As Safir Logo
المصدر:

رواية.»الفراشة الزرقاء«لنور خاطر الكتابة لإحياء المصائر

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 1996-10-15 رقم العدد:7518

نكتب لنتذكر، او بالاحرى نكتب لكي لا تغيب الاشياء ولكي لا تذهب الى موتها النهائي، الى النسيان الاخير. هذا ما يقترحه علينا الروائي اللبناني المقيم في ألمانيا نور خاطر في روايته »الفراشة الزرقاء« الصادرة حديثا عن »المركز الثقافي العربي«، اذ تنحو الكتابة عنده لتصبح بديلا من الحياة او لتصبح الحياة نفسها، وبخاصة بعد ان تغيب شخصياتها وتختفي داخل وجودها المتعدد. لا تستعيد رواية »الفراشة الزرقاء« تفاصيل أبطالها ومصائرهم فقط، وانما تحاول ايضا ان تصبح هي الاطار الاساسي الذي تتحرك داخله هذه المصائر كلها، وكأن هذه المصائر لم تستقم ولم تجد القدرة على الاستمرار في الحياة لولا تدخل الكتابة التي استطاعت نقلها من الذاكرة المروية الى الكتابة المعيشة، اي ان تدخل الكتابة لنقلها من ثنايا الذاكرة والنسيان الى الحاضر، مما جعلها حاضرة بالقوة وبالفعل في الوقت معاً. الجدة في البداية هناك حكاية الجدة، وفي النهاية هناك حكاية الجدة ايضاً. فالجدة هي المبتد والخبر، بل هي الرواية كلها، وهي ايضا الذريعة التي يتكئ عليها نور خاطر ليسرد لنا جملة من الحكايات والتفاصيل عن جبل لبنان في مطلع هذا القرن. لكنها تفاصيل لا تجنح الى كتابة تاريخية، بل تحاول كتابة تواريخ اشياء وتواريخ اشخاص. وبين البداية والنهاية، تمر من امامنا عدة وجوه: نور في حالتيه (الشخص والكاتب) يرغب في سرد حكاية جدته. هناك ايضا سليم حداد، زوج الجدة (اي جد الكاتب) الذي عمل مع الجيش الفرنسي كإسكافي، بالاضافة الى افراد العائلة وجوزف وجورجي بابا زواغلي وبروسبر بورتاليس، الفرنسي صاحب معمل الحرير.. وايضا هناك »س«، زميلة نور في الجامعة وحبيبته، التي غادرته نهائياً، لتتزوج من شخص آخر. إنها زهية ميشال عبود، جدة الروائي لأمه، وقد ماتت قبل شروعه في الكتابة عنها بخمس سنوات. بعد زواجها، اصبح اسمها زهية حداد، وبعد موت زوجها تحولت الى ارملة سليم حداد، وكأن اسمها الاخير هذا صار جزءا من شماتة البلدة بها. والروائي، يعود بنا الى طفولتها، لنتابع معه مسارات حياتها، التي تبدأ بموت اخيها انطون، ولم يكن قد تجاوز عمره بعد اسابيع قليلة. ويبقى وجهه الاصفر يلاحقها حتى ايامها الاخيرة. وبعد ان يسجل لنا الروائي رتابة الحياة الداخلية، التي كانت تعيشها الجدة في ضيعتها »بتاتر«، وبعد ان نصل معه الى شبابها، تقرر الجدة العمل في معمل دود القز الذي كان يملكه »الفرنساوي« بروسبر بورتاليس. علاقة الجدة بدود القز والحرير لا يعود تاريخها الى اليوم الذي بدأت العمل فيه في المصنع، بل تعود الى ابعد من ذلك بكثير، اذ كان والدها يربي بدوره دود القز في سقف المنزل، حتى انه لم يجد شرحا آخر لموت ابنه اخ الجدة سوى استعارة صورة الشرنقة، التي تنسج الخيطان على نفسها قبل ان تختنق. موت الحلم واذا كان الوالد يجد في الحصيلة النهائية صوت الموت، في دود القز، فإن الفرنسي بورتاليس يحيلنا بدوره على فكرة الموت، الكامنة في الحرير. فبعد ان تنسج الدودة خيوطها تختنق بدورها، قبل ان تتحول الى فراشة. صحيح ان الموت هنا يؤدي الى حياة اخرى، لكن الفرنسي كان يبحث عن فراشة من نوع آخر، عن فراشة زرقاء شاهدها في حلمه، وأمضى عمره وهو يبحث عنها، ولم يعثر عليها. ربما كان ذلك موت الحلم، الحلم الغربي في بلاد الشرق. موت الجدة هو الذي يفتتح الرواية، فالروائي يبدأ حديثه بوصف جنازة الجدة، وعندما نعلم انه ورث عن جدته نزلا يرغب الجميع في ان يبيعه ليستفيدوا من امواله، لكنه يرفض الفكرة، هل لأن النزل يذكّره بجدته؟ ربما كان يذكره بكل تلك الحياة الماضية التي يجدها تنساب امامه وهو يكتب الرواية. تنساب امامه من خلال الذاكرة. ومع تطور اسئلة القص، وعند بلوغها النهاية، اي حين كان يضع اللمسات الاخيرة على روايته، يقول الروائي الراوي: »أقدر الآن ان ابيع النزل... فالكتاب ينوب عن هرم. أوليس كذلك؟«. ويضيف: »النزل يجب ان يبقى كي لا تموت الحكاية. اما الآن وقد كتبتها، فما الضرورة من بقاء النزل؟«. من هنا، ضرورة الكتابة. فهي تنقذ الاشياء من الذهاب الى موتها الاخير، وربما لإنقاذها من النسيان. هكذا ايضا، نجد قصة علاقته ب »س«، فهي وان بدأت طارئة على الحدث كشخصية روائية، الا ان حضورها يؤكد لعبة الروائي. يتذكرها، لئلا تموت مع الايام. انها قصة علاقة تبدو وكأنها الوجه الآخر لعلاقته مع الجنس الآخر، وإن كانت قد باءت بالفشل. ان »س« تجعله يكتشف بمعنى من المعاني، ذاته وحقيقته، تجعله يكتشف مكانا آخر، هو المدينة، كما حبه للحكايات ولسردها. لذلك، ثمة سؤال لا بد ان يطرح نفسه في واقع الامر، هل كان نور خاطر يكتب في »الفراشة الزرقاء« سيرة جدته ام سيرة »س«، ام قصة معامل دود القز التي انتشرت في جبل لبنان مع بدايات القرن؟ ربما لم يكتب ذلك كله، وإن كان يقنعنا به. لأنه في النتيجة، كتب سيرته، لأن هذه السيرة تتلخص في البحث عن معنى كتابة الرواية. فالاحداث كانت جاهزة، والحكايات ايضا، لكنها لم تستقم، او ربما لم يصبح لها اي حضور او معنى، الا حين انتقلت من مجرد حكاية الى رواية. اي بمعنى آخر، انتقلت من الشفهي الى المكتوب. صور قديمة حكايات وتفاصيل تظهر امامنا، كأننا نفتح صندوقا قديما يحتوي على صور فوتوغرافية قديمة، حيث كل صورة تأخذنا معها الى مكان ما او الى زمن ما. للوهلة الاولى، قد يجد الناظر ان هذه الصور لا تعنيه، لأنه لا يعرف اشخاصها، لكن، حين يطيل النظر، يبدأ باكتشاف اشخاص كأنه التقى بهم في وقت ما. ربما وجد صورة اقربائه، او صورة طفولته. وربما ايضا وجد صورة »تلك الفراشة« التي حلم انه يركض خلفها ليلتقطها، ويجففها، ويضعها بين دفتي كتاب. وحين يفتح الكتاب هذا، بعد سنين طويلة، لا يسأل عن حال الفراشة، بل سرعان ما تأخذه الذكرى، الى احداث بقيت عالقة في ثنايا الذاكرة. نور خاطر، اسم جديد يضاف الى لائحة الروائيين اللبنانيين الجدد، الذين يتوافدون بكثرة، وكأن الامر، بدأ يشكل سؤالا اساسيا حول الرواية اللبنانية، التي اصبحت تحفر لها مكانا في معنى الكتابة. اذ ان »الظاهرة« هذه ربما كانت بحاجة الى تساؤل فعلي. فالروائيون بدأوا يتوالدون، وهم بلا شك يمتلكون اسلوبا لافتا للنظر. إسكندر حبش

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة