفال هذا الملف، وإطلاق سراح المعتقلين«. قبل ذلك، كانت الصحافة العالمية قد نشرت صورة للحاج الديراني وقد كُبّلت يداه ووضع كيس في رأسه، وهو يدخل محكمة حيث يحاكم. وقد تضاربت المعلومات والتفسيرات عن توقيت نشر هذه الصورة، وقد جرى التدقيق مع صورة مماثلة من»وكالة الصحافة الفرنسية التي قالت لاحقاً. انها لم تلتقطها هي، بل ان اسرائيل هي التي وزعتها. البعض قال انها رسالة حسن نية، وان الديراني المعتقل »ادارياً« لم يحاكم بعد، والبعض الآخر، رأى فيها رسالة لا تُقرأ الا في مكتب المفاوض، الذي يستطيع حلّ الشيفرة الخاصة بها، والأهل، رأوا فيها رسالة ضغط، حيث بدا الديراني مكبّلا منكّس الرأس ومخفياً بكيس وكانت اسرائيل تريد من »الاهل ان يشعروا ويمارسوا الضغط اكثر على »حزب الله« لكي يصار الى اطلاق أراد«. أبناء الشيخ عبيد الخمسة، كبروا بعد السنوات السبع، وابنته الصغرى »مجاهد«، كانت ابنة ثلاثة شهور حين دخل الاسرائيليون منزلهم في جبشيت وخطفوا والدها، وهي لا تبدو غريبة عنه، تعرفه وتستطيع التحدث عنه، والرسالة التي وصلت لم تكن تحمل جديدا، لكنها مجرد افتتاح لسكة اتصال، يأمل أبناء العائلتين، بأن تتطور الى الاتصال المباشر، والى اطلاق سراح الأسيرين وبقية الأسرى. الأهالي، يثقون ب »حزب الله« ويقول أحدهم: »نحن نعلم ان أراد غير موجود عندهم، لأن ظفر معتقل واحد موجود في المعتقل الاسرائيلي، يساوي اراد ومن خلفه. نحن نتفاءل اكثر مما نأمل«. نص الرسالتين كتب الشيخ عبيد: »الى الأهل الاعزاء، انني بصحة جيدة، ولا ينقصني إلا رؤيتكم الكريمة، وأنا بأحرّ الشوق إليكم جميعا، ولن أذكر الأسماء لأنني لا أعلم من لا يزال حياً ومن فارق هذه الحياة، فأبعث بسلامي لكم جميعا دون استثناء وآمل ان نلتقي قريبا، بإذن المولى، انه سميع مجيب«. والسلام عليكم. الشيخ الأسير عبد الكريم عبيد«. وكتب الحاج الديراني: إلى الأهل والعائلة الاعزاء، السلام عليكم وبعد، صحتي جيدة، أسأل لكم المولى الخير ولا ينقصني سوى رؤيتكم. أقبّل يدي الوالد مع طلب الدعاء، وأتمنى للجميع الصبر والصحة الجيدة، والسلام عليكم، وخاصة سارة (الصغيرة)«. ولم يكتب عبيد والديراني من أي سجن يبعثان بالرسالتين البطاقتين اللتين اعطتهما إياهما اسرائيل، كانتا تحملان صورة فندق جميل على شاطئ طبريا، لكنهما ليسا هناك بالتأكيد! رد أهل عبيد والديراني سريعا، كان أمامهم فرصة ساعات قليلة لكي يكتبوا الرد، ابن الشيخ عبيد الصغير، وجد بين كتبه، بطاقة عليها صورة لحمامة سلام تطير بحرية، لم يكن يقصد ذلك، لكن الصدفة ساعدته، وأسطر قليلة تكفي لرد التحية، والاستمرار في الانتظار.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة