في حدث نادر لا يكاد يتكرّر، أجرى مهرجان القاهرة السينمائي استعداداً لدورته العشرين استفتاءً بين العديد من السينمائيين والمثقفين، لاختيار أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية، احتفالاً بمرور مئة عام على العرض السينمائي الأول الذي شهدته مصر في مدينة الإسكندرية، عام 1896، بعد عام واحد من أول عرض لهذا الفن الوليد في باريس. ولسنا في حاجة إلى القول إن هذا لا يعني أن تاريخ السينما المصرية قد امتد حقاً إلى الأعوام المئة، فقد ظل المتفرج المصري والعربي مجرد مستهلك يرى الأفلام الأجنبية طوال ثلاثة عقود، حتى بدأت صناعات السينما العربية في إنتاج القليل من الأفلام التي تتسم بقدر كبير من التواضع، في الوقت نفسه الذي كان العالم الغربي قد تجاوز منذ زمن طويل مرحلة صنع الشرائط البدائية، ليصل من ناحية إلى إنتاج أفلام باهرة باهظة التكاليف، كما اقترب، من ناحية أخرى، من عالم الإبداع الفني الراقي، مع التعبيرية الألمانية، وسيريالية بونويل وسلفادور دالي، وواقعية رينوار الشاعرية. لكننا مع ذلك نحتفل بالأعوام المئة، لعل ذلك يجعلنا نشعر بأن علاقتنا الحميمة بالسينما تمتد عبر تاريخها، أو لعله بالأحرى قد ينجح في أن يبعث في نفوسنا بصيصاً من الأمل بأن السينما المصرية المعاصرة سوف تتجاوز أزمتها ومحنتها، بل ربما كان هذا الدفاع المتحمس عن علاقتنا بالسينما، ورغبتنا العميقة في إنقاذها، هو في جوهره دفاع عن ظاهرة حضارية مرتبطة بسياق اجتماعي واقتصادي كامل، فإننا إذ ندافع عن فن السينما فإنما لأننا نريد البقاء والإبقاء على تلك التجربة الجماعية في مشاهدة الأفلام، في زمن بات فيه الاختلاف أعمق من الاتفاق، وكاد يضيع فيه المشروع القومي الذي يوحد بين أبناء الوطن الواحد. لذلك لم تكن محض مصادفة أن يقفز فيلم »العزيمة« (1939) ليتصدّر القائمة في هذا الاستفتاء، وهو الذي خلت منه تماماً قائمة أفضل عشرة أفلام في استفتاء وحيد جرى عام 1984، فعلى الرغم من أن فيلم »العزيمة« من الناحية الفنية والفكرية قد لا يكون أفضل الأفلام المصرية على الإطلاق، فإن اختياره لكي يحتل المركز الأول يعكس بدوره نوعاً من الرغبة في البحث عن الجذور القوية لثقافتنا السينمائية في الزمن البعيد، أو لعلها »النوستالجيا« التي جعلت فيلماً مثل »غزل البنات« (1949) يتسلل إلى قائمة الأفلام العشرة الأولى، بينما لم تنجح في ذلك أفلام مثل »دعاء الكروان« أو »اللص والكلاب« أو »صراع الأبطال«. لكن الأغلب الأعم من أفضل عشرة أفلام، تظل هذه الأعمال السينمائية شديدة الاقتراب من الواقع، مثل »الأرض« (1970) و»الحرام« (1965) و»بداية ونهاية« (1960) و»سواق الأوتوبيس« (1983) و»الفتوة« (1957)، وإن ظل هناك مكان بالغ الأهمية لتجارب سينمائية متفردة في أساليبها، مثل »المومياء« (1975) و»باب الحديد« (1958)، كما يظل لفيلم »شباب وامرأة« (1956) سحره الطاغي في إحكام سرده السينمائي للحدوتة، حتى أنه ينجح في أن يتسلل إلى العقل والوجدان. مخرجون ونجوم في القراءة المتأنية لنتيجة هذا الاستفتاء، تكتشف أن سنوات الانطلاق الحقيقية للسينما المصرية كانت تلك التي تنتمي إلى عقد الخمسينيات، ربما لأن السياق المعاصر لتلك الفترة أتاح للسينمائيين القدرة على التعبير عن الذات، وعن سينما ذات ملامح قومية خاصة، وهو الانطلاق الذي استمر تحت ظل القطاع العام في الستينيات، لولا أنها كانت سنوات الازدهار والانكسار معاً، انعكس تأثيرها الايجابي والسلبي في ظهور مجموعة جديدة من المخرجين، إلى جانب جيل »الحرس القديم«، لكن بعض هؤلاء الجدد اختار موقع الثورة المضادة، الذي أصبح الموقف الرسمي للسلطة خلال السبعينيات. لقد تزامن غياب دعم الدولة للصناعة السينمائية خلال هذا العقد، بذريعة الحرية الاقتصادية، مع ممارسة السلطة دوراً رقابياً صارماً، ما أدى إلى نضوب نسبي لأفلام هذه الفترة، حتى أن كثيرين من مخرجي الجيل السابق كادوا يتوقفون عن صناعة الأفلام، لكن جيلاً جديداً يظهر خلال الثمانينيات، ويترك بصمته الواضحة القوية، على الرغم من أن نتيجة الاستفتاء تشير إلى أن عدداً قليلاً من أفلام السينما المصرية الجديدة قد نجح في أن يتسلل إلى القائمة، لكنه مع ذلك لم ينجح في أن يحقق مراكز متقدمة، وظل »سواق الأوتوبيس« وحده، بعد ثلاثة عشر عاماً من إنتاجه، من أفضل عشرة أفلام. كان أقدم أفلام الاستفتاء هو »سلامة في خير« (1937) لنيازي مصطفى، وأحدثها هو »ليه يا بنفسج« (1993) لرضوان الكاشف، وبين هذين الفيلمين تبرز أسماء المخرجين الأكثر أهمية في تاريخ السينما المصرية: يوسف شاهين (اثنا عشر فيلماً)، وصلاح أبو سيف (أحد عشر فيلماً)، وكمال الشيخ (ثمانية أفلام)، وإن كان علينا أن نضع في الاعتبار أن مخرجاً مثل شادي عبد السلام قدم فيلماً روائياً واحداً خلال حياته القصيرة، لكن »المومياء« كان جديراً بأن يحتل المركز الثالث، كما أن الأفلام الأربعة التي فازت لتوفيق صالح من بين أفلامه الخمسة (المصرية) تبدو نسبة لا يمكن تجاهلها. لذلك فإن الأرقام المجردة وحدها لا تكفي دليلاً على أهمية هذا المخرج أو ذاك، أو على اكتمال وعيه الجمالي ونضج وعيه السياسي، بالمقارنة مع مخرجين آخرين، وإن كانت الأرقام تبدو أصدق مع النجوم، فقد أوضحت نتيجة الاستفتاء أن »النجم« قد يعيش فترة من السطوع خلال فترة ما، لكن سرعان ما يتجاوزه الزمن وينساه التاريخ، بينما يترك »الممثل« أثراً باقياً لا يمحى، بل إنه يستطيع دوماً أن يجدد قناعه الفني، ويدخل تحت إهاب الشخصية التي يجسّدها، فيظل الناس يتذكّرون تلك الشخصيات التي رأوها على الشاشة وصدقوا وجودها بفضل الموهبة الحقيقية للممثل. لذلك لم يكن غريباً أن سطوع نجوم عادل إمام الذي قام ببطولة عشرات الأفلام الناجحة جماهيرياً لم يكن وحده كافياً لأن تصمد أفلامه، على الرغم من تحول العديد من النقاد في الفترة الأخيرة للحديث عن موهبته الخارقة. وهكذا فإن فيلمين فقط من أفلامه هي التي استحقت أن تتضمنها القائمة، »الأفوكاتو« (1984) و»اللعب مع الكبار« (1991)، بينما سقطت من الذاكرة أفلام أخرى صاحبت عرضها دعاية صاخبة لم تشهد لها الساحة النقدية مثيلاً. على النقيض، فإن محمود مرسي، بأفلامه التي لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، قد استحق بجدارة أن يأتي من بين أهم الممثلين، بينما تصدّر شكري سرحان القائمة، بأفلام بعيدة تماماً عن قناع نجوميته كفتى للشاشة، من بينها »ابن النيل« و»شباب امرأة« و»صراع الأبطال« و»البوسطجي« و»عودة الابن الضال«. وهذا ما ينطبق أيضاً على فاتن حمامة، صاحبة المركز الأول بين الممثلات، فإن أياً من أفلامها التي ظهرت فيها في صورة الفتاة الرقيقة الهشة، لم يستطع النفاذ إلى قائمة أفضل الأفلام، بينما أتت أفلام مثل »الحرام« و»دعاء الكروان« في مقدمتها، وهو ما تأكد أيضاً مع أفلام سعاد حسني، مثل »الزوجة الثانية« و»القاهرة 30« و»أهل القمة«، التي جعلتها تستحق أن تكون صاحبة المركز الثاني بين الممثلات. بين التصالح والثورة وإذا كانت نتيجة الاستفتاء قد جاءت كتقييم لأفضل مئة فيلم مصري، فإنها كانت في الوقت نفسه انعكاساً للفكر السائد لدى المثقفين، فكأنها نوع من الشهادة على الواقع الثقافي الذي يعيش حالة من فقدان اليقين، في فترة تاريخية شهدت انقلابات سياسية وإيديولوجية على المستوى القومي أو العالمي لقد صعد فيلم »العزيمة« إلى المركز الأول، وكان النقاد حتى وقت قريب يوجهون إليه النقد الحاد على رؤيته التوفيقية التصالحية لقضية الصراع الطبقي، بينما هبط فيلم »صراع الأبطال« (1962) إلى المركز التاسع والأربعين (وكان منذ عشر سنوات من أفضل عشرة أفلام)، وهو الفيلم الذي يدعو إلى مواجهة قوى الظلم والجهل، فلعل هذه النغمة »الثورية« تبدو اليوم وقد عفى عليها الزمن، في عصر لم يعد فيه مكان لفيلم يحمل اسم »صراع الأبطال« وفكره. كذلك هناك أفلام تستحق بجدارة أن تتضمنها القائمة، لكنها خلت منها، مثل »شفيقة ومتولي« و»الجوع« لعلي بدرخان، و»البحث عن سيد مرزوق« و»سارق الفرح« لداود عبد السيد، و»الحريف« لمحمد خان، و»حب في الزنزانة« لمحمد فاضل، كما خلت القائمة من أفلام مثل »الباب المفتوح« لبركات، و»الأسطى حسن« و»البداية« لصلاح أبو سيف، و»اسكندرية كمان وكمان« ليوسف شاهين. ولتضع هذه الأفلام جنباً إلى جنب أفلام ظهرت في القائمة، مثل »دنانير« و»غزل البنات« و»أيامنا الحلوة« و»بين القصرين« و»خللي بالك من زوزو«، لتدرك أن الاستفتاء لم يستطع أن يتجاوز ما يمكن أن نسميه »فولكلور« السينما، الذي يتيح لك أن تتمتع بعناصر »الفرجة« الشعبية، أو أن ترى عبد الوهاب وأم كلثوم ونجيب الريحاني على الشاشة، بصرف النظر عن المعايير الفنية الدقيقة التي تجعل هذه الأفلام ترقى إلى مستوى المئة الأفضل. من جانب آخر، فإن أغلب أفلام القائمة تقع في دائرة الأفلام »الواقعية«، بالمعنى الفضفاض للكلمة، لأنها أفلام قريبة إلى وجدان المشاهد، تخاطب عنده الأفكار التي تنتمي إلى حياته، بلغة سينمائية سهلة، وتتبع بحرفية عالية قواعد السرد السينمائي التقليدي، لكنها أيضاً أفلام لا تسعى للتصادم مع المفاهيم السائدة، وهي إن بدت ثورية في مضمونها، فلأن ثوريتها تأتي دائماً بعد أن تكون الثورة أو الثورة المضادة أمراً واقعاً، فأفلام مثل »الفتوة« و»القاهرة 30« و»غروب وشروق« و»الرجل الذي فقد ظله« توجه سهام نقدها إلى »العهد البائد«، بينما تأتي أفلام مثل »ثرثرة فوق النيل« و»الكرنك« و»أبناء الصمت« و»المذنبون« لتنتقد الثورة، حين أصبحت هي ذاتها عهداً بائداً. لكنك لن تخطئ وجود تلك الأفلام القليلة التي تمتعت بجرأة حقيقية في نقد الواقع المعاصر لها، بدءاً من »اللص والكلاب« الذي يجعل اللص بطلاً شعبياً في زمن أصبح فيه الأفاقون نجوماً للمجتمع، وانتهاءً بأفلام مثل »انتبهوا أيها السادة« و»أهل القمة« و»الحب فوق هضبة الهرم« التي تضع في مركز اهتمامها انقلاب الهرم الاجتماعي الذي يهدد الطبقة الوسطى، كما أن أفلام »على مَن نطلق الرصاص« و»البريء« تلمس الوتر السياسي الذي يتماس أو يتقاطع مع الوتر الاجتماعي، بل إن أفلاماً تمتد بثورية المضمون فيها إلى عالم الميتافيزيقا، مثل أفضل أفلام رأفت الميهي »للحب قصة أخيرة«. الأسى والمقاومة على النقيض، فإن أفلاماً أخرى نالت موقعها في قائمة الاستفتاء بفضل ثورية الشكل فيها، مثل »المنزل رقم 13« و»حياة أو موت« لكمال الشيخ، و»باب الحديد« و»اسكندرية ليه« و»حدوتة مصرية« ليوسف شاهين، و»البوسطجي« لحسين كمال، و»زوجتي والكلب« لسعيد مرزوق، و»الطوق والأسورة« لخيري بشارة، وعلى رأسها جميعاً يأتي فيلم »المومياء« الذي لم يعمد إلى استعراض العضلات التقنية والبهلوانيات السينمائية، لكنه حاول أن يقدم صوغù للغة سينمائية بصرية مستمدة من جماليات الفن المصري القديم. لكن هناك أفلام تنجح في أن تحقق ثورية الشكل والمضمون معاً، وهي أفلام قليلة على أية حال في تاريخ السينما المصرية، لأنها تغامر مغامرة حقيقية ضد النزعة التجارية في السينما، ولأنها تدرك أن رسالتها الحقيقية هي تغيير المفاهيم السائدة عند المتفرج، ليس فقط على مستوى المضمون، وإنما أيضاً تحطيم الإيهام التقليدي بأن ما يراه المتفرج هو الواقع، لكي تدفعه إلى التفكير في هذا الواقع ومحاولة تغييره إلى الأفضل. وإلى هذه النوعية تنتمي معظم أفلام توفيق صالح مثل »درب المهابيل« و»صراع الأبطال« و»المتمردون« و»يوميات نائب في الأرياف«، كما تنتمي بعض أفلام يوسف شاهين مثل »الاختيار« و»العصفور« و»عودة الابن الضال«. لكن الصفوة الحقيقية لأفلام قائمة الاستفتاء هي تلك التي تنتمي إلى الواقعية السينمائية الناضجة، مثل »سوبرماركت« الذي ترك الواقع ينساب كالتيار المتدفق بلا بداية أو نهاية، ولم يفرض نفسه على الشخصيات، وإنما اكتفى بتأملها من دون أن يصدر على أي منها حكماً أخلاقياً، وتلك هي الحافة التي يتلاقى عندها الواقع والشعر. وإن فيلماً مثل »سواق الأوتوبيس« بكل ما يحفل به من عناصر ميلودرامية ساخنة، ليس في التحليل الأخير إلا قصيدة متأملة أسيانة لمصير الطبقة المتوسطة، التي يكاد يتوحد فيها المتفرج بالبطل كما يراه على الشاشة، وهو يحاول أن يدافع حتى الرمق الأخير عن »ورشة« الأب، التي توحي بأنها تجسد الماضي والحاضر معاً، اللذين يمضيان إلى مصير مجهول، كما أن التشاؤم القاتم تجاه أزمة الطبقة المتوسطة في »بداية ونهاية« كان أعمق، لكنه كان أكثر ميلودرامية أيضاً، وإن ظل صادقاً في عرضه لمصائر الأسر الصغيرة التي باتت ضائعة في مهب الريح، وكشفه عن التناقض الكامن داخل هذه الطبقة، بين النبل والانتهازية، والشرف والخطيئة. لكن من أجمل الأفلام المصرية ما لمس وتراً حساساً عند الجماهير، لأن فيلماً مثل »الأرض« يؤكد قدرة البسطاء على المقاومة، حتى لو سالت الدماء بالطين، وأن بطلاً ضريراً كما في »الكيت كات« ليس إلا تجسيداً لظروف القهر المفروضة على هذا الشعب طوال تاريخه، لكنه أبداً لا يموت، يتحايل على الحياة تارة، ويبدي صلابة تارة أخرى، ليبقى صانعاً للحضارة. وهؤلاء هم أبطال »ليه يا بنفسج« يشبهون الزهرة الرقيقة في الأغنية الشعبية المشهورة، يصنعون البهجة على رغم ما يكتنف حياتهم من حزن، ويظلون يعزفون ألحانهم الفرحة الأسيانة معاً، تعبيراً عن وجودهم على هذه الأرض برغم كل الظروف والأحلام المجهضة. لقد جمع الاستفتاء الذي كنا نتمنى أن يمتد ليشمل أفضل الأفلام العربية وليس المصرية وحدها بعضاً من أهم إنجازات السينما المصرية عبر تاريخها القصير، إنجازات لم تنتظر أن تمتلك صناعة السينما عندنا الوسائل والأدوات التقنية التي تمتلكها استديوهات هوليوود، وإنما الانجازات التي تكشف بصدق عن أن الفنان السينمائي يستطيع إن امتلك الوعي الجمالي والسياسي أن يضع نفسه في موقع المسؤولية، إنه يعرف حدود ما يملك من أدوات، ويعرف جمهوره، ويؤمن برسالته، فيقف كما كان يفعل الراوي الشعبي في الأيام الخوالي، ليصنع كما في بعض أشعار فؤاد حداد الجميلة بعصاه الهزيلة سيفاً وصولجاناً، ويأخذ معه سامعيه إلى حيث ما لا أذن سمعت، ولا عين رأت، إلى أعماق النفس البشرية، وأعماق الروح الشعبية، فهل يمكن أن يكون هذا الاستفتاء هو بداية الطريق لكي نخرج من أزمة السينما، وسينما الأزمة؟! (*) ناقد مصري