توفي الروائي الجزائري الكبير عبد الحميد بن هدوقة مؤخراً عن عمر يناهز ثلاثة وسبعين عاماً. وبن هدوقة يعتبر من كبار كتّاب الجزائر، جمع على امتداد كتاباته، الحس التعبيري الكلاسيكي المطعّم بالإرهافات الشعرية إلى الحس السردي المفتوح على الرمزية والدلالة بتشعباتهما وغناهما. لا أظن أن للكاتب إنتاجاً أخيراً! لا أؤمن بالكتاب الأخير، أو الديوان الأخير، أو المسرحية الأخيرة. لا أؤمن بقبور تحمل أسماء لا تموت. ولا أعترف بنقاط نهاية لنصوص لم تنته أو لم تكتب بعد. ترى في أي شيء كان يفكر بن هدوقة وهو يشعر بالصقيع يحتل أطرافه، وبشيء دافئ بدأ يتراجع من كيانه، كان قد لازمه إحدى وسبعين سنة هو الروح، أو رفيق الجسد أو شخصه الدائم بكل اختصار؟ هل كانت »الجازية« معه، أم كان يحيط به الدراويش؟ هل كان شيء ما مثل »ريح الجنوب« يهب على أرياف ذاكرته أم أن الريح توقفت كما أرادها في أولى رواياته على طبيعة هادئة وباسمة مثل طباعه؟ هل كان يعلم أن سفره هذه المرة يختلف عن سفره الأول إلى قسنطينة من المنصورة الصغيرة قريته، ويختلف عن هروبه إلى مرسيليا، كما يختلف عن ذاك السفر إلى تونس طلباً لمزيد من العلم؟ هل كان يعلم أنه قضى قرابة ثلاثين سنة وهو يبني المدن والقرى التي سيعيش فيها، ويزرع الحقول التي سيتمشى بينها ويصنع الأشخاص الذين سيتقاسم معهم الحلو والمر لعمر لن ينتهي؟ هل كان يدرك في لحظة الانفصال المؤلمة عن عائلة دنياه أن زوجته الثانية (الكتابة) أنجبت له الكثير من الأبناء والأحفاد والأجيال، وأنها جعلت عالمه الجديد عامراً، وقد يكون شبيهاً بذاك الذي قال عنه »غداً يوم جديد«؟ أو شبيهاً بذاك الذي قال عنه »نهاية الأمس«، أو شبيهاً بالذي قال عنه »بان الصبح«، أم أنه يشبهها فقط في عظمة الحلم وما يجب أن يكون، ويختلف عنها في كل خيبات المضمون؟ فما أشبه كل عناوينه التي حكى من خلالها »التركة الثقيلة التي خلفتها أعوام الضياع والتلف«(1) ولكنها في الوقت نفسه »محاولة لرسم إيقاع هذه الأسماء التي توحي بشيء من التفاؤل والإيجابية والنظر إلى الأمام«(2). ابن الريف، كاتب الريف من كتب الريف أكثر من بن هدوقة في الجزائر؟ من كتب أحلام الريف، وثورة الريف، وتمرد الريف أكثر منه؟ من صاحب أدب الريف؟ لا شك في أنه ابن الريف الذي رأى النور عام 1925 في قرية »المنصورة« التابعة لولاية سطيف سابقاً، ولولاية برج بوعريريج حالياً. تابع دراسته في مدينة قسنطينة بالمدرسة الكتانية. في عام 1949 سافر إلى مرسيليا لمتابعة دروس في الإخراج الإذاعي ونال الشهادة في ذلك ثم عاد للتدريس بالكتانية، ولكن لم تطل به الإقامة بقسنطينة إذ يشد الرحال إلى تونس للالتحاق عام 1950 بجامع الزيتونة الذي تخرّج منه بشهادة التطويع عام 1954 إلى جانب شهادة من معهد الفنون الدرامية في البلد نفسه. وعاد مرة أخرى إلى المدرسة الكتانية ليدرّس بها مادة الأدب العربي إلا أن نشاطه السياسي والفكري الذي بدأه في تونس مع حركة انتصار الحريات الديموقراطية الجزائرية، وجمعية الطلبة المسلمين الجزائريين زاد خلال عودته، ما دفع الاستعمار الفرنسي لملاحقته فتسلل إلى فرنسا مرة أخرى، وبعد ثلاث سنوات انتقل إلى تونس ليعمل في صفوف جبهة التحرير الوطني بالخارج، ومع فجر الاستقلال عاد إلى الوطن ليعمل في الاذاعة، ثم تقلد عدة مناصب فيها، وفي المؤسسة الوطنية للكتاب وغيرهما في الميدان الثقافي. ومن كل محطات حياته المختلفة بعضها عن البعض الآخر، والثرية كل بأبعاد ثقافتها وتاريخها، برزت أيام »المنصورة« في كل أدبه أيام طفولته وصباه، الريف هو الهاجس الذي حرّك عواطفه وهو يلج خلوة الورق، فكتب بأسلوبه البسيط كل ما يمكن أن يكون وجعاً ريفياً وحلماً ريفياً، ورغبة ريفية وإرادة ريفية. كتب كل ما تعشقه الطفولة، ويهذبه سن الاتزان، فجاءت مؤلفاته شعراً وقصة قصيرة في البداية، ثم جاءت الرواية وهذا هو الأهم. ثلاثيته »رواية »ريح الجنوب« لعبد الحميد بن هدوقة (...) هي الرواية التي تكاد تجمع قطعاً آراء النقاد والباحثين على أنها البداية الفعلية لرواية جزائرية ناضجة بلسان الأمة: اللغة العربية«(3) وقبلها بالتأكيد عرف النثر في الأدب الجزائري محاولات في القصة والرواية بدأت سنة 1849 ب»حكاية العشاق في الحب والاشتياق« لمحمد بن إبراهيم مروراً بأسماء كثيرة قبل الوصول إلى »غادة أم القرى« (1949) للكاتب أحمد رضا حوحو الذي منح معالم أكثر وضوحاً وتطوراً للقصة المطولة سواء من حيث الفكرة أو الشكل أو اللغة. »ريح الجنوب« أنجزها الكاتب في الخامس من تشرين الثاني 1970 »تزكية للخطاب السياسي الذي كان يلوح بآمال واسعة للخروج بالريف من عزلته، ورفع الضيم عن الفلاح، ودفع كل أشكال الاستغلال للإنسان، وسرعان ما تكرس ذلك الخطاب الذي هلّل له الاعلام كثيراً في قانون الثورة الزراعية الصادر رسمياً في 8 تشرين الثاني 1971 ثم دخل التطبيق الفعلي فدشن الرئيس هواري بومدين في 17 حزيران 1971 أول تعاونية للثورة الزراعية في قرية »خميس الخشنة« قرب مدينة الجزائر«(4) تلته مشاريع بناء القرى الاشتراكية حيث بعد ثلاث سنوات بالضبط من هذا التاريخ دشنت أول قرية اشتراكية من ألف قرية مبرمجة. إذاً، هذا هو الجو الذي كان يعيشه الوطن، وعاشه الكاتب بشكل طبيعي انعكس في نصه الروائي الذي يروي قصة رجل (ابن القاضي) يحاول الهروب من قانون مصادرة أراضيه منه، وهروب امرأة (نفيسة ابنة ابن القاضي) من القانون الأبوي المصادر لحريتها وطموحها كطالبة جامعية. وهكذا بنى الكاتب الحدث على قطبين متقابلين تحركت بينهما الأحداث لتشمل أكثر من جانب من جوانب الحياة، وينتهي الصراع فيها الى قتال ابن القاضي ورابح، الذي كان راعي غنم عنده لأن هذا الأخير وجد نفيسة وقد لدغتها أفعى حين هربت من بيت والدها هروباً من الزواج الصفقة الذي قرره الوالد بينها وبين مالك (المجاهد سابقاً، ورئيس البلدية حالياً)، وظلت في بيت رابح إلى أن اكتشف الوالد ذلك فكان القتال بينهما، وكانت النتيجة عودة نفيسة الى بيت والدها المجروح لتنفتح النهاية على قراءات متعددة مرتبطة بنوعية القارئ. إن النص بحكم أنه »عمل أول في تأسيس رواية فنية جزائرية بكل الملامح المعروفة واقعياً وفنياً وإيديولوجياً وبكل السلبيات التي لا يخلو منها أي عمل رائد«(5) يتطلب وقفة أطول، ولكن قد يكون الواجب اليوم الوقوف عند أهم أعماله ولو باختصار كهذا. بعد »ريح الجنوب« التي حوّلها المخرج محمد سليم رياض الى فيلم تصرف في نهايته من أجل موقف إيديولوجي واضح حيث ألغى المواجهة بين رابح الراعي وابن القاضي، وجعل نفيسة تتمكن من الهروب، وحيث سئل الكاتب عن موقفه من هذا التحريف أجاب »اقترح المخرج ذلك فلم أر مانعاً، أي (وافقت)« (6) ولعل الكاتب إذا رأى أن لا مانع من تغيير نهاية روايته فهذا يعني أن بعض الأمور غير هذه النهاية أصبح يرى أنه لا مانع من تغييرها، بالتالي فقد تكون بعض وجهات نظره تغيرت، ولهذا كتب »نهاية الأمس« و»بان الصبح« ليتدارك بعض الثغرات، وليضيف إضافات الثورة، وبالتالي تصبح رواياته الثلاث (ريح الجنوب، نهاية الأمس، بان الصبح) »ثلاثية تأتي على تجسيد الواقع الجزائري منذ أيام الثورة« (7) فقد جاءت كل من »ريح الجنوب« و»نهاية الأمس« »قضية الأرض، كما عمق الصراع بين الثورة من جهة وبين الاقطاع من جهة أخرى، ثم جعل الثورة تنتصر على الإقطاع، وهذا يعني انتصار الجماهير الكادحة«(8). أعطى للريف مساحة جعلت حيزه المكاني ضيقاً الى درجة لم يشمل فيها مزيداً من الشخصيات التي تمثل عيوب المجتمع وميزات الثورة. لهذا اتخذ من العاصمة »مركزاً محورياً للحدث في روايته »بان الصبح« والصبح هنا كشف حقيقي لما عانته الثورة الاشتراكية من مستغلين وانتهازيين وبورجوازيين والذين يتصنعون البورجوازية زيفاً، والوصوليين (...) تلك هي ثلاثية النضال من أجل حياة أفضل«(9). ولئن أهمل أخطاء السلطة وهفواتها في تنفيذها لمبادئ الثورة وغفل عن أشكال كثيرة من سلوك (دعاة الثورة) إلا أنه صوّر الريف بكثير من الصدق في مشاكله ومعاناته وواقعه المأسوي بشكل عام بحيث برع في ألا يصبح (ريفه) منطقة بعينها دون مناطق الوطن الأخرى التي تعاني المعاناة ذاته. الجازية والدراويش »وأنت تقرأ رواية عبد الحميد بن هدوقة »الجازية والدراويش« يلفت نظرك خطاب خالق مبدع لفضاءات عديدة سواء أكان ذلك من حيث الشكل الذي كتب به أم من حيث المضامين المتألقة التي طرحها، له قدرة كبيرة على الإيحاء وطاقة هائلة على إحالة القارئ على قراءات مختلفة تبعاً للخصوصيات النفسية والاجتماعية والتاريخية التي تميز قارئاً عن قارئ آخر«(10). ولئن ظل الريف الحيز المكاني المفضل لبن هدوقة، فإن »الجازية والدراويش« طرحت أفكاراً جديدة، وانبنت على صراعات جديدة، فالأحمر تيار إيديولوجي، والطيب تيار آخر، والجازية رمز، والأخضر الجبايلي »فكرة ضاربة بجذورها في أعماق الريف لا تريد أن تحيد عنه«(11) والدراويش »يمثلون السلطة الروحية في الدشرة ويستقرون في وعي ولاوعي السكان وحتى إمام المسجد«(12)، وهذا تيار آخر جديد، وقمة الصراع الذي بلغته شخصيات هذه الرواية بعدة سنوات. فزمن الأحمر »فوق سرعة المرحلة (الجازية) الجزائر ومقطوع بلا جذور ماضية يساوي صفراً. وزمن الطيب تحت سرعة المرحلة (الجازية) الجزائر له جذور قديمة تقدر بأربعة عشر قرناً ومستقبل بطيء جداً مشدود إلى الوراء من هذه القرون التي لا ترحم على حد قوله«(11). إنها الرواية التي كسر فيها الروائي أحد أقطاب الثالوث المحرم (ثالثها بالنسبة إليه) ألا وهو الدين والصراع القائم بين فئات اجتماعية متعددة تختلف في الرأي ويتجاذبها إرث التقاليد والانتماء. إنها المرحلة أيضاً. لكن على كل حال، رواية الجازية والدراويش تمثل قفزة نوعية في أدب عبد الحميد بن هدوقة من حيث شكلها ومضمونها وقفزة نوعية أيضاً في أدب ما قبل تشرين الأول (أكتوبر) 1988. غداً يوم جديد »إن رواية »غداً يوم جديد« تريد التعبير عن المرحلة الراهنة بكل جوانبها وأشكالها المختلفة من سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وما إلى ذلك، ولأن الجزائر الوطن هي الأرض التي تتشكل فيها ملامح هذه البينات والصورة التي تنعكس عليها آثارها بالسلب أو الإيجاب، بالتقدم والتخلف، فقد اختار الكاتب المرأة؛ الطرف المسحوق من مجتمعنا والذي تقع على كاهله عيوب المجتمع وأخطاؤه لتكون رمزاً ولساناً للجزائر، اختار مسعودة، الشخصية المحورية الرئيسة في الرواية لتكتب حقيقة الواقع الجزائري للناس ولتعبر عن حلم الماضي وكابوس الحاضر«(14). الغالب أنه لا يمكن أن نختار للوطن رمزاً يناسب عطاءاته وحاجته لأبنائه غير المرأة، ولكن بن هدوقة ليس البحث عن الرمز هو الذي أجبره على هذا الاختيار، فموقفه من المرأة واضح ومشرف، ومتاعب المرأة كانت من اهتماماته الأولى، وفي كل رواية يعطيها مكانة محترمة تختلف عن صورة المرأة التي لا تكون أكثر من مومس أو صورة من صور الخطيئة عند أدباء كثيرين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ تحدث بن هدوقة في هذه الرواية عن خيبة الوطن وواقعه القائم على أنقاض ثورة لم تصل إلى ما يجب أن تصل إليه، لذا جاء نصه عبارة عن لوحات يربط بينها عنصر الماضي، وهي تجمع بين شكل السيرة ورواية الحدث، كما »عكست موقفاً انتقادياً تجاه الواقع الاجتماعي ولم يكن هذا الموقف وليد تحليل شمولي لهذا الواقع أو إدراك موضوعي لأبعاده وإنما هو محاولة للتعبير عن صورة واقع أخذ في الانهيار لمصلحة صورة جديدة ليست هي البديل المطلوب«(15). لكن ما يجب أن نسجله هنا هو أن »غداً يوم جديد« هي روايته الوحيدة بعد أكتوبر 1988 ولهذا فهي تبدو مختلفة عن غيرها، فهذا التاريخ يعتبر فاصلاً بين مرحلتين، وغير الكثير من المفاهيم في الجزائر، وبالتأكيد انعكس ذلك في كل الابداعات وأهمها الرواية. وفي »غداً يوم جديد« اتخذ الكاتب »نهجاً فنياً جديداً لم نألفه في كتاباته السابقة التي اعتمد فيها الأسلوب الواقعي حيث نجده في هذه الرواية يركز أكثر على الحدث أو الفكرة موظفاً الشخصيات النمطية المركبة التي تجمع بين أكثر من مستوى وظيفي، مستغلاً في ذلك الرمز بصورة مكثفة، ومستعيناً بأسلوب التضمين أو التناص والتداول البنيويين. وهو ما جعل الرواية تنمو عبر زمنين متداخلين هما: الزمن القصصي الذي يعكسه السياق اللغوي، والزمن النفسي للشخصية الذي يتحقق من خلال أدوات القص الحديثة كالاسترجاع أو التذكر وغيره«(16). وهو يقول: ترى أي ريف اخترت هذه المرة؟ وما شكل الغد الذي تحلم به؟ أطال الله عمرك. (*) كاتبة جزائرية هوامش (1) و(2) الدكتور عمار زعموش، أعمال الملتقى الوطني الثاني: الأدب الجزائري في ميزان النقد، أيام 10 و11 و12 أيار 1993. إنجاز المطبعة المركزية عنابة الجزائر. ص 98. (3) الدكتور عمر بن قينة، في الأدب الجزائري الحديث (تأريخاً وأنواعاً وقضايا واعلاماً)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر (1995)، ص 196. (4) نفسه، ص 198. (5) نفسه ص 220. (6) نفسه، ص 210. (7) أحمد دوغان، شخصيات من الأدب الجزائري المعاصر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1989، ص 120 121. (8) نفسه ص 121. (9) نفسه ص 122. (10) الأستاذ بشير أبرير أعمال الملتقى الوطني الثاني (الأدب الجزائري في ميزان النقد)، أيام 10 11 12 أيار 1993، المطبعة المركزية عنابة، الجزائر، ص 111. (11) و(12) نفسه ص 114. (13) نفسه ص 115. (14) الدكتور عمار زعموش، أعمال الملتقى الوطني الثاني (الأدب الجزائري في ميزان النقد)، ص 101 102. (15) نفسه ص 102. (16) نفسه ص 110.