ترزح القدس العربية اليوم شأنها خلال فترات تاريخية ماضية تحت نير استعمار استيطاني بغيض منذ اقتحمها الصهاينة عام 1967، وهم جادون منذ ذلك التاريخ في طمس معالمها العربية الاسلامية والمسيحية وما حريق المسجد الاقصى عام 69 الا ضمن هذا السياق، فالهدف التخلص من المعالم والآثار التي تكونت عبر خمسة آلاف سنة من التاريخ المستمر. ويلجأ الصهاينة احفاد التلمود لتهويد المدينة في سياق تحطيمهم لتاريخها وإلغائه وتزويره دون سند علمي أثري او تاريخي، ظانين ان تسميتها بأورشليم القدس كان للتدليل على ما يزعمون، واذا اضطروا الى تبرير ذلك قالوا ان المدينة العربية كانت عاصمة دولة يهوذا الدينية، وها هو نتنياهو يقول يوم فتح النفق »انه صخرة وجودنا«. ويدحض علماء الآثار مزاعم الصهيونية مستندين في ذلك الى الابحاث والتنقيبات والتتبع العلمي الدقيق لتاريخ المدينة في كل مراحله. فالقدس بناها اليبوسيون حوالى الألف الثالث قبل الميلاد، وهم فرع من الكنعانيين الذين أتوا من الجزيرة العربية واستقروا في فلسطين منذ ذلك التاريخ، فسميت المدينة باسمهم »يبوس« وهكذا ورد اسمها في التوراة بعد ألفي سنة (يبوس هي اورشليم)(1). وأور تعني في الكنعانية مدينة، وسالم هو احد ملوك صادق اليبوسيين ولذلك عرفت المدينة بأورسالم اي مدينة سالم، لكن بعضهم يذهب الى ان أصل الاسم يعود الى إله كنعاني يدعى (يروشالم) ومعناه السلام(2). وقد ورد اسم المدينة (اورشالم) في رسائل الملك الكنعاني (عبد خيبا) الى اخناتون فرعون مصر في حقبة تل العمارنة(3). ومنذ ذلك الحين ظل الاسم الاكثر شيوعا بين أسماء المدينة. حصن اليبوسيون مدينتهم التي اختاروا مكانها بالقرب من وادي قدرون حيث يوجد نبع غزير كان يعرف باسم جيحون. وكان اليبوسيون قد حفروا نفقا تحت الجبل لنقل مياه النبع الى داخل الحصن. وقد حفر في نهاية النفق في الحجر موضع على شكل خزان وهذا النبع القديم (جيحون) يعرف اليوم بعين ماء العذراء. ويعتبر حصن يبوس مع النفق أقدم ابنية المدينة. ولم يستطع الموسويون الاستيلاء على حصن اليبوسيين الا بعد ثلاثة قرون تقريبا من نزولهم في الجوار لمناعته وشدة شكيمة المدافعين عنه. اذ قام داود بمهاجمة المدينة عام 996 ق.م تقريبا، لم يكترث اليبوسيون لهذا الهجوم لثقتهم من مناعة حصونهم. وقد أتم داود الاستيلاء على القدس بخدعة تتضمن الوصول اليها عن طريق النفق الذي شقه اليبوسيون للماء، اذ قاد قائده يوآب الاسرائيليين عبر هذا النفق الذي يصل الى البئر والذي يغذي اورشليم بالمياه(4). والغى اسمها الكنعاني العربي واعطاها اسمه فسميت بمدينة داود(5). وفي عهد ملوك يهوذا سموها (مدينة يهوذا) كما سموها (أريئيل) لكن الاسم الاول قاوم وبقي. وقد قام الملك حزقيا ملك يهوذا (715 686ق.م) بمد نفق المياه الذي اقامه اليبوسيون الى جهة الغرب وأنشأ في نهايته الجنوبية بركة سلوان. وقد وردت اخبار هذا النفق بالتوراة لأنه كان وسيلة دخولهم الى المدينة، وعندما يقول نتنياهو اليوم هو (صخرة وجودنا) فأنما يعود الى يوم دخولهم منه وقد اكتشف هذا النفق بالحفريات التي أجريت عام 1880م.(6) وادعاء حكومة نتنياهو اليوم بان هذا النفق قد حفره حزقيا هو كعهدهم افتراء على الحقيقة والتاريخ. لمحو التاريخ الحقيقي لهذه المدينة اولا ولعدم اعترافهم بعروبة المدينة ومقدساتها الاسلامية والمسيحية ثانيا. وهو بهذا الموقف يتابع كأسلافه مسيرة الاستيلاء على تاريخ المدينة لتهويدها بعد ان استولوا عليها برمتها في 67. لاعتقادهم بأنه المكان الذي بنى فيه سليمان الهيكل كما يزعمون. وتسمي التوراة هذا المكان بجبل المريا، والذي كان ملكا لأرنان اليبوسي، وتذكر التوراة ان داوود اشتراه بخمسين شاقلا من الفضة. وعلى جبل المريا هذا، يقع اليوم الحرم الشريف وفي وسطه المسجد الاقصى ومسجد قبة الصخرة(7). وعندما استولى الرومان على المدينة عمد امبراطورهم هادريان الى تدميرها سنة 130م ثم بدأوا يعيدون بناءها باسم ايليا كابيتونيا. لكن الامبراطور قسطنطين اعاد اسمها القديم (اورسالم) بعد اعتناقه المسيحية. لكن الاسم الروماني لقي بعض الشيوع على ما يبدو، فهو يرد في عهد الصلح الذي كتبه عمر بن الخطاب لبطريرك القدس صفرونيوس عام 15ه/636م(8). وقد شاع اسم بيت المقدس والقدس في العهد الاسلامي. فقد جاء في القرآن الكريم »سبحان من اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله..«(9). كما ان النبي(ص) اتخذها قبلة الصلاة مع المسلمين الاوائل بمكة. ووردت احاديث شريفة صحيحة تعتبرها ثالث المساجد المقدسة. ولما جاء الاتراك سموها بالقدس الشريف وعندما احتل الصليبيون القدس مدة قرن ونصف تقريبا لم يهدأ المسلمون طوال تلك الفترة حتى حرورها من الغرب الصليبي على يد القائد صلاح الدين الايوبي في معركة حطين عام 1187(10). وعادت المدينة الى الحكم الاسلامي حتى عام 1948 حين اعلن عن قيام دولة اسرائيل التي احتلت طرفا من مدينة القدس وأتت على بقيتها في حزيران 1967. حيث اعلنت تغيير اسم القدس الى اورشليم بعد توحيدها وضمها بغية ايهام العالم ان وجود اليهود في هذه المدينة يعود الى تاريخ بنائها قبل ثلاثة آلاف سنة ق.م. فالقدس التي عمت شهرتها مع المسيحيين منذ القرن الثاني الميلادي، العالم القديم، اصبحت مدينة المسيح، ومهده وقد امرت القديسة هيلانة والدة الامبراطور قسطنطين ببناء كنيسة القيامة في المكان الذي دفن فيه المسيح كما شيدت هذه الملكة كنائس في بيت لحم والكنيسة المعروفة حاليا بمصعد سيدنا عيسى وكنيسة الجسمانية حيث قبر مريم عليها السلام والدة سيدنا المسيح. من هنا كان موقف الصهاينة اليوم من المقدسات المسيحية والاسلامية. القضاء على كل مقومات التاريخ الموجود في المدينة والعائد الى الحضارتين المسيحية والاسلامية ما هو الا تطبيق لشريعة »يهوه« التي لا تعترف الا بوجود اليهود: »فإنكم تكونون لي خاصة من جميع الشعوب لأن جميع الارض لي، وانتم تكونون لي مملكة احبار وشعبا مقدسا«(11). فحكومة نتنياهو وتصوراتها انما تتحرك بتعاليم تلمودية لا تعترف بوجود غير اليهود. من هنا كانت مأساة القدس، ولكي نعرف ونتحقق من خطوات حكام اسرائيل اليوم علينا السعي وراء المضمون الصهيوني في التلمود، والنظر في طبيعة العلاقة التي تربط بين التعاليم التلمودية والدعوى الصهيونية عندها نستطيع تفسير كل المواقف التي تصدر عن حكومة نتنياهو وائتلاف الاحزاب الدينية الملتفة حوله. فالمناخ التلمودي الديني نشأ وترعرع تحت ظله الكثيرون من زعماء الصهيونية ولم ينحصر الأمر ببعض الحاخاميين من دعاة الصهيونية الدينية. والمتتبع لتصرف اليهود كشعب في فلسطين وليس الحكام فقط يجد كثيرا من نقاط الالتقاء بين الحركة الصهيونية التي نشأت ليبرالية علمانية بداية وبين تعاليم التلمود التي خطها الكثير من الحاخاميين القدامى، والدليل على ذلك فوز التطرف في الانتخابات الاسرائيلية. فأكثر من نصف الشعب انتخب ضد شيمون بيريز مهندس عملية السلام. فصورة (ارض اسرائيل) في أسفار التلمود، ونظرة التلموديين والربانيين الى »الامم« و»الاغيار«، والشرع التلمودي، واستمرار فاعليته في دولة اسرائيل كلها تصورات ما زالت تسيطر على عقلية من يمسك زمام الامور في فلسطين المحتلة، لان الواقع التاريخي ليس مادة مكتوبة تدرس وحسب، بل هو تاريخ متحرك يتجسد كل يوم بصورة مختلفة مع حكام اسرائيل. فنتنياهو محاط بأحزاب دينية تعتبر ان خيار السلام هو اندماج اليهود في المحيط العربي وبالتالي التنازل عن تصوراتهم اليهودية. ونتنياهو يقول بالرد على خطة السلام التي رسمها شيمون بيريز في كتابه »الشرق الاوسط الجديد«: »لن نستبدل الهيكل بالبورصة«. وهذا الرد خير دليل على السياسة الواقعية التي يتحرك ضمنها، والتي تؤكد التأثير التوراتي التلمودي لرئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي. وما القرار باستئناف اقامة مستعمرات جديدة في الضفة الغربية الا تجسيد لهذه الرؤية التي تقود المنطقة الى تفجيرات على العرب ان يتحسبوا لها، ليس بالرفض فقط بل بالاستعداد للرد على هذا الذي يرفضونه بلغة اسرائيل (لغة الحرب). وحتى من نسميهم دعاة سلام كانوا يناورون ليأخذوا بالسلم ما لم يُستطع أخذه بالحرب فشيمون بيريز كان صريحا في إبداء رأيه بالنسبة للضفة الغربية في مؤتمر لمنظمة اليونسكو في غرناطة عام 1993 حين اعلن انه »سيكون للضفة الغربية مستقبل سياسي يختلف عن مستقبل قطاع غزة الذي يمكن بالتدريج ان يحصل على الدولة. اما الضفة فتطورها سيتجه نحو كيان سياسي ذي استقلال ذاتي يضم الفلسطينيين والمستوطنين الاسرائيليين، والسلطة فيه مسؤولة عن الامور الداخلية فقط، بينما يبقى الامن والشأن الخارجي في يد الدولة الاسرائيلية«، وهذا يعني سيطرة اسرائيل غير المقيدة على سياسة الاستيطان والتوسع، وما على الفلسطينيين الا الاذعان والخضوع، وهكذا يستمر الاستيطان بلا عوائق. من هنا كان قبول الفلسطينيين اثناء المفاوضات بالابقاء على المستعمرات في الفترة الانتقالية، الباب الذي دخل منه نتنياهو باستئناف توسيع هذه المستوطنات. فعقدة التوسع الاسرائيلي المسيطرة على عقلية اليهود واحدة عند كل الصهاينة، وخير دليل على ذلك ما قاله المفكر والاديب العربي المرحوم عجاج نويهض في تصديره لبروتوكولات حكماء صهيون في »اعتقاد الجمهرة من مفكري العرب ان التلمود بضاعة قديمة بالية، ومحاولة اليهود دائما ابعاده عن اذهان غير اليهود، وقد حان الوقت ان يعلم العربي ان التلمود هو مباءة حكماء صهيون اليه يرجعون وعنه يصدرون«. هذا ما قاله عام 1966. ولو عرفنا ذلك منذ ثلاثين سنة لما وصلنا الى التسابق على التطبيع مع عدو هذه عقليته. فالاسرائيلي يتصرف وفق التلمود الذي قال عنه ابن حزم الاندلسي هو »فقههم« اي كتاب الاحكام الشرعية والمناظرات الفقهية لديهم. وبعد خمسين سنة تقريبا على قيام دولة اسرائيل نرى ان التلمود يشكل وثيقة سياسية خطيرة للسياسة الارهابية الصهيونية: فكلمة مخرب التي يطلقونها على مناضلي الامة العربية مستمدة من تلمودهم: »خيام المخربين مستريحة والذين يغيظون الله مطمئنون« (سفرايوب 12:6) وما عناقيد غضبهم المستمرة على ارضنا منذ قانا حتى اليوم، وما تصريحاتهم بالامس في التأكيد على بناء مستعمرات جديدة في الجولان الا استمرار لهذا التصور التلمودي: »سوف تمتد حدود ارض اسرائيل وتصعد في جميع الجهات ومن المقدر لأبواب القدس ان تصل الى دمشق وسوف تأتي الدياسبورا لتنصب خيامها في الوسط«(12). من هنا كان صراعنا مع العدو الاسرائيلي صراعا حضاريا عقائديا قبل ان يكون قضية سياسية او عسكرية. هذه عقلية وايمان من نجابه، فأين خطتنا وتصورنا نحن العرب؟؟ استجداء السلام ممن لا يؤمنون به؟؟ * استاذة تاريخ في الجامعة اللبنانية.