نود ان نتطرق الى قانون الإثراء غير المشروع نظرا لأهميته وفائدته الكبيرتين اذا ما أخذ طريقه الى التنفيذ على حياة الافراد والمجتمعات والأمم، ولا بد لنا من ان نستعرض بعض النصوص القانونية البالغة الاهمية التي يقتضي التوقف عندها مليا بالرغم من انها بقيت نصوصا نظرية مجردة لم تعرف التنفيذ البتة بأي ظرف او شكل من الاشكال. واذا كان قد قيل انك تربح الدعوى مرتين؛ مرة امام محاكم الموضوع واخرى امام دوائر التنفيذ، إلا ان الاهمية تكمن بطبيعة الحال ليس في اتخاذ القرارات او سن القوانين او اصدار الاحكام وحسب، وانما في حسن وصرامة التنفيذ، بحيث تطبق القوانين على الجميع سواسية توخيا للصالح العام والخير العام. والموجبات الناشئة عن الكسب غير المشروع هي نتيجة مخالفة الواجب العام المترتب على كل انسان بأن لا يثرى من دون سبب مشروع على حساب الغير (نظم قانون الموجبات والعقود هذا النوع من الموجبات في المواد 140 الى 142، كما نظم حالة معينة من هذه الحالات وهي إيفاء ما لا يجب). وقد نظر المشترع اللبناني الى نظرية الإثراء بلا سبب كمصدر مستقل وأدخل في نطاقها استرداد ما دفع وهو غير واجب. فقد نصت المادة 140 من القانون على ان: »من يجتنِ بلا سبب مشروع كسبا يضر بالغير يلزمْه الرد«. ويربط فريق من رجال القانون قاعدة الإثراء بلا سبب بالمسؤولية المدنية على أساس ان الاحتفاظ بالمنفعة بدون حق يدخل في نطاق هذه المسؤولية. اننا نورد بعض النصوص والمواد القانونية لقانون الاثراء غير المشروع نظرا لأهميتها الكبيرة: نصت المادة الاولى من القانون الصادر في 14/4/1954: »على ان يقدم كل موظف وكل قائم بخدمة عامة في خلال ثمانية أيام من تسلمه العمل تصريحا موقعا منه يبين فيه بالتفصيل الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يملكها هو وزوجه وفروعه«. كما نصت المادة الرابعة على انه يعتبر موظفا كل شخص في السلك القضائي او الاداري وكل ضابط من ضباط السلطة المدنية او العسكرية او اي فرد من افرادها وكل مستخدم في البلديات الكبرى. ويعتبر قائما بخدمة عامة في حكم هذا القانون كل من أسند اليه رئاسة دولة، او رئاسة حكومة، او وزارة، او نيابة، وكل عضو في مجلس بلدي من البلديات الكبرى، او في لجنة ادارية اذا كانت تترتب على اعمالها نتائج مالية. ونصت المادة الخامسة على انه يعتبر مستقيلا من الوظيفة كل موظف او قائم بخدمة عامة لا يقدم التصريح المنصوص عنه في الفقرة الاولى من المادة الاولى بدون عذر مشروع. ونصت المادة الثالثة: للموظف او القائم بخدمة عامة الذي ازدادت ثروته أثناء قيامه بوظيفته او توليه الخدمة العامة ان يشير الى مصادر الزيادة. في حين ان المادة الرابعة اوجبت على كل موظف وقائم بخدمة عامة ترك الوظيفة او الخدمة بعد اول كانون الثاني سنة 1944 او اخرج منها، ان يقدم خلال شهرين من تاريخ العمل بهذا القانون تصريحا موقعا منه يبين فيه الاموال المنقولة وغير المنقولة التي يملكها هو وزوجه وفروعه في ذلك التاريخ والتي صاروا يملكونها من التاريخ المذكور لتاريخ خروجه من الخدمة او الوظيفة. وحددت المادتان الاولى والثانية من قانون الإثراء غير المشروع (مرسوم اشتراعي رقم 38 صادر في 18/2/1993) »الاثراء غير المشروع«. ويمكن اللجوء الى جميع طرق الاثبات ومنها القرائن كما ورد في المادة الثامنة، ويعتبر من القرائن القانونية على الإثراء غير المشروع: 1 تملك المدعى عليه، بنفسه او بواسطة اقاربه او شركائه او مستخدميه، اموالا لا تمكنه موارده العادية من احرازها. 2 التبذير الذي لا يتفق مع تلك الموارد، والانتقال فجأة من حالة العسر الى حالة الاثراء. واذا كان القانون قد أوجب على كل موظف وكل قائم بخدمة عامة ان يقدم تصريحا موقعا منه يبين فيه بالتفصيل الاموال المنقولة وغير المنقولة التي يملكها هو وزوجه وفروعه في خلال ثمانية ايام من تسلمه العمل، فان المادة الخامسة اعتبرت ان عدم تقديم التصريح المطلوب بدون عذر مشروع تعرض الموظف المتقاعس او القائم بخدمة عامة للاستقالة حكما. كما اوجبت المادة الثالثة على الموظف او القائم بخدمة عامة ان يشير الى مصادر زيادة ثروته أثناء قيامه بوظيفته او توليه الخدمة العامة. إلا ان السؤال المطروح بعد استعراض النصوص القانونية المتعلقة بقانون الإثراء غير المشروع، هو انه لماذا بقي هذا القانون بعيدا عن التنفيذ؟ وما الغاية والافادة والمصلحة والمنفعة العامة من وراء ذلك؟! وبالتالي مَن المستفيد تحديدا ومَن المتضرر! وما قيمة الافادة والمنفعة الشخصية والآنية العابرة امام الضرر الكبير الذي يلحق بالمواطن والوطن من وراء تجميد هذا القانون الهام وعدم الاخذ بمضمونه ونصوصه؟! ومن الواضح ان قانون الاثراء غير المشروع من اهم القوانين اللبنانية والذي كثر اللغط والكلام حوله، ليس لانه بقي حبرا على ورق وحسب، بل لأهميته البالغة في الحفاظ على الاموال والثروات والخير العام، وفي وضع حد للهدر والكسب غير المشروعين، والإثراء على حساب الفقراء والمعوزين وأصحاب الدخل المحدود، والمحرومين خصوصا. وكم كنت أتمنى، ان أرى اداريا كبيرا او موظفا صغيرا او موظفا متوسطا او نائبا او وزيرا او رئيسا، وفي اي موقع كان، ان يبادر الى الاعلان حسب القوانين اللبنانية والاصول الواجبة عن ثرواته وأمواله ومداخيله قبيل تسلمه مهامه ومسؤولياته وخلالها وبعدها، او ان ارى شريحة من هؤلاء او فئة كبيرة او صغيرة منهم تتبوأ المراكز الادارية العامة السياسية والوطنية، وهي فقيرة اذا جاز التعبير، وان تترك او تخرج بعد حين من هذه المراكز والمواقع بنفس الحالة والفقر لتفانيها في الخدمة العامة وبالتالي لتضحياتها وجهودها المتواصلة من اجل تأمين مصالح الشعب والوطن والأمة. وقد يعمد البعض الى تسجيل الاموال والثروات والعقارات التي يملكونها بأسماء اشخاص آخرين او شركات وهمية غير موجودة احتيالا على القانون وتهربا من الاعلان عن الحقيقة والواقع، مما يفرض انشاء هيئات خاصة عليا، للمراقبة والمحاسبة والمحاكمة. وقد يتسابق الكثيرون ويتسارع البعض الآخر من اجل إيجاد الطرق غير المشروعة للكسب السريع والإثراء الفاحش، وقد يتذاكى البعض ايضا ويتباهى بأموال وثروات كبيرة جمعت على حساب ومصالح الناس، وهي الحالة التي يتملك فيها شخص مثلا عقارات لا تمكنه موارده العادية من احرازها (الفقرة الاولى من المادة الثامنة من قانون الاثراء غير المشروع). إلا ان العبرة تبقى في تطبيق القوانين وتنفيذها، اذ لا قيمة قانونية ونهائية وعملية لقانون لم ينفذ، او لحكم نهائي صادر بالدرجة القطعية عن المحاكم اذا لم يأخذ طريقه الى التنفيذ. واذا كان قانون الاثراء غير المشروع من القوانين غير النافذة حتى الآن على الاقل، إلا ان اصواتا كثيرة دعت، وما زالت حتى اليوم، وفي فترات متلاحقة ومتقطعة، الى تطبيق هذا القانون المهم في الحياة الاجتماعية والسياسية اللبنانية، غير انها بقيت اصواتا ودعوات خجولة مترددة تفتقر الى الشجاعة والحزم وغير مكتملة الخطوات اطلاقا. ومن الضروري برأينا ان يصار الى تشكيل مجلس اعلى او هيئة عليا او لجنة عليا، على غرار المجلس الدستوري مثلا، يتمتع بصلاحيات مستقلة واسعة ونهائية ورادعة من اجل وضع قانون الإثراء غير المشروع موضع التنفيذ العملي وتطبيقه على كافة اللبنانيين من دون استثناء، نظرا لمردوده الايجابي الخير الكبير على الشعب اللبناني والأمة جمعاء. * رئيس رابطة متخرجي الحقوق وتكتل المحامين المستقلين في الشمال.