As Safir Logo
المصدر:

قراءة.»حياة متخيلة«للروائي الأسترالي(اللبناني الأصل)ديفيد معلوف أحلام الهجرة والبحث عن الجذور(صورة)

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 1996-11-02 رقم العدد:7534

أولى اعمال معلوف التي ترجمت الى الفرنسية كانت رواية »هارلند وأملاكها« (1986)، لكنها لم تلقَ الاهتمام الكافي من قبل النقاد والقراء. فإحدى مشكلات الادب الاسترالي التي يعانيها في القارة الاوروبية، تكمن في اعتباره ادباً ثانوياً وتقديمه بمثابة ظاهرة عارضة او بمثابة ركيزة (فسيلة نابتة على ارومة شجرة) اكزوتيكية للآداب الانكليزية. لكن وبعد سنتين اي في العام 1988 عاد الفرنسيون (والاوروبيون معهم) ليكتشفوا معلوف مجدداً مع رواية »ابن بلاد البرابرة«، وليكتشفوا معها رحابة الادب الاسترالي وغناه وتفرّده، يرسمون فيه مكاناً خاصاً وشخصياً جداً لم يقع ابداً في أفخاخ المناطقية المحلية البحتة، اذ ومن خلال سعيه الحثيث الى حفر طبقات الزمن يبحث عن الجذور التي تصل الانسان بالفضاء الذي يسكنه والذي يشوّهه. من هنا تأتي كتب معلوف لتنقل الينا ذاكرة تلك القارة، ذاكرة صرخاتها و»احتجاجاتها« على جعلها قارة منسية، تشكلت فيها احدى اعظم حركات الهجرة والمنفى في التاريخ. هارلند وأملاكها هذه الفكرة كانت حاضرة من خلال تنويع لها وبقوة، في روايته »هارلند واملاكها«، اذ سعى الكاتب فيها الى تشييد »اسطورة« حول ارض المنفى هذه، بصفتها فرصة اخرى مؤاتية لأحلام التملك والاستملاك، كما انها مكسرٌ لهذه الأحلام وما ينتج عنها من كوارث. لذلك يضع ديفيد معلوف في روايته هذه عواطف الانسان التي يقابلها واقع الارض، حيث يشكّل الأمران معا نوعا من الفسيفساء الاجتماعية التي يستنفذ مخيلته من ينابيع الحياة نفسها. هل كان يصور معلوف بهذا المعنى، جانباً آخر من جوانب الهجرة وتحطّم أحلامها، او بنائها؛ والتي كان ينحدر منها؛ فهو من مواليد العام 1934 في مدينة بريسبين عاصمة مقاطعة كوينزلاند، شرق استراليا، من اب لبناني هاجر مع بدايات القرن الى هناك. (أصله من مدينة زحلة البقاعية، وهو سليل المعالفة، عائلة الادب والفن) ومن ام بريطانية. اي انه سليل هجرتين. أقام بعد دراسته الجامعية في اوروبا حيث عمل استاذاً في لندن من العام 1959 الى العام 1968، ثم انتقل الى استراليا من العام 1968 الى العام 1977، وكرّس حياته اثر ذلك للكتابة متنقلاً بين استراليا وتوسكانة في ايطاليا. عن حياته هذه وليدة الهجرتين جاءت رواية »جونو« التي يمزج فيها ما بين السيرة الذاتية وبين السحرية. كأننا امام شكل آخر من اشكال »الواقعية السحرية«، ذلك النمط الذي عرفناه مع قسم كبير من ادب اميركا اللاتينية، لكن مع فارق واضح، هو عدم جنوحه ولا في اي شكل من الاشكال الى رسم صورة اكزوتيكية عن استراليا. فإذا كان ادب اميركا اللاتينية يبحث في معنى قارته، فإن معلوف بدوره، كان يبحث عن معنى قارته الاسترالية، مع تركيزه على موضوع اثيري لديه، هو موضوع الهجرة: اي كيف تشكلت هذه البلاد من المهاجرين الذين اكتسحوا السكان الاصليين. جميع اعمال ديفيد معلوف تقريباً ما هي إلا وحدة في واقع الامر في هذه العلاقة النابتة بين الواقع والمتخيل، والتي نعود لنجدها بشكل أوضح في آخر كتبه »أتذكّر بابل« (القراءة تعود هنا الى النص الفرنسي، اما العنوان الانكليزي الاصلي هو »البحث عن بابل«). في هذا التمازج، تبدو حذاقة الحكاية عند معلوف التي تكسر الزمن، حيث ان وميض الذاكرة يستمد استمراريته من حياة أبطاله، على مسرح العالم الواسع... عالم واسع الأرجاء هذا ما اكتشفه الجميع في رائعته »هذا العالم الواسع الارجاء« (والتي ساهمت جائزة »فمينا« في إطلاقها والتعرف الى كاتبها بشكل اوسع، اذ ان الجائزة هي واحدة من اهم خمس جوائز، تمنح في شهر تشرين الثاني من كل عام). تروي »هذا العالم الواسع الأرجاء« قصة شابين من ابناء المهاجرين فيك وديغر يبحثان عن المغامرة والتجربة في هذا العالم الواسع. لقاؤهما الاول، كان خلال التحاقهما بجيش المتطوعين الاسترالي، خلال الحرب العالمية الثانية، بعد ان اجتاحت اليابان الفليبين. يتعارف الشابان بعد سقوط سنغافورة، اذ يقعان معاً في الاسر في معتقل ياباني. وتدور رواية معلوف حول معنى التقاء هذين الشابين، كما تدور حول قضية التفاعل والالفة في ما بينهما، كما عن تجربتهما ما بعد الحرب، اي حين يقول ديغر »لقد مرت الحياة.. ونحن نعتقد انها لم تبدأ بعد...«. بهذا المعنى، حين يستمد وميض الذاكرة استمراريته من الحياة على مسرح العالم الواسع، يبدو فيك وديغر كأنهما المهندسان المسّاحان اللذان يخططان أراضي الانسان فوق الارض الاسترالية. ففي هذه الحياة التي مرّت.. يرصد معلوف حكايا الموت العادي، حكايا الحرب والازمات وصراع الاجيال. انها بمعنى ما، كتابة تأريخ وتاريخ لهذا الكوكب، الذاهب عميقاً الى نهاياته من دون ان ننتبه له، ومن دون ان نعرف ذلك. سؤال المعرفة هذا هو الذي ينسج قماشة روايته الاخيرة »أتذكّر بابل«. وقد يبقى العنوان غامضاً بعض الشيء، اذا لم نحاول تفسيره من خلال »نقشين« يبررانه: الاول جملة الشاعر وليام بليك: »لو كان الأمر يتعلق بالقدس او بابل، فلن نعرف شيئاً«، والثاني، جملة الشاعر جون كلار من قصيدته التي يحاول فيها ان يتساءل حول الارتباك القيامي للعالم الذي ينحدر منه »أسيأتي زمن تتذكريني فيه...«. شاعران يتصدّران الرواية، وما هذه المرجعية الى هذين الشاعرين الرؤيويين او المهلوسين وبحسب الغنائية الانكليزية الا توضيحاً لهذه الرواية ذات »الاغتصاب المزدوج« و»التناقض الظاهري« و»المنطق غير المعقول« (بحسب ما وصفت). لأنه وبالنسبة الى اللابطل الذي لا اسم له تقريباً على مرّ الرواية فإن العالم قد تشقلب، وضاعت الاشارات وتبدّلت ولا تزال تضيع. فهذا الابيض الذي يصبح اسود، يطلق عليه اسم »غيمي«. وقد غرق ماضيه بأكمله في مياه الامواج حيث رمى به البحارة، منذ زمن بعيد. واذا كانت بعض الوجوه او بعض لحظات الذكريات المعذبة لا تزال محفورة في روحه بشكل قاس، مثلما هي الندوب عالقة في اعضائه، فإن سنوات عيشه مع السكان الأصليين، نُزعت عنه تدريجاً »أناه« السابقة. كذلك حلّت مكان لغته مقتطفات من لغة اخرى. اسودّ جلده، تاه، ولم يعد يعرف من اين يجيء او من سيتذكر؟ ذات يوم، يظهر امام اطفال »المستعمرات« الذين يقتادونه الى المخيم. فأن يكون شخصاً معتبراً ليس بالأمر السهل. فتبنته عائلة. لكن قلة هم الذين يقبلون به لذلك يتحوّل الى مشبوه، وتبدأ تحقيقات، ما هي في الواقع الا صورة عن علاقة المُستعمِر بالمستعمَر، والعكس ايضا، اي ان العلاقة تتحول الى علاقة اعداء، متناسين اشارات الفضاء الذي يسكنونه والحضارة التي ينتمون اليها. وحين يعود مرة، عن طريق الصدفة، الى المكان الذي وجده فيه سكان البلد المحليون، ومن جراء الشمس والملح، يعود ليتذكر حياته الماضية تدريجاً. ليست »بابل« سوى صورة عن هذا العالم الواسع الارجاء. فبمزج الكاتب في اسلوبه اللبق والمتميز، بتنوعه وثراه، بين الماضي والحاضر، وبين عالمي البشر والحيوان، يصل الى قمة هذا العالم الواسع، المليء بالتناقضات. حياة أوفيد واذا كان وليم بليك وجون كلار، يشكلان مرجعية »أتذكّر بابل«، فإن الشاعر اللاتيني اوفيد هو الذي يشكّل مرجعية رواية »حياة متخيلة«، بل لنقل ان الرواية، هي سيرته المتخيلة. تقول المعلومات القليلة التي بقيت لنا عن حياة اوفيد وعن عصره، انه حاول في البداية دراسة العلوم والاقتصاد، بناء على رغبة ابيه، في ان يجد وظيفة محترمة، بين حاشية الامبراطور. لكن حبه للشعر، دفعه الى التخلي عن كل ذلك. وعاش حياة موزعة بين العاطفة والحسية. كما انه، بعد وضعه كتاب »فن الحب«، نفاه الامبراطور الروماني اغسطس نظرا الى ان الكتاب يتضمن مقاطع منافية للاخلاق. وبغياب اية وقائع اضافية اخرى ما عدا المعروف عنه كمكان ولادته وتاريخ وموت اخيه، الخ يجنح ديفيد معلوف في روايته هذه، الى تخيل حياة اخرى عن اوفيد، وتحديدا في الفترة التي تم نفيه فيها. يقول الكاتب انه استخدم قصيدة اوفيد عن المنفى »تريتيا« في وصفه شخصية نوميس (في الكتاب)، كذلك اعتمد على الكتاب الثالث من »فاستي« ودراسته عن الاعياد الرومانية الرئيسة، كيف يصف تفاصيل عيد »باريليا«، الواردة تفاصيله في »حياة متخيلة«. يتخيّل معلوف ان اوفيد تم نفيه الى منطقة تشبه الى حد بعيد »استراليا« قبل دخول المستعمرين اليها. اي انه يضعنا مرة اخرى، في مواجهة سكان اصليين، ليكتب لنا عن حياتهم وتفاصيلهم. اي بمعنى آخر، ثمة مواجهة اخرى، هنا بين الحضارة الرومانية وبين الحضارة البدائية التي تحاول مقاومة كل شيء، الذي وبحسبه يمشي سكان المقاطعات على رؤوسهم، لغاية الصوت الذي يطير والذي يضع الجانب الآخر من الكوكب في متناول عطلة توفر جميع التعويضات المريحة. في البداية، كان اوفيد، يحاول مواجهة الشيخ والطفل والسكان، بمفاهيمه، لكنه يبدأ باكتشاف الآخرين تدريجاً، والانحياز لهم وكأنه بمعنى ما يصبح واحداً منهم. منفى اوفيد كان مكاناً للتعلّم. لقد تعلم الجانب الآخر من الحياة. وما يزيد في اهمية كتاب معلوف، الذي يدفعنا الى الاضطراب هو سحر هذه الكتابة الجديرة (التي نجح المترجم في امتلاك مناخها). انها كتابة تلعب في صهر ساعات الزمن والمظاهر وغموض الحياة العاطفية والحسية في وقت واحد. طرف العالم ليست روايات ديفيد معلوف جميعها وبلا استثناء سوى محاولة للإجابة عن سؤال واحد واساسي في جميع كتبه: »كيف بإمكان المرء ان يكون استرالياً؟«، فأمام شخصية الكاتب امام هذا الدم الانكليزي اللبناني الذي تتصف به قارته، كما تتصف به اساطيره هذه المليئة بالعواطف والافعال لا يمكننا الا تصديق هذا الانتاج المثالي للهجرة وتصديق هذه الأمكنة، حيث تتقارب شعوب الكون، وحيث يحمل كل واحد ماضيه مثل »بقجة« منسية على رصيف الرحيل... ومن المدهش حقاً في كتاباته اننا نلاحظ ان شواذّ هذا العالم الواسع يولد من طرف العالم، من خلال هذه القوة التي تمتلكها الحكاية، لأنها تضم كل ما يقع فوقها. أقصد ان اهمية معلوف تكمن في نجاحه بتحويل الاسطورة المتخيلة الى حياة واقعية، وكأنه بذلك ينتمي الى الادب الاغريقي القديم. وما استمرارية هذا الأخير حتى حياتنا الراهنة، الا لأنه أدب حقيقي.. اي انه ادب اختصر لنا كل حيواتنا المقبلة. هل بهذا المعنى تبدو الحياة كأسطورة ام العكس ايضا؟ ربما هنا وسيلة وحيدة لمعرفة الجواب عن ذلك: ينبغي قراءة روايات ديفيد معلوف. إسكندر حبش

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة