As Safir Logo
المصدر:

سينما.فيلم»رومانتيكا«لزكي عبد الوهاب مناخ عبثي يعبر عن واقع إجتماعي(صور)

المؤلف: عبد الله محمد التاريخ: 1996-10-08 رقم العدد:7512

وبعيدا عن المشكلات القانونية التي اصبحت اشهر من الفيلم نفسه، فإن »رومانتيكا« الذي انفق فيه زكي فطين عبد الوهاب اكثر من عشر سنوات في كتابة السيناريو والبحث عن منتج متحمس والتصوير الفعلي الذي لاقى صعوبات عديدة حتى توقف تماما، يشكل اضافة حقيقية لتيار سينما الشباب من مخرجي التسعينيات في مصر، واذا كان كل من رضوان الكاشف في »ليه يا بنفسج«، واسامة فوزي في »عفاريت الاسفلت«، ومجدي احمد علي في »يا دنيا يا غرامي«، قد اثبتوا بما لا يدع مجالا للشك تميز الروح الجديدة لهذا الجيل فإن زكي فطين عبد الوهاب يؤكد حساسية خاصة وملامح جمالية وفكرية مشتركة، وان تباعدت التجارب، وربما لم تكن مصادفة ان الافلام الاربعة تعزف على وتر واحد هو عالم المهمشين المسحوقين تحت وطأة ظروف اجتماعية قاهرة. السيرة تدور الاحداث في »رومانتيكا« فيما يشبه السيرة الذاتية لزكي فطين عبد الوهاب نفسه، حسن مخرج شاب يسعى الى اخراج فيلمه الاول عن عالم »الحزينة« وهي فئة من الشباب الذي يسعى الى اقامة علاقات بالسياح الاجانب ومرافقتهم اثناء زيارتهم لمصر، بغرض الارتزاق، والاهم من ذلك بغرض استغلال صداقتهم كنافذة لتحقيق الحلم في السفر الى الخارج ويستعرض الفيلم محاولات المخرج الانخراط في هذا المجتمع الغريب واقناع افراده بالاشتراك في تصوير الفيلم ولكن الاحداث تدخل الى مسارات عبثية تنتهي بفشل محاولات اتمام الفيلم حيث يتم القبض على الجميع بعد مقتل مسؤول اجنبي (الواقعة حقيقية لمسؤول كبير في الحكومة الاميركية) ارتبط بعلاقة مثلية بسيد سكارفيس (اشرف عبد الباقي) وهو كومبارس فاشل استحوذ عليه حلم السفر الى هوليوود، حتى وصل درجة الهوس فقرر خطف المسؤول الاجنبي وعدم الافراج عنه إلا بعد تنفيذ جملة شروط. تبدأ بتدبير سفره الى هوليوود، وتنتهي بنسف معهد الفنون المسرحية، ولان احدا لم يتخذ تهديداته مأخذ الجد فقد نفذ تهديده بالفعل ليتم القبض على الجميع. وفي قسم الشرطة يكتشف حسن ان منتج الفيلم الذي كان يتصور انه متحمس للفكرة لم يكن على اقتناع بمثل هذه النوعية من الافلام وانه وافق على تمويل الفيلم مجاملة لوالدة حسن (ليلى مراد) وذكرى والده الراحل (المخرج الكبير فطين عبد الوهاب) ويبتسم حسن في سخرية خاصة عندما يتهمه وكيل النيابة بتعمده تشويه سمعة مصر لاصراره على تصوير عالم المهمشين. توحد عالمين وقد يبدو للوهلة الاولى ان استعراض عالم الخريته ليس إلا إطارا يتحرك من خلاله المخرج وصديقه خالد (شريف منير) بينما النظرة المتأملة تكشف توحد العالمين، عالم تلك الفئة اللامنتمية والهاربة من واقع طارد الى حلم فردي، وعالم المخرج حسن ابن المغنية الشهيرة المعتزلة والمخرج الكبير الراحل، الذي يعاني ازمة وجودية، تتمثل في خصامه مع ماضيه، وجهله بمستقبله، ومحاولته الامساك باللحظة حسب فلسفة البير كامو، وقد نجح ممدوح عبد العليم في تجسيد حالة الضياع الوجودي التي يعانيها حسن من خلال نظراته الشاردة وتعبيراته الحسية ومعاقرته الدائمة اظهر من دون ان يفقد حالة الوجع الانساني الذي يؤرقه دائما ويجعل منه ضجة لنصب الآخرين، واذا كان خالد امتدادا لشخصية حسن، بحيث يكمله دائما ويتلاشى فيه، فإن علاء ولي الدين الذي ظهر طوال الفيلم بلا اسم، هو المعادل (الخرتي) لشخصية حسن والعلاقة بينهما، كالعلاقة بين الصوت والصدى، تكرار للمعنى وتعبير عن حالة من الخواء والفراغ بحيث نرى علاء طوال الفيلم يهاتف حبيبته زينب، محاولا اقناعها عبثا بحبه من دون ان نسمع صوتها. وهو المشهد الذي يتكرر في معانقة حسن لوالدته من دون ان نسمع صوتها هي ايضا، بالاضافة الى الدلالة الواضحة بين تمسك علاء بحبيبته زينب وبين تمسك حسن بانجاز فيلمه. ولعل عبارة »الآخرون هم الجحيم يا زينب« والتي وردت على لسان علاء ولي الدين تعبير عن حالة الاغتراب الوجودي الذي يعانيه ابطال الفيلم جميعا، فيما عدا عزيز درويش المنتج ووكيل النيابة، اما بقية الشخصيات فجاءت مشوهة ومبتورة نظرا لعدم اكتمال تصوير (30$ من سيناريو الفيلم) خاصة شخصية صباح (لوسي) والتي ربما كانت تعبيرا عن الجانب الناقص في شخصية حسن وهذا ما يفسره انجذابه نحوها واعجابه بها رغم اختلاف الطباع التي تصل الى حد التناقض احيانا. ولكن هذا اللقاء لا يتم، فهو محكوم بالفشل، شأنه شأن كافة النتائج ومصائر الافراد. بل والفيلم الفني داخل الفيلم، والاكثر من ذلك فيلم »رومانتيكا« نفسه حيث يبدو والفشل وكأنه طائر اسطوري يفرد جناحيه على العالم، وكأنه النتيجة الحتمية والطبيعية لمثل هذه الحياة الممزقة. بلا مونتاج اما اذا حاولنا تطبيق القواعد التقليدية للنقد السينمائي على الفيلم فإنه سيتحول لا شك الى اضحوكة، لان اكثر من 30$ من السيناريو (على الاقل) لم يتم تصويرها، وبالتالي يصعب الحكم على السيناريو، او رسم الشخصيات، او حتى ايقاع الفيلم واسلوب اخراجه من ناحية اخرى اتسم العرض الخاص بسوء الصوت ونسخة العمل التي تم عرضها، كما يبدو، من دون تصحيح ألوان ومعالجة الاخطاء الطفيفة ويبدو الفيلم بلا مونتاج نهائي حيث تهتز الصورة في معظم المناطق بالاضافة الى النقلات الخشنة بين المشاهد والتي لا تتسق مع حركة الكاميرا المتأملة والمتمهلة. ولعل ابرز امثلة ذلك المشهد الافتتاحي الذي تستعرض فيه الكاميرا شوارع وسط المدينة ليلا مع قطعات حادة (كلوز اب) لوجوه بعض الشخصيات في محاولة فاشلة لتقديمها. ومن ناحية الاداء التمثيلي، تميز الفيلم بمستوى راق في التعبير، حيث تفوق علاء ولي الدين في واحد من اهم ادواره، واكد اشرف عبد الباقي موهبته خارج الاداء الكوميدي، خصوصا في مشهد الجنون في نهاية الفيلم، اما ممدوح عبد العليم فقد نجح في التعبير عن الحالة النفسية لحسن بأقل قدر من الكلمات، وادى شريف منير دوره ببساطة تتناسب وبساطة شخصيته، كذلك (بليسو) وهو شخص عادي من الخريته الحقيقيين يقف للمرة الاولى امام الكاميرا اما لوسي وامها وباقي الشخصيات فينطبق عليهم مصطلح النقد الرياضي »لم يخنبر« حيث لوسي في مشاهد اقل بكثير مما خصصه السيناريو بالشخصيه. الاشارة الاخيرة التي نتوقف عندها تتعلق بالاقتراب الحميم والصادق عن مفاهيم الفلسفة الوجودية والنظرة العبثية للحياة والتي نجح »رومانتيكا« في التعبير عنها من دون ان يتنازل عن مصريته الشديدة وارتباطه بالهم الاجتماعي. ولذا فإنه الخطوة الارقى بعد التجربة الاولى في هذا المجال والتي قدمتها من قبل المخرجة اسماء البكري في فيلمها »شحاذون ونبلاء« المأخوذ عن رواية »شحاذون معتزون« للكاتب الفرنسي المصري الاصل البير قصيري.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة