كنت متأثر من أين اتزحلق نحو مصيري، ولم اكن أعرف ما هو هذا المصير. فكرت بالموت، ولم يكن هو الموت لماذا لا استسلم! لقد استبيح جسدي، ولم يعد هناك ما أبقيه طي حميميتي الخاصة. قلت لأبي: لا توجد شمس، ولا توجد برار، لا توجد إلا هذه السراديب »التي نسير في جوفها عندما رد على استفساراتي بغمغمات غامضة، علمت ان وضعي سيء وأن عذابات طويلة تنتظرني لم يكن ايوب يعرف انه ضحية رهان متبجح بين الله والشيطان. تضع المرأة الملقاط تحت المخدة. ترفع عجيزتها بحركة آلية، وتخلع سروالها. تتمدد على ظهرها وتفرج ساقيها. كنت أحتار، وأنوس بين جفاء كلماتها والدفء الذي ينبعث من يدها. نوسان يشبه ذلك التناوب اللذي بين السكر والصحو. تصوري أننا نسافر على سطح احدى البواخر العملاقة، واننا نمخر المحيطات، ونمضي الى بلاد جميلة وغريبة نبدأ فيها عمرا جديدا. فجأة وجدت شعرها خشنا كالليف، وفمها كبيرا تتراكب فيها الاسنان فوق بعضها، وحول حلمتي ثدييها شعر، وجسدها كله يغطيه زعب. في حجر لا يشبه الأمكنة، وفي وقت لا صلة له بالأزمنة. في سديم لا يميز المرء فيه بداية او نهاية، كنت ممددا على سرير ضيق، رفعت الحواجز من جوانبه الأربعة فغدا كالقفص. في أنفي أنبوب ينقل لي الأوكسجين. أسمع وشوشة الماء وتراقصه في الحوجلة الزرقاء الخضراء، التي تحرر الأوكسجين. وتدفعه الى أنفي. أصغي الى الوشوشة الرتيبة. أتصور حلقة من الصبايا العاريات يرددن، وهن يقطن شتلات الحشيش بأقدامهن، ترنيمات رتيبة وبعيدة. رددت »يا كسر الأوكسجين«، ثم غفلت عن الوشوشة. لا أدري إن كنت أغيب عن الوعي فترات قصيرة ثم أصحوا. حين كانت سيارة الاسعاف تعبر دمشق، كنت صاحيا رغم ارهاقي، وكنت أتتبع الطريق في خيالي، متصورا ان السيارة ستنقلني اى مستشفى الشامي عن طريق الجسر الأبيض. ولكني فوجئت حين اكتشفت أننا نعبر نفقي شارع الثورة، وأننا نتجه الى المستشفى عن طريق ساحة الأمويين. في المستشفى، وفي الغرفة 208 أدركت وأنا أتلاشى، أني سأواجه المصير الذي كنت أخافه دائما. سأفقد حصانتي الشخصية، وحياتي، وما هو حميمي في.. وسأتحول جيفة عارية قبل الموت بين أيدي ونظرات غرباء لا أعرفهم. بعد وصولي الى المستشفى شعرت بالحاجة الى البرز. وكان مخجلا ومريعا ان أتبرز في الفراش مستعملا الزحافة. ولكن يبدو ان التدهور السريع في حالتي الصحية خفف من نزقي، ومشاعر الخجل والاشمئزاز التي تسربلني. في لحظة صحو قصيرة رأيت طبيبة شابة وجميلة، كانت تحاول ان تقيس ضغطي، ويبدو أنها كانت لا تسمع شيئا، ووضعت أذنها على احد عروق يدي، ثم أغمضت عيني، وكنت أود أن أغيب فلا أفيق بعد. لم تكن هناك أنفاق في نهاياتها تشعشع اضواء سماوية، ولم تكن هناك مروج خضراء، بل حلكة وفراغ انتبهت حين قرر الأطباء نقلي، وبشكل اسعافي الى قسم العناية المشددة. كنت أريد أن أرفض، ولكن لم أجد القوة على الرفض. ويبدو ان احدا ما كان ليصغي الي، وأنا في حالتي تلك. في غرفة العناية المشددة التي لا تشبه الأمكنة. كان هناك طبيب شاب، عرفت فيما بعد ان اسمه سفيان، وقلت في سري.. سأسأله هل سماه أبوه بهذا الاسم تيمنا بسفيان الثوري، أم بالعائلة السفيانية! كان شابا يتفجر صحة وعافية، ويبدو شديد الزهو بنفسه. ولأني كنت قد فقدت ذاتيتي وكبريائي، وتحولت موضوعا بين أيديهم، فقد بدا لي زهو الدكتور سفيان نوعا من العدوانية والتعالي والازدراء. لا أدري لماذا صفق عدة مرات، وهو يتهيأ لكي يرتدي قفازات النايلون المعقمة، كي يضع لي قسطرة البول. وحين عراني مع الممرضة شعرت أني منتهك حتى ابعظم، وتراءى لي مع الألم الشديد، أن سفيان والممرضة يتبادلان ابتسامات غامضة. تحت وطأة الخجل والألم يبدو أن غبت قليلا، ولكن بعد قليل بدأ الأطباء يتوافدون على جحري، وقرر واحد منهم أن يضاعف كمية السيروم التي تتدفق في جسدي. فأمر الممرضة وداد بخاري، وهي ممرضة شديدة الرقة واللطف في العادة، أن تشق لي وريدا في اليد الأخرى. ولدهشتي رأيت وجهها يتغير، وملامحها تقسو، وأمسكت يدي الواهنة بقبضة قاسية وفظة. عصرتها بين أصابعها كي تجبر العروق على البروز. شقت أول عرق ولم تجده ملائما، ثم شقت الثاني غير عابئة بتأوهاتي. ورغم أن الشق الثاني كان يؤلمني، فقد ثبتت الإبرة، وربطت بها أنبوب السيروم، وبدأت الأمصال تتدفق في جسدي عبر وريدين. حتى الآن لا أعرف ما هي حالتي، ويبدو أني لست مهتما بما سيؤول إليه أمري. ولقد تذكرت بشكل عابر، أني خرجت من البيت محمولا على شرشف ثم على نقالة الإسعاف، وأني لم اجد الوقت كي أقول لديمة كلمة طيبة أو مطمئنة. وشعرت بالأسف.. ولكن في النهاية ربما حان الوقت كي تودع طفولتها، وتتدرب على تحمل المآسي المحتومة. لا أدري إذا كان الوقت يتقدم، وكان أمرا ميؤسا منه، أن أنام ولو لفترة قصيرة. الضجة في اعناية المشددة لا تهدأ أبدا، يوشحها أحيانا أنين بعض المرضى. وبسبب يدي المقيدتين بالسيروم، والأجهزة المثبتة على صدري، وأنبوب الأوكسجين في أنفي، فقد كنت مضطرا للبقاء ممدا على ظهري، وهي الوضعية التي يستحيل علي فيها النوم. وعلى كل لم أكن مهتما كثيرا بالنوم. وكان قد بدأ يظفر في داخلي مزاج تهكمي، لا أستغرب أن يكون منبعه حس وافر بالعدمية. وأخذت أتابع لاهيا وشوشة الماء المتراقص في حوجلة الأوكسجين. »يا ترنم الأوكسجين الرتيب والشجي! يا ترنم الأوكسجين الذي يرجع ترنم النساء العاريات، اللواتي غطت أجسادهن أشعة القمر ونسالة الحشيش«. دخلت غنوة وماري وماهر. قالت غنوة: ستنهض غدا ونكتب بعد غد. ربما ابتسمت، وربما شعرت بالامتنان، ولكني كنت بعيدا عن ذلك كله. لم أكن أبصر الموت، ولكن لم أكن أبصر على الإطلاق عودة الحياة التي كانت. استسلمت رواقيا لضجعتي المرهقة، ومزاجعي التهكمي، وقلت في نفسي.. لو عادت »غنوة« الآن لأمليت عليها قصة تهكمية عنوانها »الطيز الأثرية«. وبدأت أتسلى في تركيب القصة. سأبدها على النحو التالي.. هذا الصيف خطر لي أن أمضي شهرا في قريتي. وعندما أدهب الى القرية أقضي معظم الوقت متجولا في الوديان، وفي كروم الزيتون، التي تغطي بخضرتها الشاحبة السفوح التي تحيط بالقرية. وغالبا ما كنت أحمل زوادتي، وأتناول غدائي في البرية. ثم أختار زيتونة عبية، ألتمس في فيئها قيلولة قصيرة. وذات يوم حين استيقظت من قيلولتي، وجدت الى جوار رأسي منحوتة طيز من السيراميك المعفر، والمحفور في عدة أماكن. عندما نظرت الى المنحوتة شعرت بالغضب، وخمنت أن المسألة لا تعدو فكاهة سمجة، تريد النيل مني ومن ولعي بالآثار وأشكال الجمال، التي خلفتها لنا حضاراتنا القديمة. وبينما كنت أعجم غضبي، وأوطد العزم للرد على هذه الفكاهة بحزم وجدية، رأيت شابا نحيلا، وزري الهيئة يقترب مني. حياني وسألني إن كنت أتذكره. ترددت لحظات ثم قلت له: ألست محمد البنايوطي؟ فأجاب: حياك الله. مهما بعدت، فإنك لا تنسى أهل ضيعتك. وتذكرت أن محمد البنايوطي، رغم هيئته الزرية، وضِِعَةِ نَسَبه العائلي، نسبه العائلي، استطاع أن يتزوج أرملة شابة وبالغة الجمال. ولأنه كان يعرف قيمة الكنز الذي حصل عليه، فقد بنى بيتا متواضعا في أرض، تقع على طرف قصي من الضيعة، محاولا بذلك أن يحمي كنزه من الفسَّاق والرجال والرجال الشهوانيين. ولكن مع الأيام صار بيت البنايوطي قبلة الشباب والرجال في مشاويرهم المسائية، وأحيانا الصباحية. وعندما تعب محمد البنايوطي من الغيرة والقلق على كنزه، ترك قرنيه ينموان، واستراح. انتزعني من أفكاري، وقال: جئتك بهذه القطعة فوجدتك نائما. فقلت أضعها قربه، حتى يستطيع أن يتأملها عندما يستيقظ. زادت شكوكي وزاد غضبي. لا بد أنهم سخَّروا هذا الرجل النكرة، لكي يبدو الملعوب متقنا، والفكاهة لاذعة. قلت له بحدة؛ وما هذه القطعة؟ أجابني بصوت هامس: أتعلم..! كنت أنتظر مجيئك إلى القرية. فليس هناك أحد سواك يمكن أن يقدر جمال هذه الطيز. لقد كان في الأرض، التي بنيت فيها بيتي قطعة صغيرة في طرفها الغربي، لم تعرف فأسا أو محراثا منذ آدم. وما أثار اهتمامي في هذه القطعة هو نضارة نباتات القريص، التي تكثر فيها، فقررت أن أحفرها وأسويها، كي أضيفها الى المساحة المزروعة. وما حفرت أكثر من ساعتين، حتى لاح لي ما يشبه الحجر الملوت، فتأنيت في الحفر. وشيئا فشيئا بدأت أزيح التراب، حتى بانت بكل تكوينها وبهائها. رفعها على الأرض، ونظفتها بحذر، وقلت.. سأخبئها، ولن يراها أحد قبل أن يأتي الأستاذ في زيارته الصيفية. نظرت الى الطيز، فوجدتها بالفعل قطعة رائعة من الفن والجمال. ولكن الحكاية المحبوكة، التي قصها محمد البنايوطي، عززت في الوقت نفسه شكوكي وشعوري بالمهانة. قلت بجفاء: وماذا تطلب مني؟ أجاب مرتبكا: أنا.! لست أدري. ولكن ظننت أنك أفضل من يقدر قيمتها، ويرغب في شرائها. فأجبته بحزم، وأنا أنهض: ومن قال لك إني من هواة جمع الأطياز الأثرية! قل للسفهاء الذين رتبوا هذه الفكاهة السمجة.. أنا أهتم بالآثار والجمال، ولست مهووسا جنسيا. تحيز من موقفي، وتأتأ محاولا أن يوضح المسألة. إلا أني ابتعدت بخطى عجلى، وقررت أن أغادر القرية في الغداة. بعد شهر من عودتي الى المدينة جاءني أحد الأصحاب، وقال لي: هل رأيت موجة الأطياز الخزفية التي بدأت تكتسح المدينة؟ سألته مندهشا: أية أطياز خزفية؟ فقال لي صديقي: إن مشغل الخزف الحديث ابتكر نموذجا لطيز أنثوية بديعة التكوين والتفاصيل. والناس يتهافتون على شرائها، ويتفننون في عرضها في بيوتهم. بعضهم يثبتها على قطعة أثاث، وبعضهم يلصقها على سيفون الحمام، وبعضهم يثبتها على جدار في غرفة النوم، ورأيت أحدهم يصنع لها خلفية رخامية، ويحيطها بإضاءة خاصة ومدروسة. كان دمي يفور. نهضت فجأة، وقلت له: هيا بنا إلى مشغل الخزف. عندما دخلت المشغل، فاجأتي مئات النماذج المتراكمة لتلك الطيز، التي رأيتها ذات يوم تحت شجرة الزيتون. ازداد غضبي، وأحسست أن في الأمر استهتارا فيعا، وتخريبا متعمدا لإرثنا الحضاري بفرادته وغناه. قصدت مباشرة مدير المشغل. رحب بي بحرارة، وتصرف وكأن بيننا معرفة ومودة. قلت له: ما هذا الذي تفعله؟ أجاب: ألم يعطوك الأولوية في حيازة القطعة! ألم ترفض قائلا إنك لست من هواة جمع الأطياز الأثرية! أجبت بدة: ولكن هل يبرر ذلك أن تدمر تحفة أثرية كهذه، وتحولها سلعة مبتذلة تباع بالآلاف. أجاب الرجل بهدوء: اسمع.. أنا أيضا لا تهمني التحف الأثرية إلا إذا كان بوسعي، أن أحولها سلعة تملأ السوق، وتجني لي الأرباح. قلت: أهناك شعب في الدنيا يحول إرثه الحضاري الى بضاعة للاستهلاك. أجابني: في أيامنا هذه.. السوق أهم من التاريخ يا أستاذ. بل إن التاريخ لم يعد شيئا آخر سوى السوق وقوانينه. قلت له: لم آت إلى المشغل، كي ننفق الوقت في المماحكة. قل لي أين الأصل؟ أجاب هازئا: استخدمناه في صنع القالب. قلت: ولكنك أين الأصل؟ إني أريده. أجاب: وما حاجتنا إلى الأصل بعد أن صنعنا القالب! لقد انكسر الأصل عدة كسور، وهو مرمي هناك في الزاوية. توجهت الى الزاوية، وتفحصت الطيز التي رأيتها ذات يوم تحت الزيتونة، وكانت فتنة في تكوينها وتناسقها ورائحة الأزمان التي تفوح منها، فوجأدتها كحطام جرة. شعرت بالخجل من حساسيتي، وأدركت أية فرصة أضعت، ولم يكن هناك من يستحق اللوم أكثر مني. وعندما خرجت من المشغل، وتوقفت لحظة أمام الأطياز الزاهية الألوان، والتي تحاكي تلك التحفة الأثرية، غمني أن تغدو هذه البضاعة الاستهلاكية، التي يعرف الخبير زيفها وهجانتها، بديلا من ذلك الجمال، الذي يحمل روح وعرق فنان ضاع اسمه، لكن حفظت الأزمان المتعاقبة أثره، وهيأته لمن يبحث عنه ويقدره. هل أهذي! كيف خطرت لي هذه الطرفة؟ كان عسيرا علي أن أركز على حالتي. كنت أعلم فقط أني في مكان وزمان غريبين أو لا واقعيين. كنت متأكدا أني أتزحلق نحو مصيري، ولم أكن أعرف ما هو هذا المصير. فكرت بالموت، ولم يكن هو الموت. كانت فايزة لا تكف عن النزول للجلوس الى جواري. وقالت لي: إن أختك وأخاك وصهرك يتوجهون الآن الى دمشق. لقد تلفن لي ابن أخيك نزار، وأخبرني أنهم استأجروا ميكروباصا، وسافروا من طرطوس حوالي العاشرة ليلا. انزعجت من مجيئهم، وأصابني هلع غريب من أن يصيبهم أذى في سفرهم المتعجل والليلي. أرهقني ما أسببه من متاعب للذين حولي. وألححت على فايزة، أن تصعد إلى غرفتنا في المستشفى، وأن تنام. كان وجهها متعبا جدا، وتحت عينيها جيبان أزرقان ومنتفخان، وقدرت أن قلبها سيتسرع بين لحظة وأخرى. ولكنها ماطلت كثيرا حتى قبلت الصعود الى الغرفة، ولم تنم تلك الليلة أكثر من ساعة. كانت المشاعر تخصني قليلا، وتعبرني سريعا، ثم يطفو ذلك المزاج التهكمي واللامبالي. في وقت ما طلبت من فايز بإلحاح وغضب قرصا مهدئا، ولكن فايزة رفضت أن تعطيني القرص قبل أن تستشير الأطباء. واستشارت الأطباء فاستنكروا بشدة، لأن تناول المهدئات مع ضغطي المتهافت يشكل خطرا كبيرا علي. ثم بدأت أسمه همسات عن الإدمان والمخدرات، فغضبت، وقررت ألا أتناول أي مهدئ أو منوم إلا حين.. (فيما بعد سأشعر دهشة غريبة حين أعلم، أن كثيرا مما كنت أسمعه، لم يكن هو بالضبط ما يقال. ولأني كنت أتابع ما يدور من أحاديث عند طاولة الطبيب المناوب الموضوعة أمام باب غرفتي، أم في الردهة الضيقة حولها، وأميزها بوضوح لا يقبل الشك، فقد بدا لي الأمر غريبا جدا). أتساءل.. هل كنت في حالة هلاس مستمر! لست أدري، وربما لا يعنيني أن أدري. عدت أحاول الاسترخاء، وأنا أتابع وشوشة الماء المتراقص في حوجلة الأوكسجين. وفيما كنت أصغي الى الوشوشة الناعمة، الشبيهة بمويجة صغيرة ولطيفة، تتهادى نحو شاطئ رملي فسيح، انتبهت الى موجة عالية من ضجيج رتيب وخشن، هو ضجيج المكيفات في قسم العناية. وبدأت أنوس بين الصوتين محاولا أن أحمي ترنم الماء، وأحول دون أن تطغى عليه ضجة المحركات، فلا أميز وشوشته العذبة والمهدئة. جاء زبون جديد إلى القسم. دخل وسط موكب من الثرثرة. سمعته يتكلم وهو يدخل، وسمعته يتكلم وهو يقف في الردهة مع الطبيب المناوب، وسمعته يتكلم بعد أن أفردت له غرفة، وشرع الطبيب المناوب والممرضتان يجرون له الفحوص اللازمة. كان يتحدث عن شكوى قلبية، وأنه أحس وخزات في صدره الأيسر، فوجد أن قضاء الليل في المستشفى أدعى إلى الاطمئنان. كان في صوته الذي لا يتوقف عن الكلام، ما ذكرتي بصوت يبدو لي أليفا جدا. ثم تراءت لي رأس صلعاء إلا من شعيرات قليلة، تنتصب فوق جلدة الرأس المليئة بالغضون. الوجه أيضا رث، ومليء بالغضون. وفي اللهجة التي يتكلم بها تهديد وخبث. كنت أقترب وأقترب وأكاد أتعرف عليه، ثم يبتعد ويبتعد وأيأس من معرفته. ولكن صوت الرجل المستمر في الثرثرة، كان يجعل تلك الرأس وسواسا متسلطا لا يمكن الفرار منه. وغدت النبرة التي تتحدث بها هذه الرأس المجهولة مزيجا من التهديد والعتاب. وراحت الصورة تغيب وتظهر، فيما يتناهبني القلق والغيظ. وظلت الصورة تظهر وتغيب، حتى وجدتني أقول بصورة عفوية، وكأني أعرف كل شيء منذ البداية.. ولكن ماذا تريد مني يا أبا رياض! وأبو رياض هو عبد اللطيف فتحي. وقال لي على نغم صوت الزبون الذي ما زال يثرثر عن قلبه: معلوم لم تتذكرني. فمن هو عبد اللطيف فتحي حتى تتذكره!. وأجبت محتجا ومستنكرا: لا يا أبا رياض.. لا تظلمني. كانت تلك فجوة عابرة في الذاكرة يتعرض لها كل إنسان.. وقبل أن أتم جوابي اختفت الصورة. لكن عادت بعد ذلك مرارا، وفي كل مرة تتراءى فيها امام عيني، كنت أسأل وبصورة آلية: ولكن ماذا تريد مني يا أبا رياض! لم أتطير. وحين خطر لي أنه جاء، كي يصحبني معه إلى المقام الآخر، وجدت الفكرة سخيفة وصبيانية. لكن حضوره المتكرر أتعبني، وزاد حاجتي الى النوم. أغمضت عيني، وحاولت الاسترخاء. كان مريض القلب قد بدل ثرثرته شخيرا صاخبا على موجات متفاوتة الطول. حاولت ان اتشاغل عن دمامة الشخير بالتركيز على وشوشة الماء في حوألة الأوكسجين. لم أستطع التركيز، وعرفت ان النوم أمنية مستحيلة. انبثق من تجاويف الذاكرة بيت من الشعر الشعبي لم أستطع ان اتذكره دفعة واحدة.. »ألا يا نوف قصى.. ألا يا نوف قصي لجعودك..« ما معنى جعودك؟ لا بد أن هناك خطأ ما.. »ألا يا نوف قصي لقعودك.. لحط شعرك بين لحدي والتراب«. نعم.. هذا هو البيت، تلك ملحمة مشهورة. كنت أحفظ الكثير من أبياتها، ولكني لا أتذكر الآن إلا شطرا هنا وشطرا هناك. ولم يحضرني بطل الملحمة، وبدأت أحاول تذكره.. والاسم يعاندني. كان علي أن أجري عدة ترابطات جغرافية وتاريخية، حتى يبرق في ذهني اسم محمد الملحم. ولكن بعد لحظات من تذكره، عدت فنسيته. ثم لجأت الى الآلية السالفة، حتى نجحت في استحضاره ثانية. وتمتمت مكررا مطلع القصيدة الملحمة.. »يقول محمد الملحم قصيدا بيوت مسطرة وسط الكتاب«.. ثم يأخذ في سرد حياته ومغامراته الحافلة بالتناقضات. لقد بلغ أوج العظمة حين كان يسير الى الغزو، وعلى يمينه مية ألف وعن شماله مية ألف، وبلغ الدرك الأسفل من الانحطاط، عندما فاض كفره وجحوده. والمثير في هذه الملحمة، أن الراوي فيها هو محمد الملحم بعد أن مات، ولم يبق منه إلا جمجمة عظمية جافة. وتحكي الجمجمة، أن محمد الملحم بعد موته أخذ الى جهنم، لكن بسبب كرمه ونخوته، وما قدمه للفقراء والمحتاجين من نجدة وعون، رفضت ان تدخله في نارها. فاقتيد الى الجنة، ولكن بسبب كفره، وعمى بصيرته عن الدين الحق، رفضت أن تقبله في نعيمها. وهكذا صار محمد الملحم بعد موته مشكلة محيرة للنظام الإلهي. في فترة ما وضعت مخططات كثيرة لكتابة مسرحية مستلهمة من هذه الملحمة وعنوانها »الجمجمة«. كان أكثر ما يهمني، هو ارتباك النظام الالهي امام حالة يتساوى فيها خير الانسان وشره. وتصورت ان يعاد بعث هذا الانسان في تجربة اخرى الى الحياة الدنيا. ويعود بالفعل، فيولد في ظرف ومكان مختلفين، ويعيش الحياة التي تقدر له، ثم يقبض، ويمضي إلى الآخرة، وحين يجرى الحساب، يتعادل فيه من جديد الخير والشر. ويكرر الله التجربة تسعا وتسعين مرة متوالية، وتتكرر النتيجة نفسها تسعا وتسعين مرة. غضب الله وقال: »هذا الإنسان ولد في المعصية والندم، ويعيش في المعصية والندم، وحياته بأهوائها وأعمالها وتناقضاتها أعقد من النظام النائي الذي صورناه له. امسحوا فكرة الجنة، وامسحوا فكرة جهنم، ودعوهم يعيشوا ويموتوا، ولا شيء آخر..« لا.. كان الله سيقول كلاما أفضل. لكن هذا الشخير يوتر أعصابي، ويشوش ذهني. شيء جميل أن يكون هناك مسرح فارغ وواسع، وأن يكون هناك قبر صغير من الخشب، يمكن أن يتحول إلى مقعد أو حصان أو كمان. وفي ضوء نصف معتم ينقلب القبر، وتخرج جمجمة صغيرة. إن رأسي تلتهب، ولا أدري إن كنت أهذي أم لا! جاءت فايزة. أخبرتني أن أختي وأخي وصهري قد وصلوا، وجاءوا الى المستشفى، وأنها شرحت لهم حالتي، وحاولت أن تطمئنهم. وقد ذهبوا الآن إلى البيت كي يستريحوا قليلا. وكانت مصممة على أن تسهر بجانبي حتى الصباح. لكني رفضت، وأجبرتها على العودة الى الغرفة، كي تنال قسطا من النوم. أرعبني أن تمرض، وأنا في حالتي هذه. وتذكرت أني لا أعرف أين تنام ابنتي ديمة هذه الليلة، فتفاقم شعوري بالوحشة. وأيقنت أن الحياة تدخل مجهولا، لا أحد يعلم إلام سيفضي. وكان الشخير مستمرا، وكان أبو رياض لا يفتأ يتراءى لي بغضون وجهه وعبوسه، بينما أسأله دون غضب.. ولكن ماذا تريد مني يا أبا رياض؟ لست مخطئا.. لمحت الطبيب والممرضة يتبادلان ابتسامة ذات مغزى، وهما يعريانني، كي يضعا لي القسطرة. ما يزال العري هتكا وفضيحة مرعبة، وما يزال بيننا وبين الصحة الجسدية والحرية، ثياب معقدة، وطبقات من القيم المتحجرة، وحكم الموتى، وشرائع الطغاة. في »المهابهاراتا« يستمني الملك على شاطئ النهر، فتتلقى منيه ورقة لوتس طافية على سطح الماء. لا.. يأبدل ذلك.. ]كان هناك شاب نحيل توحي هيئته، والخدوش الكثيرة التي تخطط جلده، أنه متشرد لا يستقر في مكان. وقد قاده تجواله الى ضفاف النهر العظيم. كان نهرا يشبه البحر. من احدى ضفتيه يستحيل أن يرى المرء ضفته الأخرى. وكانت كل ضفة بستانا، فيه من كل فاكهة وزينة وخضرة. اغتسل الشاب في ماء النهر العذب والنقي، وشرب حتى ارتوى. ثم أمسك عضوا صغيرا يشبه منحوتة من بلور زهري، وأخذ يداعبه بأصابع رقيقة. وكانت تراقبه من مكمنها في الماء عذراء وافرة التكوين على تناسق واكتمال. طياها فيتان، وبطنها مرج من الأزهار، وفخذاها حورتان، وبينهما عانة كدغل من الأعشاب. حين رأت الشاب، أثار عضوه دهشتها وعجبها، فرفعت من الماء ذراعين قويين، طوقته بهما، وجذبته نحوها. وما كاد الشاب المأخوذ يولج عضوه البلوري فيها، حتى أخذته الرعشة، وقذف منيه غزيرا في جوفها. استمر العناق حتى فكت ذراعيها عنه. فوقف في الماء، ونظر إليها وكأنه يريد أن يملأ عينيه منها، ثم أدار ظهره، وتناول عن الضفة عصاه، ومضى، ولا ريب أنه سمعها وهي تسأله، وبطبقات صوتية مختلفة: من أنت؟ لكنه لم يستدر ولو مرة واحدة، واختفى من دون ان ينبس بكلمة. وغضبت العذراء، وراحت تضرب بكفيها سطح الماء وهي تقول: أنا الأرض. ماذا حدث لي؟ كيف أعطي عفتي لعابر سبيل، لم أعرف عنه شيئا!. لكن غضبها هدأ مع الأيام، وتحول الى حنين غامض، بعد أن بدأ البذار ينتش، وينمو في رحمها. وحين بلغ حملها غايته، وضعت ذكرا جميلا لم تعرف ماذا تسميه. ولم تجد ما تاديه به إلا يابن الأم. وكبر ابن الأم بين النهر والبساتين الوارفة على الضفة. ولما بلغ مبلغ الرجل، بدأ ينظر الى أمه بعينين شبقتين، ويلاحقها بالمداعبات والملامسات والقبل المغتصبة. وكانت الأم تحاول جاهدة أن تبعده عنها. ولم تكن تستطيع أن تفسر لماذا تبعده عنها، ولم تكن تعرف أي قانون يمنع ذلك. لكنها بحس شبه جسدي وغامض، كان يبدو لها ذلك مخيفا. ويتماثل لها على الفور، وبشعور من الحنين والعتب، ذلك الرجل النحيل والغامض، الذي زرع في بطنها ابنه، ورحل. وذات يوم كان واضحا أن ابن الأم مصمم على نيلها، ولو اغتصابا. ولم تكن الأم، رغم متانة بنيتها، واثقة من السيطرة عليه دون أن يؤذي أحدهما الآخر. ولذا قررت أن تقايض استجابتها بالتخلص منه، وإبعاده عنها. شحذت خيالها، وروت له أشياء كثيرة عن أبيه. وقالت له: سأدعك تضاجعني. لكن عليك بعد ذلك أن تذهب وتبحث عن أبيك، كي تعترف له، وتطلب مغفرته. سأل ابن الأم: وماذا يحدث إن لم أبحث عنه، وأطلب مغفرته؟ قالت الأم: سيعود كالريح، تسبقه زمجرة تشبه زمجرة الوحوش الغاضبة. وحينئذ لا أدري ماذا سيحل بك! سأل ابن الأم: أهو قوي وغضوب الى هذا الحد؟ فأجابت الأم: بل وأكثر مما وصفت. والآن هيا.. هل وافقت؟ فقال ابن الأم مترددا: وأين سأجده؟ فردت المرأة قائلة: لقد اتخذ طريقه صوب مشرق الشمس، وإن اتبعت الاتجاه وجدته. تردد ابن الأم، وكادت شهوته تخمد في عروقه. لكنه حين راح يتأمل قبتي الصدر، ومرج البطن، وتلك العانة الغامضة الشبيهة بدورات النهر، أحس أنه يدوخ، وقال لها: قبلت. واطأها بعنف وشبق وخوف. كان ذلك شيئا لم يعرفه ابن الأم، ولم تعرفه الأم أيضا. وحين فاضت شهوته في رحمها، كان كلاهما يشهق، ويواري وجهه عن الآخر. بعد قليل.. نهض ابن الأم وهو يلهث، ثم أدار ضهره، وتناول عن الضفة عودا غليظا كالعصا لوح به في الهواء. غاب دون ان يلتفت ولو لمرة واحدة، ودون ان يجيب أمه، التي كانت توصيه أن يعتني بنفسه، وأن يتجنب المخاطر، بكلمة أو بإشارة.[ »يا يوبا.. يا يوبا..« أنّت العجوز التي تشغل الغرفة المجاورة، ثم بدأت تنادي ابنها: اريد ابني.. اريد ابني.. جاءت الممرضة، وبدأت تسألها: ماذا تريدين يا خالة؟ اريد تفكّوني. أجابت الممرضة: هذه اوامر الطبيب يا خالة، ولا نستطيع ان نخالفها. اين الطبيب؟ هاتو الطبيب.. فقالت الممرضة: الآن لا يوجد طبيب. قالت العجوز: هذا عجيب.. فكوني.. اريد ارتاح. فقالت لها الممرضة نافدة الصبر: حاولي ان تنامي.. وفي الصباح سيأتي الطبيب، ويعمل لك ما تريدين. تركتها الممرضة، وخرجت. فنادت العجوز غاضبة: يا غندورة.. ايه.. انت يا غندورة.. ولما لم يجبها احد، عادت تئن بصوت كئيب: يا يوبا.. يا يوبا.. وكان الشخير قد هدأ، ولا ادري متى! وحين بدأت احس الهدوء مثل غلالة سحرية تلفني، وتهدئ توتري، انفجر في القسم، وبصورة مفاجئة، بكاء طفل جاء يحمله والده، وقد وضعوه في الغرفة المجاورة لغرفتي من الناحية الثانية. علمت ان الطفل ابتلع ادوية القلب التي يستعملها ابوه، فأصابته آلام وتوترات عصبية، اقتضت ان ينقل الى قسم العناية. اين توقفت؟ سأعود الى الام الارض.. كان حملها هذه المرة غريبا ومختلفا عن المرة الاولى. فقد كانت هناك متاعب لم تشعر بها في المرة الاولى. وكانت هذه المتاعب تتخللها، وتتشابك معها مشاعر عنيفة من الحنين والرعب والرغبة. وظلت طوال تسعة اشهر تكابد، وتتخمر بتلك الانفعالات القوية، التي تهزها في ليلها ونهارها. وحين حانت ولادتها، عانت آلاماً مبرّحة، وأحسّت مرارا ان الموت يطوقها. ولكن.. فجأة.. شعرت انها تنفتح مثل ينبوع، وتلقفت طفلة انثى بدأت توأوئ. وما ان بدأت تمسح الدم العالق بها، حتى احست ان هناك كائنا آخر يخرج من رحمها. مدت يدها، وتلقفت طفلا ذكراً. وحين كانت تحمل الطفلين بيديها، غمرتها بهجة عابرة، وادركت وسط البهجة ان دورتها قد انتهت، وان الوقت قد حان كي ينقسم الزمن الى سنوات، والسنة الى فصول، والفصول الى مناخات، وان تجري الحياة كمياه هذا النهر، متغيرة ومتجددة عبر الشهور والفصول والسنوات. وبفعل إلهام غريب لم تعرف ابدا مصدره، وجدت نفسها، ودون عناء، تنادي الطفلة حواء، وتنادي الطفل آدم. وظلت مع ولديها حتى كبرا. ووصل كل منهما سن البلوغ). صرخ الطفل في الغرفة المجاورة صرخة اجفلت لها، وانتبهت الى ان الشخير بصواعده ونوازله، عاد يغمرر القسم. وما شأني انا بالخلق! وما هذه الليلة الهاذية المنهكة! لو استطيع ان انام ولو دقائق معدودات! ان اسطورة الخلق في الاديان، وفي »المهابهاراتا« ايضا، اكثر اناقة وترابطاً. اما اسطورتي فإنها لا تعكس الا خيالا محموما ومريضاً.. آدم وحواء (لقد بقيت الام مع ابنيها حتى صار كل منهما بالغاً. فاختارت احدى الليالي المقمرة. جلست، وجعلت كلا منهما ينام على واحد من فخذيها. روت لهما حكاية ابيهما وجدهما، واوصتهما ان يعتني احدهما بالآخر، وألا يفترقا ابداً. واذا ناداهما ذات يوم فضول او حنين الى الاب، فليبحثا عنه باعتدال، ودون ان يفرطا بالحياة ومباهجها. في تلك الليلة، وبعد ان أغفى الوالدان سوّت ضجعتهما، وغابت. في البداية تركت نفسها يحملها النهر، ويجري بها. وحين وصلت الى منطقة يغطيها الطمي، غاصت في الطين الرخو والخصب، وتبددت فيه. ثم بدأت تحولاتها اللانهائية بين اشكال الحياة المتنوعة والوفيرة. اما آدم وحواء فلم يندهشا كثيرا حين استيقظا، ولم يجدا امهما. ودون ان يشعرا كانت الوحدة قد قربت بينهما كثيرا، فزادت لهفة كل منهما للآخر. وحين نزلا الى النهر كي يغتسلا، نظر اليها، ونظرت اليه، ثم غض كل منهما طرفه، وهو يقترب من الآخر. تعاقبت سنوات خصب عجيبة. وانجب آدم وحواء سلاسلة من الاولاد. لقد تعلم كل منهما ومبكرا حكاية جده وجد جده. وظل البحث عن الاب او اب الاب هاجسا يلاحق نسل آدم وحواء حتى يومنا هذا. اما الام فقد كان الجميع يعرف، وبيقين كالحدس او كالالهام، انها موجودة في كل شيء، من النهر الى الخصوبة الى الشجر الى المطر... والى كل ما يمكن تعداده من تحولات واشكال الحياة). رأيت الفجر ينسكب عليّ من فوق جدار جحري الخشبي، وكان الطفل ما يزال يكبي بكاءً مقطعا ورتيباً، كالذي يسبق النوم، والعجوز تئن »يا يوبا..«، وبدأ بطني يؤلمني. جاءتني الحاجة مفاجئة، ولا ادري متى تأتي فايزة. ما أتفه بني آدم! بين ليلة وضحاها تحولت رمّة وجيفة. وكان عليّ ان اتضاغط حتى تأتي فايزة. لا اريد ان انادي الممرضة. لا استطيع ان اتحمل شفقتها، او تقززها. اني اضمحل بصورة تافهة ومزرية. تناءى الآن المزاج التهكمي، وحلت سوداوية بائسة ومظلمة. وكان نور الفجر يتساقط من فوق الجدار المفتوح كزوبعة التراب والرمال التي يحملها العجاج. كان نورا أغبر وخانقاً. ولأن النهار نفسه لم يكن له اي معنى، فإن الفجر لم يكن له اي مغزى، الا المزيد من التعب والضوضاء. أكاد أنفجر، ولا اتماسك الا بشق النفس. لماذا لا استسلم! لقد استبيح جسدي، ولم يعد هناك ما أبقيه طيّ حميميتي الخاصة. اني من عائلة يمحوها الخجل، ويروّعها العيب. ولقد مرت سنوات طويلة، كنت أعتقد خلالها ان امي ليست لها حاجات تقضيها. اذ اني لم ارها مرة واحدة تنتحي بقعة الخلاء، التي خصصناها بقضاء الحاجات. وفي هذا الفجر الرملي، بدت لي حياة عائلتنا هشة ومثقلة بالتعاسة. فوراء الادعاءات والتباهيات الجوفاء، كان ثمة فقر وخوف ونفاق خجول. كانت العائلة تتزين بجاه سالف، لم يبق منه الا شكليات وذكريات. وكان الجميع يتلظون بحسية مجهضة يخافونها، ولا يعرفون كيف يتدبرونها، الا بزواجات مرتبة وكئيبة. ومع ذلك فإن معظمهم لم يكن لديه الحساسية، كي يكتشف في اي وضع زائف حشرنا انفسنا. وذات يوم خطر لي ان ادوّن تاريخ العائلة. ولقد استطعت ان اجمع وقائع كثيرة، بدت لي لأول وهلة انها مادة سخية لتدوين مثل هذا التاريخ. ولكن حين محّصت هذه الوقائع، وجمعت المتشابهات فيها، وجدت ان تاريخنا فقير، ولن يستغرق بأي حال ذلك المجلد الذي كنت اطمح الى كتابته. هل كانت تاريخاً ام نبوءة؟ لا أدري.. منذ ما ينوف عن ربع قرن تراءت لي عائلة تسير في انفاق متداخلة ومظلمة. انفاق تشبه المتاهة، او هي حقا متاهة. وكانت العائلة، وهي دون ريب عائلتي بالذات، تسير في هذه المتاهة الكالحة، دون ان يحس فاجع او مأسوي. وأذكر اني وضعت تقويما لهذه المسيرة يبدأ في عام 27 ق. م. وينتهي في عام 2699. كان لدى هذه الاسرة ومنذ ذلك التاريخ المبكر، امل غامض بأن الشمس تتلألأ في مكان ما خارج السراديب. وكان يكفي ان يتذكروا هذا الامل، حتى يغذوا السير، ويتحولوا الى موكب لا يخلو من الجلال، تحفز خطواتهم غاية نبيلة يوشكون على بلوغها. ولكن في معظم الحالات كانت خطواتهم رخوة. وكان موكبهم مشوشاً، وغارقا في تفاصيل الايام الرتيبة). صرخت العجوز في الغرفة المجاورة، ما اقدر اتحمل.. اريد ولدي.. اريد الدكتور.. على صرختها استفاق الطفل، وبدأ يبكي. حدث هرج في القسم. كان الطبيب المناوب قد استيقظ، وممرضات الصباح بدأن بالحضور. وفجأة اطلت فايزة، فأغمضت عيني، وودت لو اذرف دمعة. اشرت لها ان تحضر الزحافة بسرعة. اتت بالزحافة، واغلقت الباب. كانت جدران الغرفة الخشبية مفتوحة في الاعلى، وكانوا قد اطفأوا المكيفات، وجللني عرق بارد من الاصوات والرائحة. قلت لفايزة: أليس بيننا اتفاق؟ أجاب: نعم.. بيننا اتفاق. قلت: أليس هذا اوانه؟ قالت: لا.. ما هذه الا حادثة عابرة. صحت محتجاً: إني أتفسّخ. قالت: روّق.. روّق. المرض ليس عيباً. ألا تذكر حين تميّع دمي اثناء ولادة ديمة، او حين اجريت عملية في بطني لاستئصال تلك الكتلة الغريبة؟ ألم أكن أبول بالقسطرة، وأقضي حاجاتي في الفراش؟ من يعتب على المريض، او يشمت به! انك مرهق وهذا كل شيء. نظرت الى وجهها، ففاجأتني علائم الارهاق البادية عليها. كان لونها ازرق يتناهى الى الاصفرار، وكانت عيناها متورمتين. من الواضح انها لم تنم اكثر من ساعة او ساعتين. ارعبني ان ننهار جميعا وفي وقت واحد. سألتها: هل شربت قهوتك؟ قالت: لا.. جئت فور يقظتي، لأرى ان كنت تحتاج شيئاً. قلت لها: لم اعد احتاج شيئاً. اذهبي، وتناولي قهوتك، واستريحي قليلاً. سألت: ألم تنم ابدا؟ أجبت: لم اشعر بالحاجة الى النوم. طبعت قبلة على يدي، وغادرت. ولكنها عادت بعد دقائق، ومعها بخاخ ينشر في الجو عطر البنفسج. ارسلت عدة بخات في جو هذ الغرفة الجحر. وقالت: لا توجد في الغرفة رائحة كريهة. نثرت عطر البنفسج كي تطمئن اكثر. البنفسج.. رائحة البنفسك.. غناء الاوكسيجين، وتلك الاجساد القمرية التي تعطر الحشيش، وتضاعف تأثيره. وفي الفجر.. فجر آخر يختلف عن فجر العجاج، الذي يَغُتّني برمله وترابه الناعم، تستيقظ العصافير، وتعرض اشجار التين ثمارها الناضجة والملونة. وتدب في الاجساذد التي يغطيها العرق، ونسالة الكيف خدر مملوء بالعافية والرغبة والحياة. الشمس التي تتدفق على البراري والحقول. البراري التي تستيقظ وتسترخي في حمام الندى، وكروم التين والخوخ والدراق، والصباح الضاحك.. كل ذلك يتألق وهو يمجد الحياة، ويمجد مع الحياة تلك الاجساد المعافية، التي ترقد الآن مسترخية وعائمة فوق بحر من الاحلام والرغبات.. في سرداب طينيّ (كم تمنت عائلتي هذه الشمس وهذا الصباح وتلك الحياة التي يمجدها كل شيء. ولكن ما كنت اراه كان مختلفا جدا. ففي يوم لم تدركه التقاويم بعد، وجدنا انفسنا في سرداب طيني، ارضه موحل، وضوءه شحيح لا يكاد يبدد العتمة. كنا عائلة تتألف من اجداد واب ونساء واولاد. لعلي كنت اصغر الاولاد واقلهم كلاما. ولم يكن يخطر ببال احد من افراد الاسيرة ان وجودنا في هذا السرداب، هو امر غير طبيعي او يحتاج الى تفسير. كانت تسيطر على الجميع فكرة واحدة، لا شك انها تدلت وراثيا من الجد الاكبر الى باقي افراد العائلة، ولم يشك احد في صحتها. لا.. لا اظن انها فكرة، بل مزيجا من الارادة والرغبة معا. فجميعهم كانوا يعتقدون، ولو بدرجات متفاوتة من اليقين، ان السرداب سيقودهم الى الشمس وبرار خضراء، ازدهارها مسكر، وخضرتها ابدية. وكنا نسير.. كان السرداب يفضي بنا الى سرداب آخر. ولا تسعفني ذاكرتي بوضع اي تقويم لهذه الرحلة يسبق المئة الاولى قبل الميلاد. ففي سنة 27 ق. م. غاص احد اجدادي في حمأة طينية عميقة، ولم يكن بوسع احدهم ان ينقذه. لم نجد حبلا ولا قطعة خشب نمدها ليه. كذلك لم يكن لدى الكبار ما يكفي من النخوة والشجاعة كي يخاطروا، ويمدوا ايديهم اليه. غاص جسده كله، وبقي رأسه طافيا فوق الوحل. عيناه جاحظتان، ولونه أربد، ولسانه يتلجلج بكلمات وأنات غامضة. هل سمع الباقون ما سمعت؟ كان واضحا انه يتهم اخاه. بل رنّت في اذني هذه العبارة المتلجلجلة.. »قتلني اخي«. لم يهتم احد بما قال، وانشغل الاجداد الآخرون بإقامة بعض الطقوس. رُمي امام وجهه المزرق رغيف من الخبز، وقطعة من اللحم المقدد، وبصلة بيضاء وتميمة خشبية، ثم أشعلوا فتيلا مبللا بالزيت، وغرسوه بالارض. تلت ذلك بعض الدمدمات الدينية، التي كانت تغطي حشرجات الجد الغارق، وتخدمها. انتهت الطقوس وتابعنا السير.. بقيت أتلفت، فأرى الرأس الطافية وظلها المتراقص مع الشعلة المتروكة امامها. ولولا ان ابي نهرني، وشدني من كمي، لما استطعت ان انتزع عينيّ من هذه الرؤية. ذلك الحدث وذلك المشهد هما بداية تقويمي، الذي اخذت من الآن فصاعدا اسجل احداثه الرئيسية. كانت مسيرتنا رتيبة. وكانت السراديب لا تفضي الا الى السراديب. والغريب انه لم يكن هناك اي شعور بالضياع. وكان تراتبنا في السير يتم بصورة تلقائية، وكأنه قانون كوني. الجد الاكبر في المقدمة، ثم يتلوه اجداد آخرون، ثم ابي، ثم النساء (وكان كل منهم، بما في ذلك ابي، لديه اكثر من زوجة)، ثم الاطفال. وكنت في المؤخرة. ومن هذا الموقع كان بوسعي ان اراقب هذه المسيرة، التي تخرج من نفق، لتدخل نفقا آخر. وقد سجلت ذاكرتي احداثا كثيرة، ولكن بعد سنوات عديدة عندما تفحصتها جيدا، اكتشفت انها عديمة القيمة. في سنة 30 ميلادية توقف جدي الاصغرر بزوجته، وأسندها على جدار السرداب واخذ يهز وسطه. ومثل هذه الانتحاءات كانت تتكرر دائما، ولم نكن نوليها اي اهتمام. كان علينا ان نسير فقط. وكان كل جد توافيه المنية، يوصينا بأن نتابع السير، ويسرف في وصف ألق الشمس التي تنتظرنا. في سنة 620 حدثت في عائلتنا فتنة. فقد اختلف من تبقى من الاجداد حول التمائم، وبالتالي حول الاتجاه. وانقسمنا، وما زلنا ننقسم عند كل مفترق من مفترقات السراديب. حين اضمحل جمعنا، وتفرق الاقرباء، ولم يبق الا عائلتنا الصغيرة، التي يرأسها ابي، كانت الشكوك قد بدأت تنفذ الى قلوبنا. ومع تزايد الشكوك كان ابي يزداد غطرسة وتسلطاً. منعنا من الكلام، ووضع قفلا على فرج زوجته الاولى، التي انجبت له ثمانية ذكور وخمس اناث. وقال لها: تكونين بورا الى الابد. لا يقربك محراث، ولا يرويك ماء. وفي عام 1940 كدّر ابي حلم كئيب أيقظه من نومه، فرفع فستان امي، وانبطح فوقها. بعد اقل من عام ولدتني امي حاملا ذاكرة مزدحمة بالصور والتفاصيل. وسرت وراءهم، حريصا على مكاني في المؤخرة. بعد عشرين سنة تجرت، وقلت لأبي: لا توجد شمس، ولا توجد برار. لا توجد الا هذ السراديب التي نسير في جوفها. اما الامل الذي يحدونا فإنه كاذب، واما عزائمنا فإن رخاوة موروثة تثبطها. أحمرّ وجه ابي، واتقدت عيناه، وظن الجميع اني هالك. لكن وسط دهشتهم، قال ابي بدهوء آمر ومتسلط: الاجداد لا يكذبون. فلنتابع.. وتابعنا.. في ظروف غامضة مات ابي. وفي ظروف غامضة، انتظمت الاسرة مرة اخرى تحت قيادة الاخ الاكبر. في عام 2007 دب خلاف بيني وبين اخي، فتخليت عن العائلة، واتجهت في سرداب مخالف. تزوجت وانجبت. وها انا اقود عائلة جديدة وصغيرة، لكنها ستكبر مع الايام، وكلما كبرت سأحار ماذا اقول لها. ما الذي سيجعلها تتبعني في سيري، اذا لم اعدها بالشمس والبراري! وهكذا اوجدت نفسي اواري شكوكي، وازرع في صدور اولادي يقيناً بأن الشمس تنتظرنا في نهاية السرداب. وتابعنا السير.. صارت السراديب اسمنتية، وفي زواياها تتدلى مصابيح تخفف العتمة، لكن السراديب ظلت سراديب، وما زلنا نسير بحثا عن شمس، لم يتأكد احد قط من وجودها. في عام 2114 ما زلنا نسير.. في عام 2370 ما زلنا نسير.. في عام 2617 ما زلنا نسير. في عام 2690 ما زلنا نسير.. في عام 2699 خانتني قدماي وما زلنا نسير.. وسيوالي ابنائي السير وكتابة هذا التاريخ..). ممرضة شابة كان بين ممرضات الصباح ممرضة شابة تضج نشاطا وحيوية. كانت تحمل ابريقا وطشتاً صغيرا، وتدور على الغرف. رؤية الابريق اثارت فيّ رغبة شديدة في الماء البارد. اريد ان اشرب، وان اسكب الماء على رأسي وجسدي. وفي الوقت نفسه اكتشفت اني لا استطيع ان اضع في فمي ولو جرعة ماء صغيرة. كان ارتشاف اي سائل وبلعه مؤلما ومتعذراً. وكانت قد مرت ايام لم اتناول فيها اي طعام. جاءت الممرضة الى غرفتي، ومعها اخرى تعاونها. غسلتا لي يدي ووجهي، فشعرت بشيء من الانتعاش. ثم حملت ممرضة اخرى صينية عليها طعام الافطار. نظرت الى الصينية، فداهمني غثيان حاد. كان مريض القلب قد استيقظ، وبدا انه زبونه دائم في العناية المشددة. حيّا الممرضات، واخذ يمازحهن طالبا مضاعفة طعام الافطار. بدأ الاطباء يتوافدون. جاء طبيب الهضمية، وسأل عن مرات البراز وطبيعته، وجس البطن بيد عجلى، ثم مضى. تلاه طبيب الكليتين، فسأل عن كمية البول، وتفحص الكيس المتدلي من القسطرة، ثم قاس الضغط، ومضى. ثم أتى رئيس قسم العناية، فسألني عن حالي، ودون ان ينتظر الجواب، قاس الضغط، واصدر بعض التعليمات للطبيب المناوب، وخرج. جاءت فايزة، واستفسرت عما قاله الاطباء. اجبتها: لم يقولوا شيئاً. قالت: ألم تسألهم؟ قلت لها: لا.. اني متعب، ولا ادري عما اسألهم. خرجت الى الردهة وبدأت تمطر الطبيب المناوب بالاستفسارات. وفيما هي مشغولة معهم، دخل رجل ينطبق عليه تمام الوصف العامي، الذي يقول.. »وجه يفسو«. رأيته مرارا من قبل. فهو يعمل في عيادة الدكتور زياد عبد الهادي، وفي مخبر »الشامي«. وخلال المرات التي صادفته فيها، كان وجهه دائم الاشمئناط. يُدلّي زاوية فمه اليسرى، ويرفع زاويته اليمنى في تعبير متقزز وساخط. جاء يأخذ عينة من دمي للتحليل. ربط ذراعي بالمطاطة، وراح يبحث عن وريد يغرس ابرته فيه. وكنت انظر اليه نظرة نفاذة، ولا تخلو من ازدراء. لا ادري ان كانت نظرتي هي السبب، لكنه نادى زميلة له، وقال لها بغضب: اني لا اجد وريدا صالحا لسحب عينة من الدم. فقالت: هات المطاطة! ربطت الذراع الثانية، واختارت وريدا مستهلكاً، وغرزت ابرتها فيه. آلمتني جداً. وبصعوبة استطاعت ان تسحب عينة الدم المطلوبة. وضعت قطعة قطن صغيرة على الوريد. وقالت بجفاف: اطو ذراعك! ثم التفتت الى الرجل الذي يفسو وجهه، وقالت بتباه: مشي الحال. قالت فايزة: سألت الطبيب المسؤول عن القسم عن امكانية تناول »الاتيفان«، وقد سمح لك بتناول حبة عيار ملغرام واحد. أجبتها: لا يهم. لم اعد ارغب في تناول الاتيفان. قالت: سأذهب الى البيت كي احضر الاغراض التي نحتاجها في المستشفى، وبعض الفاكهة والطعام. سألتها عن اخي واختي وصهري. فقالت: انهم هنا. وسيذهبون معي الى البيت كي يأتوا بحقائبهم، ويسافروا. لكن اختك ستبقى. قلت لها: دعيني اراهم قبل ان يسافروا. هذا الصباح زارني عدد كبير من الاصدقاء. لم نكن نتبادل الا النظرات المثقلة بالحزن والحيرة. حين وقف اخي عى عتبة الباب، ورفع يده، نظرت اليه بلهفة وانا ارد تحيته. بدت هيئته غريبة بالنسبة لتوقعاتي. كنت خائفا عليه من سفر الليل وقلة النوم، لكنه بدا نضرا يعتمر قبعة من القش، وقد شذّب شاربه بحيث غدا نحيلا يمتد كخيط رمادي تحت الانف. وهذا التغيير مع نضارة وجهه، جعلته يبدو رجلا لاهياً، لا يشغله الا اغواء النساء. بدا خفيفا وعصرياً. وحين رفع يده مودعا، ثم مضى، رماني في دوامة من الحيرة والارتباك. بعده جاء ابو نضال وابنه علاء. كان منظر »ابو نضال« يثير الشفقة بالفعل، فهو يذوب يوما بعد يوم. كان يبدو هزيلا في ثيابه الفضفاضة، وعلى وجهه حزن وهم. كنت اعلم انه نحل في السنوات الاخيرة، وفقد الكثير من وزنه وسمنته، لكن هذه اول مرة اشعر فيها انه يتزحلق نحو الموت. وهو لا يشكو اية علة جسدية يمكن ان يعزى اليها هذا النحول، لكن يبدو ان قرر منذ سنوات، ألا يفعل في حاضره او مستقبله الا التأهب للموت. ولم يعد يعرف لحظة بهيجة، الا تلك التي ينبش فيها بعض ذكريات الماضي البعيد. كان في عينيه نظرة حزن ابكم. حاولت ان ابتسم، لكنه هز رأسه، ولوح بيده، ثم مضى ومعه علاء. بدا لي صورة نقيضة لأخي. كان واحد يتأهب لاستئناف حياة جديدة، وكان الآخر يتأهب لوداع الحياة. ترَكَت هذه الزيارة في نفسي أثلاماً من الحزن والتطيّر. وتذكرت يوم جاء اخي محمد بعد قطيعة طويلة، الى مستشفى »الشامي« في اول جرعة اتناولها بعد عودتي من فرنسا. تصرّف ببساطة وحنان، وردم سنوات القطيعة بصدق ومهارة. بعدها لم تنقطع زياراته ولا تلفوناته. في واحد من هذه التلفونات، كان يخبرني ان فؤاده مطمئن، وان القلل لا يساوره حول مصيري. ولكي يعزز هذه الطمأنينة قال لي: هناك حادثة في حياتي اظن اني رويتها لك في وقتها. مرت فترة رغبت فيها ان اغير ديني، وان اتحول الى المسيحية. وذات ليلة جاءني هو. نظر اليّ نظرة لائمة، وقال لي.. لا تفعل. فاستيقظت مذعورا، ومحوت الفكرة من رأسي. والآن اقول لك.. البارحة جاءني في المنام هو.. هو كما رأيته في ذلك الحلم القديم، نظر اليّ وقال: لا تقلق على اخيك.. سيشفى، وسينهي مشروعه حتى النهاية. وأضاف اخي، انه بعد هذا المنام تطامن قلقه، وشعر ان بردا وسلاما نزل على قلبه، وراح يشرح لي اهمية هذا الحلم، ويطلب مني ان اشاطره تفاؤله. فأكدت له اني اقدر اهمية الحلم، واني اشاطره تفاؤله. منذ بداية مرضي والاحلام التي تتنبأ لي بالشفاء وحسن المصير، تتواتر بكثرة مدهشة في ليالي الاهل والاصدقاء. ان احلام فايزة وحدها يمكن ان تملأ دفترا كاملا. جاء الدكتور زياد عبد الهادي. قرأ المعلومات المسجلة في الطبلة، ثم دخل عليّ. كان اضطرابه واضحا، وكان يعرف دون ريب ان ما اعانيه الآن هو مسؤوليته. اثناء الجرعة الاخيرة التي سببت هذا الانهيار، سألته بوقاحة: هل انت معي ا مع الورم؟ اني مرهق جدا، وكان جب ان أؤجل هذه الجرعة. فاعتبر سؤالي مزاحا. وقال. لا.. ان تحليل الدم جيد، وستكون هذه الجرعة كسواها. الآن لا بد انه يدرك خطأه. وستكون مفارقة مضحكة ان يقتلني، كما قلت له مرة، العلاج لا السرطان! عندما رفض ان يحدد لي متى سأغادر قسم العناية المشددة، وعندما رد على استفساراتي بغمغمات غامضة، علمت ان وضعي سيء، وان عذابات طويلة تنتظرني. لم يخطر لي ان ألحّ على فايزة كي تخبرني بحالتي. ولم اوجه اي سؤال الى اي من الاطباء، الذين كانوا يعودونني مرتين في اليوم. ورغم ان السرير والجحر والقسم كله كانوا جحيماً، فقد قررت ان استسلم. جاءت فايزة حاملة عصيرا او شيئا يؤكل، فرفضت باشمئزاز. لا استطيع البلع، ومعدتي لا تتحمل حتى الماء. ولم يكن هناك ما يحكى. ومع تقدم الوقت ازدادت ضجة العجوز، التي علمت انها مصابة بسرطان في فمها وعنقها وثرثة مريض القلب مع زواره الكثيرين. وبدأ يستولي عليّ خوف ووحشة، وشعرت اني مثل ايوب.. وتباهى الرب بعبده ايوب. باستقامته وتقاه. فسأله الشيطان.. أمجّاناً يُتقى الله؟ فأطلق الله يد الشيطان، كي يضربه في أهله وأملاكه. فقد اولاده العشرة وكل ما يملك، فلم يخطئ بحق الله. فازداد الله تباهيا بعبده ايوب. فطلب الشيطان ان يصيبه بلحمه ودمه، فأطلق الرب يده. فأصاب الشيطان ايوب بقرح من اخمص القدم الى قمة الرأس، فاشتدت آلامه وصار الرماد مرقده، وانكرته زوجته، وانفضّ عنه غلمانه وعبيده. لم يكن ايوب يعرف انه ضحية رهان متبجح بين الله والشيطان. ولأنه كان عميق الايمان وحسن النية، لم يخطر بباله ابدا انه يمكن ان تجري في السماء التي يشعشع فيها الرب، ألعاب ومراهنات دامية الى هذا الحد! ولهذا دفعه قلبه البريء، وآلامه التي لا تحتمل الى محاججة الله: »لكني انما اخاطب القدير واود ان احاجج الله. ما الذي لي من الآثام والخطايا. اعلمني معصيتي وخطيئتي. لما تواري وجهك وتعتدني عدوا لك. انما تروع ورقة منثورة وترهق عصافة يابسة. فانك تكتب عليّ معاملات عنيفة وتلحق بي آثام صباي وتجعل رجلي في مقطرة وتراقب جميع مسالكي وتخط على باطن قدمي. وهذا الرجل قد نخز كرفاة متسوس وكثوب قد اكله العث«. ولا شك انه كان عزاء كبيرا لايوب، الذي يتفسخ، ان يحاجج الله، وان يلومه من طرف خفي، لان النعيم في هذه الدنيا مقسوم للمنافقين والاشرار، في حين تضرب يد الله الابرار، وتبتليهم بأقسى انواع المصائب. والغريب ان الله الذي كان يعرف ان ايوب لا يستحق ايا من المصائب، التي توالت عليه، وان كل ما احاق به كان نتيجة رهان متبجح بينه وبين الشيطان. فقد اغضبه ان يحاججه انسان حتى ولو كان صادق الطاعة والايمان. ولهذا كلم ايوب من العاصفة، وقال: »اشدد حقويك وكن رجلا«. ثم بدأ يعدد متباهيا ما خلق من ارض وسماوات ونجوم وجبال ووديان وحيوانات وطيور وبحار ورياح. ثم يختم كلامه الذي يوجهه الى ايوب من العاصفة، ويقول: »اشدد حقويك وكن رجلا. اني سائلك فأخبرني ألعلك تنقض قضائي. اتؤثمني لتبرر نفسك. ألك مثل ذراعي اللاهي. اترعد بمثل صوتي. اذن قتزين بالعظمة ولاسمو، والبس المجد والبهاء«. ويواصل الله تأنيبه حتى يتضاءل ايوب، ويتلاشى صوته منكرا مقالته، ونادما على محاججه. ويعوض الله ايوب اضعاف ما خسره من صحة وولد ورزق. ولكن بعد ان عطل عقله، واعتذر عن المحاججة، وتحول كائنا صغيرا، يضع برضى وتسليم حياته ومصيره، وكل ما يصيبه بيد القادر الذي خلقه، ولم يترك له إلا حرية العبادة والطاعة والرضا، مهما اشتدت عليه ألوان الظلم والعذاب. لكن من جهة ثانية بدا لي انه قد يكون امرا لا يخلو من العزاء، ان يؤمن المرء ان مصيره تخطه وتنظمه قوة الهية تتحلى بكل صفات القدرة والسمو والجلال. فهو في هذه الحالة يستطيع ان يعزو كل ما ينتابه الى حكمة علوية تفوق مداركه. كذلك يستطيع ان يتضرع، وان يتوقع مع مزيد من التقوى والزلفى انقلابا في الحظ، وتحولا في المصير. وهو في كل الحالات يتصرف كما يتصرف الطفل مع أمه وأبيه. فكرت في حالتي، ووددت ان اجد من احاججه. لا يوجد للاسف إلا رجال صغار مثلي، وبعض الذين يحيطون بي. وهؤلاء ماذا ينفعني ان احاججهم حول حالتي! وعلى كل، اذا نظرنا الى وضع البشرية نظرة اشمل، فاننا نكتشف ان ما يتصف به عالمنا من تفاوت وغبن ومظالم، يدل على غياب الله اكثر مما يدل على وجوده. وهذا الفساد الذي يطبع العالم، لا تنفع معه محاججة الله، بل ينبغي ان نحاجج انفسنا والعالم. او ان ندرب في داخلنا روحا ساخرة ولاذعة، نواجه بها الغبن والفساد. في مقدمة طبعة البلياد لاعمال »غوته« المسرحية الكاملة، كتب اندريه جيد تقديما لهذه الطبعة.، وفي احدى فقرات هذا التقديم، الذي قرأته منذ سنتين، بدا اندريه جيد، وكأنه يحسد، وبنوع من المرارة الخفية، »غوته« على حظه الاستثنائي. يقول: »تعم... لقد انتصر غوته على نفسه وعلى كل شيء، ولكن لا نستطيع إلا ان نتساءل: اذا لم تكن هذه الانتصارات تتصف احيانا بالسهولة، ثم اننا نتذكر ما كان نيتشه قد كتبه حول انتصارات اخرى. تلك الانتصارات التي يخشى ان تقلل او تحط من شأن المنتصر. واننا مجبرون على الاعتراف بأن شيطان غوته في نعيم النجاح قد تبرجز قليلا. فطوال حياته كان مغمورا بشتى انواع النجلاحات والامجاد، وكان غنيا كما يتمنى، ومحاطا بالمحبين والمعجبين. ولقد عاش دون ضعف او مرض عمرا مديدا. ومات دون احتضار شبعاتا من كل شيء. فكيف يجرؤ اذن على الحديث عن الزهد«. بدا لي حسد اندريه جيد عادلا ومضحكا في الوقت نفسه. ولولا شدة شعوري بالخوف والوحشة، لاستعدت قليلا تلك الروح التهكمية، التي صاحبتني ذات ليلة بعيدة. مرارا تناهت الى سمعي احاديث تدور حولي، ولا سيما من غرفة المريض بالقلب وزواره. ورغم ان هذه الاحاديث كانت تتناهى إلي جملا مقطعة، فقد كان يخيل لي اني اسمعها كاملة ومترابطة. وكان اسمي يتردد كثيرا. ورغم ان بعض الجمل كانت تصلني محملة بالاحترام، إلا اني كنت اشعر، اني ازداد عريا، وان حميميتي صارت مزقا. العجوز التي الى جواري لم تكف عن الانين والصياح، متوسلة ان يعيدوها الى بيتها، كي تموت هناك. ثم جاء ابنها والطبيب. حاولا تهدئتها، ومازحها الطبيب مقسما انها لن تموت، وانه غدا سينظف لها القسم الثاني من فمها، ويملأ بطنها افطارا دسما، ويرسلها الى بيتها. وكان اكثر ما يضايقها هو السيروم المعلق بيدها. وتوسلت للطبيب ان ينزعه. فأخذ الطبيب يترضاها، وذهب دون ان يوافق على نزع السيروم من يدها. وصلت نتائج تحليل الدم، وكانت فايزة تنتظر عند طاولة الطبيب المناوب. والتقطت اذناي ان عدد الكريات البيض لا يتجاوز الثمانمائة، وان التهاب الكبد لم يخف الا قليلا، وحين دخلت فايزة لم اسألها عن تحليل الدم. قالت لي: هل احضر لك حبة اتيفان. فرفضت. جلست قربي تقرأ في كتاب »السيرة الذاتية لبناظير بوتو«. اغمضت عيني، وحاولت ان اتغلب على مشاعر الوحشة والخوف التي تسيطر عليّ. فكرت في الاعمال الكاملة، وبدا لي ان امكانية صدورها قبل معرض الكتاب غدت متعذرة. وعلى كل ما زال الجزء النظري في قسمه الاخير يحتاج الى عمل كثير. ومن اعماق ذاكرتي طفت فكرة قديمة ومنسية. ففي الفترة التي كتبت فيها قصة »الذبابة الجائعة« كان يدور في ذهني ان اضع كراسا عنوانه »ذبابيات«. وبدا لي الآن جميلا وفكها ان تكون الذبابيات هي احد فصول الكتاب الثالث من الاعمال النظرية. الذبابة الجائعة وبدأت ارتب محتويات الفصل... ستكون قصة »الذبابة الجائعة« هي الفقرة الافتتاحية... } كان الوقت ظهرا... وألوان الغرفة النظيفة تلتمع رغم انسدال الستائر ببريق هادئ، يعطي احساسا ممتعا بالنظافة. ولم يكن ذلك هو احساس الذبابة الصغيرة، التي تتقافز على طلاء السقف الاشهب، بانزعاج وضيق لقد ولدت منذ يوم واحد فقط، ولم تتعلم بعد اي شيء عن تلك المرئيات الغامضة، التي تزحم عينيها كانت وحيدة، وكانت جائعة، وشيء مبهم يحرك في صميمها حزنا يمتزج بالدهشة الحائرة. وطنت، كما لو انها تستغيث، ثم راحت تهوم، فيما احاسيسها المكتئبة تنمو وتشتد. كانت الغرفة واسعة كالعالم... وما من ذبابة اخرى تلوح على المدى البعيد. ولحظتها كان بوسعها ان تهتف ملء جوارحها صادقة: » إني جائعة وحزينةلا«. ولكن حتى لو صرخت فمن الذي كان سيسمعها! حطت على منتصف الجدار المقابل لباب شاف يلتحم باطاره، ثم شرعت تنزلق بحركة مضطربة، يفضحها تبعثر عينيها الصغيرتين اللامعتين. لقد ولدت منذ يوم واحد. وكان مشروعا ان تزود ببعض الايضاحات الاولية عن العالم الذي ستحيا فيه. ولكن احدا لم يفعل. قادتها ارجلها المتقافزة الى حافة مكان واسع وطويل. حينئذ ابصرت كتلة حمراء ذات إطار اسود، ونفذت الى خطمها رائحة حسية مبهمة، فاندفعت على الفور كأن صوتا حبيبا يناديها. خيمت على سطح دافئ، حيث شملتها هبة من تلك الرائحة اكثف واشد تركيزا. لم تكن أمها، التي لم تعد تعرفها الآن، قد علمتها شيئا عن هذه الروائح، واخطارها. ولذا غرزت خرطومها بذهول في السطح اللين، الذي تخيم عليه. وبينما كانت تتلذذ بطعم دهني سلس، تطوح نحوها جسم هائل، فقفزت الى حافة المكان مرتعدة دون ان تدرك شيئا البتة. وكان النداء الغامض اقوى منها، فانهمرت ثانية على البقعة نفسها، وانشبت خرطومها في ليونتها الدسمة. اندفع الجسم الهائل مرة اخرى، تصحبه اصوات ضخمة راعدة. وبينما كانت تطير وكل اعضائها الصغيرة ترتعش، كان السرير يئن، وجسم ينهض. لبدت الذبابة الصغيرة، التي ولدت منذ يوم واحد فقط على الحائط القريب من السرير لاهثة ومذهولة. كان كل شيء عجيبا ومدهشا في الوقت نفسه. والى حزنها انضافت رعشة الرعب، وما مرت لحظات حتى فرقع الى جوارها صوت زاعق، ولمحت كما الحلم العابر شيئا يصطدم بالحائط. اشتد وجيب قلبها، وازداد لهائها، وهي تقف على الجدار الثاني. ولم يكن في ذهنها ما هو واضح، عندما شعرت فجأة ان رأسها ينفجر ويتطاير، وان سوادا كثيف يهبط كالستار... وسقطت على الارض، ولم تكن قد عرفت شيئا. تأوه السرير ثانية، ثم سكن كل شيء، وما زالت الألوان النظيفة تلتمع ببريق هادئ. ثم ستتلوها حكاية الذبابة المحبوسة مع الزوجين في قصة »بعد ظهر دمشقي«... وهي تحكي قصة موظف وزوجته يدخلان بعد الغداء، وفي نهار صيفي قائط الى غرفة النوم. الرجل والمرأة يميلان الى البدانة. } يجلس الرجل على حافة السرير، ويشعل سيجارة. بينما تتربع المرأة فوق السرير، وتبدأ تنتف بالملقاط شعرات متناثرة على ساقيها البيضاوين. يتجشأ الرجل. يقول: »أكلت الى حد التخمة«. بعد صمت قصير، تعقب الزوجة، وكأنها تحدث نفسها: »كل يوم تقول أكلت الى حد التخمة«. يمج الرجل سيجارته، ويقول باندفاع: »خلص... غدا سأبدأ رجيما صارما«. بعد صمت قصير تعقب الزوجة، وكأنها تحدث نفسها: »كل يوم تقول خلص... غدا سأبدأ رجيما صارما«. يقول الرجل بضيق: »وأنتِ... هل تمسكين عليّ دفترا بما اقول«. بعد صمت قصير، تعقب الزوجة، وكأنها تحدث نفسها: »كل يوم تقول وأنتِ هل تمسكين عليّ دفترا بما اقول«. ينفخ الرجل مجة الدخان الاخيرة وكأنه يتنهد. يطفئ السيجارة في المنفضة الكائنة على الكومدينة. يمد يده. يفتح الراديو. يتدفق صوت نسائي بالدلع والغناء »ما شربش الشاي. اشرب ازوزه أنا«. يهتز الهواء الحار في الغرفة، وتحوم ذبابة حُبست معهما. يدير الزر، ويخفض الصوت. يحرك المؤشر مغيرا المحطة. ينبعث صوت مذيع: »دعا الامين العام للجامعة العربية«. يغير الرجل المؤشر. تنداح في فضاء الغرفة دقات ساعة »بيغ بن«. تتطاول الدقات، وكأنها لن تنتهي. يغلق الرجل الراديو بحركة عصبية، ثم يمد يده، ودون ان يلتفت الى فخذ امرأته. يتحسس نعومة الفخذ بحركة آلية وفاترة. تقول الزوجة، وهي تنتف شعرة من ساقها الاخرى: »اجِّلها الى الليل«. يجيب الرجل، ودون ان يلتفت: »لا... في الليل يسرقنا التلفزيون«. تضع المرأة الملقاط تحت المخدة. ترفع عجيزتها بحركة آلية، وتخلع سروالها. تتمدد على ظهرها، وتفرج ساقيها. يخلع الرجل بنطلون البيجاما، وسرواله العريض الفردتين. يمسك ثدي امرأته، وينبطح فوقها. تغمغم الزوجة: »ألا تعتقد اننا نكثر«. يدمدم الرجل من بين اسنانه: »وماذا نفعل«. يعم صمت رخو لا يخدشه إلا ازيز ذبابة وحيدة. ترتفع اليتا الرجل. تهويان. ترتفع اليتا الرجل. تهويان. تغرز الذبابة خرطومها في ظهر الرجل المغطى بالعرق والدهن. ترتفع اليتا الرجل. تهويان. ترتفع اليتا الرجل. تهويان. تطير الذبابة، وتحط على المصباح الكهربائي المتدلي من السقف. تنظر من أعلى. ترتفع اليتا الرجل. تهويان. تشعر الذبابة بالتقزز والحزن. تطير محومة وباحثة عن مخرج. ترتفع اليتا الرجل. تهويان. يحشرج بصوت مخنوق آه... آه... آه. لا يند عن المرأة اي صوت. ويظل الصمت الرخو مخيما على الغرفة. ينهض الرجل عن المرأة. يرتدي سرواله وبنطلن بيجامته. يتجه نحو الباب. يخرج من الغرفة. تشعر الذبابة بالفرح، وهي تطير عبر الباب المفتوح. تنقلب المرأة على جنبها الايسر، وتغمض عينيها. بعد قليل يتناهى من داخل البيت صوت اندفاع الماء، بعد فتح سيفون المرحاض. تعوم الضجة في صمت الغرفة وفراغها، كفقاعة صابونية كبيرة. يعود الرجل الى الغرفة. يتحول صوت الماء الذي يملأ خزان المرحاض الى خرير يتخافت. تصغر الفقاعة الصابونية حتى تتلاشى. يتجشأ الرجل عدة مرات. يتمدد على الطرف الثاني من السرير مديرا ظهره للمرأة. بعد قليل يخدش الصمت، وبشقوق متوازية، شخير منتظم ورتيب. وفي الفقرة الثالثة ستسألني ماري الياس بعد ان تقرأ »بعد ظهر دمشقي«: ما هذه العلاقة مع الذباب؟ وسأجيبها: اسمعي! يمكن ان تتقرزي من الذباب، وان تعتبريه حشرات كريهة، وقادرة على ان تزعج الانسان في نومه وراحته، بل وان تؤذيه في صحته. ولكن مهما كان فان هناك جانبا في حياة الذباب، لا يستطيع المرء حين يراقبهم عن كثب إلا ان يعجب به، وان يفهم بالتالي تقزز الذبابة، التي رأت الرجل يضاجع امرأجته، ورغبتها العارمة بالفرار. والجانب الذي اعنيه هو الحب عند الذباب. وسأحاول ان اصف هذا الحب كما حفظته ذاكرة الطفولة. يقترب الذكر من الانثى بخطى فيها لهفة، لكنها تخلو من عنف الحيوانات الاخرى. تخلو من غطرسة الديك وعنف التيس. ويلتحم الذكر بالانثى. صحيح انه يعلوها قليلا لكن يبدو ان ذلك لا يعيق حركة الانثى ولا يقيد جناحيها. وهذا الالتحام يختلف كثيرا عن الطابع الاستعراضي والسريع الانزال الذي نجده عند الديك. فحين يلتحم ذكر الذباب بانثاه، يبدو وكأنهما دخلا حالة من الوجد الغامض، وقررا ألا ينفصلا ما دامت فيهما قوة او حياة. ويرقبهما المرء، فيعجب حين يراهما يغيران المكان الذي يتحابان فيه، وكأنهما يريدان ان يجددا المتعة، فيطيران باجنحة اربعة متناسقة، وغالبا ما يبحثان عن بقعة، يصيبها شعاع من الشمس، فيحطان فيها طالبين ان يمدهما الدفء بمزيد من الرغبة والقوة. ومرة حاولت ان اعرف كم يمكن ان يستمر هذا الالتحام، ولكني مللت قبل ان يبدو عليهما انهما سيفكان التحامهما. كنت طفلا... فشعرت بالغيظ وبدأت اطاردهما. وما يدهش في الامر انهما تحملا كل المطاردة، وهما متلاحمان يطيران بأجنحة اربعة. واخيرا استطعت ان اهرسهما بضربة من شحاطتي. قد يكون الذباب مزعجا، وربما ضايق الانسان واقلق راحته، لكن هذه الشرور كلها تبدو صغائر تافهة، اذا ما قيست بالوحشية السادية والمجانية، التي بدرت من طفل وهو يهرس جسدين صغيرين متلاحمين بحب وحنان. صحيح ان القوي هو الذي يضع القيم والمعايير. ولكن لو تناسى الانسان قليلا انه الكائن الاقوى على هذه المجرة، ولو عاين ما فعله وما يفعله، وقارنه مع سلوك اشد الحيوانات عدوانية ووحشية، لوجد انه الاكثر وحشية وعدوانية بين كل وحوش الارض ودوابها وحشراتها. كان ينبغي ان اكبر، وان افشل في الحب مرات عديدة، كي اكتشف ان الانسان يفتقر كثيرا الى الحساسية والجمال اللذين يتحاب بهما الذباب. وفي لحظات... كثيرا ما حسدت الذباب على تلك القدرة على الطيران بأجنحة اربعة، وبشهوة تتدفق في العروق متجددة ومديدة. في الفقرة الرابعة كنت اريد ان اتناول نماذج من المناوشات الفردية بين الذباب والانسان، والتي تنتهي احيانا الى نتائج كارثية غريبة. وكان في ذهني ان ابدأ هذه الفقرة بفيلم قصير مأخوذ عن مسرحية ليونسكو، عنوانها »الغضب«. والفيلم هو جزء من سبعة افلام قصيرة، عنوانها »الخطايا السبع«، وشارك في اعدادها اكثر من مخرج. في مسرحية اوجين يونسكو القصيرة، يخرج الناس من الكنائس بعد ان ادوا صلاة يوم الاحد، ثم يتبادلون اعذب التحيات والابتسامات مؤكدين ان كل شيء حسن. النور، والعالم، والصباح المشرق، ووجوه الناس المغسولة، والضحكات الوضاءة، والمحبة الغامرة. ويهجع كل انسان الى رفيقة عمره متفائلا وسعيدا. انتهت المتاعب، وانقشعت السحابات، التي كانت تربض خلال ايام الاسبوع، حاجبة وجه الشمس، ومرخية ظلا من الهموم والمتاعب. ومن اجهزة التلفزيون ينبعث نشاز، رغم اختلاطه وعدم وضوحه، يوحد بين كائنات باريس السعيدة في صباح احد ما، يتوج اسبوعا ما، من سنة ما... آه... ذلك هو الوجه السطحي للوجود الانساني. وليس من يجرؤ على تخيل ما يكمن خلف التآلف العابر، الذي يشع على وجوه الناس جميعا. بعد قليل سيجلسون الى مائدة الغداء، وسيكتشف كل زوج بطريقة غريبة للغاية، ان ثمة ذبابة في الحساء. طبعا للذبابة هنا معنى يتجاوز تلك الحشرة ذات الاجنحة الشفافة والعيون الكروية التي ترى ما تأخر من مرئيات. انها الكراهية النائمة، والسآمة التي تعنكب في صميم الانسان، فتفسد صفاءه، وتخرب الابتسامة التي تغسل وجهه. ويصرخ زوج، ثم يتلوه خطيب، فزوج آخر. وتجيب زوجة، ثم تتلوها خطيبة، فزوجة اخرى... وترتفع الصرخات، ويعلو الصخب. ومن بيت إلى بيت، ومن شارع الى شارع، وتنفجر كل الذبابات المعنكبة في اعماق البشر، وتتسفح اوعية الحساء، ثم تشب الحرائق، وتنطلق الصواريخ شرقا وغربا فتدمر العالم! ان ذبابة في الحساء قد فجرت العالم، احرقته ودمرته. لقد حمل يونسكو هذه الحشرة، التي يراها صغيرة وتافهة مشاعر الدمار الكامنة في اعماق البشر، والعبث الذي يطبع هذا العالم، وكأنه جزء من حياته اليومية. هذا ما يود يونسكو قوله في مسرحيته القصيرة »الغضب«. وقد يبدو حين يتابع الانسان الفوضى التي تسود حياتنا، ان ذلك صحيح بصورة مرعبة، تدفع الانسان الى التخلي، والى الصباح بأعلى صوته... ليذهب كل شيء الى الجحيم، ولتنته هذه اللعبة المدوخة« صاروخ ينطلق في نيفادا. انسان بوذي يشعل النار في جسده بحثا عن حرية بلاده. زنجي يهرق صوته مطالبا بحقه في ان يكون، وان يمارس انسانيته. وثمة تهديد يعوم على اجنحة الاثير، ومذياع يبعث الموسيقا الواخرة، وكلمات بعينها تتردد... دائما تتردد. ان السلام كلمة جميلة الايقاع، وحمامته تطير كسيرة الجناح. يشعر المرء انه يختنق، وان الغضب قد خنق العالم بالضباب، وبأدخنة المازوت السوداء. ولم تبق إلا لحظات يسيرة، ثم يدوي الانفجار الساحق... فيلم رداء الصمت الحكيم والمجنون، الحقيقي والتافه، في قماط واحد، يعيد للبشر وحدتهم الاولى، حين لم يكن قابيل قد قتل هابيل، وحين كانت الشمس ما تزال ضوءا لاهيا، لم تملأه وقائع ارض تدور حول نفسها بالدم والصديد. لا... ليس ذلك حقيقا. اني اعلم كيف تحاول كل الظواهر تأكيد هذا الطابع الرخو لوجودنا. وكيف تمارس التناقضات الوفيرة ارهابا يوميا ضد الامل، الذي ما يزال يستطيع التفكير بالغد، بما يلي عطلة الاسبوع، والذبابة المتثائبة في الحساء. مما لا يمكن قبوله، ان يكون العالم هذه النكتة السفيهة، تطلقها قوى تريد ان تهزأ. ومما يتعارض حتى مع تعاقب الليل والنهار، وابتسامات العجائز على حواف القبور، وعدو الصغار خلف عجلاتهم الصغيرة، ان نكون بنيانا من الرمال، وكثيبا من المزاح، يتبدد مع تلاشي فقاعات الضحكة في الافواه. من الراديو تتدفق انغام نقية وعذبة. وامتدت اصابع مرحة فالتقطت الذبابة، نظرت اليها دون قرف، ورمتها في صحن البقايا... ثم تطاولت البسمة وامتدت. سيكون بعد الظهر جميلا، وستغسلنا الامطار فتنقشع المرارة، وتتناءى الاحلام المرعبة، لاننا نعرف ان الضوء يؤوب دائما رغم اسفاره المنتظمة. وعلى كل ليس الذباب بريئا في علاقته بالانسان. فحين حط سرب من الذباب على فم »غسان الموعي«، الذي انفجرت شفتاه اللاحمتان. وكان غسان سمينا ونهما. تناول غداءه، واسترخى في قيلولة عميقة، لم يكدرها ابدا تهافت الذباب على شفتيه وفمه. ولكن حين رأت منى، زوجته الحساسة والمليحة الوجه، كيف يدخل الذباب ثم يخرج منه، وكيف تختفي الشفتات المكتزتان تحت تزاحم سرب الذباب، جاشت معدتها وهرعت الى الحمام، فتقيأت ما تناولته على الغداء. وبعدها صار مجرد النظر الى زوجها، يجعلها تشعر بالنفور والمرض، وبأنها لا تستطيع ان تتحمل اقترابه منها. وفي النهاية خيَّرت الجميع... الزوج والاهل بين الموت او الطلاق. ولم تنفع كل المحاولات التي بذلها الاب والام لتثنيها عن عزمها. فتم الطلاق دون ان يعرف احد على الاطلاق السبب الحقيقي والمباشر، الذي جعلها تتخذ هذا القرار، وبهذا الاصرار الحازم. ويمكن ان يغدو الذباب تسلية متواضعة لرجل يشعر انه غدا ضئيل القيمة، عديم الجدوى. ففي صيف 1959، وكنت قد حصلت على شهادة البكالوريا، التقيت في الباص الذي ينقلني الى اللاذقية، حيث كان عليّ ان احضر بعض الاوراق الرسمية لاستكمال معاملة البعثة، التي كنت مرشحا لها. في الباص التقيت »حسن الطافش« استاذ الجغرافيا، الذي درسنا عدة سنوات، وكنا نحبه كصديق. سلمت عليه بحرارة، وسألت عن احواله، ففاجأتني نظرة انكسار في عينيه، وبدا لي وكأنه قد ازداد قصرا على قصره. بعد وقت بدا لي طويلا جدا، قال لي: لقد صدر قرار بتسريحي. صحت مندهشا: متى؟ قال بصوت خفيض، وكأنه يواري غصة: منذ اسبوعين. وما السبب؟ شد نبرة صوته، وقال: بتهمة الشيوعية. وفي تلك الفترة، لم اكن اتعاطف مع الشيوعيين، بل وشاركت في مظاهرات ضد عبد الكريم قاسم والشيوعيين معا. ومع هذا فقد بدا لي تسريح استاذ الجغرافيا عملا جائرا، يثير الغضب، ولا يمكن تسويغه. ولقد ارتج عليّ، وخفت ان يبدو اي كلام اقوله، وكأنه نفاق او تظاهر. التفت اليه، وقلت: هذا النبأ احزنني بالفعل، واتمنى ان يكون بوسعي زيارتك في البيت. اجابني: اذا كان ذلك لا يحرجك، فأهلا وسهلا بك متى شئت. بعد اسبوع تقريبا زرته في بيته، رحب بي بحرارة، وادخلني الى الصالة الصغيرة. كان يرتدي بيجامة فضفاضة. اظهرت قصره وضآلته بشكل فكه، وكان يحمل بيده قتالة ذباب بلاستيكية. وما ان جلسنا وتبادلنا بضع كلمات حتى رأيته يثب، ويمضي الى الطرف الآخر من الغرفة، ويهوي بسلاحه البلاستيكي على ذبابة تحط على مسند الكنبة، وصاح مبتهجا: قتلتها... وقد كرر ذلك مرات عدة خلال زيارتي القصيرة له، وكان يقول: لم اكن اعلم، ان صيد الذباب ممتع الى هذا الحد. لقد غدا استاذ الجغرافيا رجلا بلا معنى. فقد كرامته، وتهافت الى كائن أُهينت انسانيته، وانتزعت منه هويته. بعد سنوات سأرى فيلما بولونيا او هنغاريا، عنوانه »صائد الذباب«. وهو يتحدث عن رجل همشه النظام الشيوعي، وحوله كائنا بلا معنى وبلا هوية، فجلس في بيته، وسط لوم وكراهية عائلته، وتفرغ لصيد الذباب. كنت اعرف اشياء كثيرة عن الذباب، ولكن لم اكن اعرف صلته الوثيقة بالسياسة. ولم تتوضح هذه الصلة بشكل جلي وفاضح، إلا حين دخلت مع طلال سلمان الى كشك مخابرات على الحدود السورية/اللبنانية، لكي يسجل طلال اننا ندخل الى سورية عبر الطريق العسكري. وفيما كنت انقل بصري بين الصور واللافتات، التي تملأ جدار الكشك، استرعت انتباهي لافتة كرتونية كبيرة نسبيا، ومكتوب عليها بخط رديء... »الفم المغلق لا يدخله الذباب«. وبهذا المعنى فإن الصمت يجنبنا الذباب، ويجنبنا ايضا المتاعب السياسية. كانوا قد وزعوا العشاء في القسم. وكان مؤلفا من حساء ماجي الملون، وقطعة دجاج مقلية على طريقة البروستد، وصحن محلاية. كان واضحا انهم لا يراعون في المستشفى الوضع الخاص لاي مريض. ويبدو ان الجوع او غرابة المذاق جعلت العجوز تأكل بنهم كل ما وجدته على الصينية. وما ان فرغت من الطعام حتى بدأت تولول، وكانت تصيح: أنا ما اتعب إلا حين آكل. اريد ارجع الى بيتي. هدأت لحظات، ثم صاحت: انني يا غندورة تعي ليَّ. وجاءت الممرضة، التي كانت قد ارهقتها بالرواح والمجيء. سألتها ماذا تريد. فأجابت: اريد استفرغ. وجاءتها الممرضة بوعاء، وكان اقياؤها كالخوار، او كأنها تسلم الروح. بعد ان نظفتها الممرضة، وخرجت حاملة وعاء قيئها، اصابتها فجأة فورة من الغضب فراحت تصيح. تارة تنادي ابنها، وتارة تشتم. وحين عادت الممرضة لتهدئتها. وجدتها قد انتزعت ابرة السيروم من ذراعها، وتركته يسيل على الارض، بينما يسيل دم ذراعها عليها وعلى الفراش. وغضبت الممرضة وصاحت بها. ثم راحت وجاءت بالطبيب المناوب. وبدأ الاثنان يتعاونان على اعادة السيروم وسط صراخ العجوز وشتائمها. وعندما نجحا في اعادة السيروم، ربطا يديها الى جانبي السرير، فازدادت العجوز قهرا على قهر. ولم يعد يتوقف صياحها وانينها واحيانا هذيانها. جاءت الممرضة فوجدت ان صينية الطعام لم تمس. سألتني: ألن تأكل؟ قلت لها: لا. قالت: ولكن لا يجوز ان تظل بلا طعام. قلت لها: خذيها. لا استطيع ان آكل. فأخذتها وخرجت. اغمضت عيني متجاهلا انين العجوز. الانسام الباردة في الخريف ولا سيما عندما تبدأ الانسام الباردة، يلجأ الذباب بكثرة الى البيوت طلبا للدفء. واذا وجد دكان يبيع العنب الجردي، وبعض انواع الحلويات، فان الذباب يفضله على البيوت. وتتضاعف الاعداد التي تتقاطر الى الدكان. وفي المساء عندما لا يبقى إلا ضوء قنديل الكاز، الذي لا يكاد يبدد العتمة، تتعلق أسراب الذباب كالعناقيد في سيخ الحديد المعلق بالسقف والمثني في طرفه، كي تعلق فيه اما سلة طعام او بعض المعروضات، التي يريد التاجر ان يلفت النظر اليها. وكان نظر تلك الأسراب العديدة من الذباب، التي تتعلق بقضيب الحديد وتخفيه، تثير الشهوة الى الابادة. وفي القرية اشتهر اثنان او ثلاثة من اصحاب الدكاكين ببراعتهم في استخدام النار للابادة. فقد كان الواحد يملأ فمه بزيت الكاز، ويقف تحت قضيب الحديد، وبيده كبريتة وعود ثقاب. يرفع وجهه الى الاعلى، ويبخ السيخ بالكاز الذي يملأ فمه، ويتبعه فوراً بعود الثقاب المشتعل. فينفجر لسان من النار يصل الى السقف، وتتكوم على الأرض أسراب الذباب المحترق، بعد ان فاجأته نيران الجحيم، وهو يتلمس شيئاً من الدفء والنوم. وكان الرجل الذي يشعر باللذة والانتصار، يكنس الأرض ثم يتمضمض بقليل من الصابون، ويعود الى الجلوس وراء منصة الدكان، وكأنه عاد منتصراً من حرب ضروس. ولكن ذات يوم يبدو ان »مصطفى العنتر« الذي يحب التبجح، قد ملأ فمه بكمية كبيرة من النفط، ولذا فحين بدأ يبخ القضيب الذي يحمل اسراب الذباب، بدأ النفط يسيل من زاويتي فمه على ذقنه. وقد حس بشيء غريب، حين ارتد عمود اللهب المتصاعد في الجو الى الفم الذي يبخ النفط، فاشتعلت النار فيه ممتدة الى الذقن والعنق. وما استطاع الحاضرون ان يطفئوا النار، التي تأكل فمه ووجهه الا بعد ان شوهته، وسببت له عاهة مستديمة في الوجه. بعد هذه الحادثة اقلع الناس في قريتي عن استخدام النفط والثقاب لابادة الذباب. جاءت فايزة تحمل عصير برتقال وزبدية من التفاح المسلوق وشرائح الموز. ألحت عليّ كي اشرب كأس العصير، فلم استطع. آلمتني حموضة البرتقال، ولم استطع ابتلاع الجرعة الا بشق النفس. وضعت العصير جانباً. قالت: طيب.. دعني اطعمك قليلاً من التفاح والموز. وبعد الحاح شديد، اسطعت ان ابلع بضع ملاعق صغيرة من التفاح المسلوق. كان مؤلماً ورهيباً ان ادخل أي شيء الى فمي، ورجوتها ان تعفيني من هذا الألم. فرضخت حزينة وآسفة. جلست قربي، وحاولت ان تقرأ في كتابها عن بناظير بوتو. وبدأت العجوز تردد بطريقة غريبة: »ذابت؟« وتصمت لحظات ثم تجيب: »لا.. ما ذابت«. وهكذا دون انقطاع. وسألت فايزة: ماذا تقول؟ هل تنادي احداً؟ قلت لها: لا .. ربما اعطتها الممرضة حبة دواء، لكنها لا تعرف هل بلعتها ام لا. وحين غالت في التكرار، صاح مريض القلب من غرفته: ذابت. ذاتب. خلصينا ونامي. توقفت العجوز فترة قصيرة، ثم عادت تكرر بالايقاع الرتيب ذاته »ذابت.؟ لا.. ما ذابت«. قلت لفايزة: اني اشعر بالوحشة والخوف. هذا شيء طبيعي بعد الصدمة التي مرت. تطلعت الى وجهها، فاحزنني الشحوب المزرق الذي يكسو تقاطيعها. كان واضحاً انها منهكة جداً، وانها اذا لم تأخذ قسطاً كافياً من الراحة ستنهار قريباً. وكنت احمل هم اختي التي آثرت ان تبقى الى جانبي. وكنت اعلم انها لا تأكل، وانها قد لا تتحمل الذهاب الى البيت، والنوم بمفردها. لا سيما وانها تتعرض احياناً لحالات من الاغماء بسبب فقر الدم وضغطها المنخفض. قالت فايزة: لا عليك منا. انشغل بنفسك فقط. وقلت لها محتجاً: لا استطيع. وطلبت ان تجد من يرافق اختي، وينام معها في البيت. كذلك طلبت من فايزة ان تتركني، وان تنام باكراً هذه الليلة. احتجت وقالت انها ستعود بعد ان ترتب امر اختي. فغضبت وقلت: سأزعل جدياً لو عدت. تركتني وما زال العجوز تردد.. »ذابت.؟ لا.. ما ذابت«. وحاولت ان اركز انتباهي على حوجلة الاوكسجين، وان استعيد ذلك المزاج اللاهي، الذي ساعدني تلك الليلة. سمعت الوشوشة، ولويت رقبتي لأرى بريق الأزرق المخضر، لكن لم استطاع التركيز، ولم استعد تلك الجمالات القمرية التي تذهل، وتلهب الذهن بالضوء والطاقة. وذبابياتي لم يبق فيها الا فقرة واحدة، هي تلك التي تحكي قصة هذه الحرب الأزلية بين الانسان والذباب، والتي لم يحرز فيها الانسان أي انتصار فعلي. ولكن ذلك لم يعد مسلياً. اغمضت عيني محاولاً ان اجد غفوة. كانت في فمي بقايا صغيرة من التفاح تتحمض ببطء. وكنت كلما بلعت ريقي، تتقلص معدتي بطريقة موجعة. مرة كدت اغفو غير ان معدتي تقلصت، فصحوت. وكان يشوب تقلصات معدتي شيء منالخوف، وقلت في نفسي.. »لن تهدأ هذه التقلصات، وأنعم بالاسترخاء وربما بالنوم، الا اذا بدلت خواتم المسرحيات كلها، وجعلتها سعيدة. »ورأيت مسرحاً تشغله عائلة، يرتدي افرادها ثياباً عجيبة وزاهية. كانوا يقدمون استعراضاً يشبه تلك التي نراها في بعض أفلام هوليود، أو التي رأيتها مرة في أحد مسارح برودواي بنيويورك. ورغم أن مثل هذه الاستعراضات ينتهي دائماً بخاتمة سعيدة، الا اني لم افهم لماذا بالغ الاب، ودفع ابنته الجميلة في نهاية المسرحية، كي تقدم للمتفرجين ختاماً ثانياً من المشاهد البورنوغرافية. اصابني تقزز، وتقلصت معدتي بشدة وانتفضت، والعجوز لا تتعب من التكرار.. »ذابت.؟ لا.. ما ذابت«. كنا نستأجر غرفة وحيدة على سطح بيت يقع على شاطئ البحر، وعلى يساره يجري »المسيل«. سأترك وصف البيت المبني من حجارة رملية، وعلاقته بالبحر لا سيما في ليالي الشتاء العاصفة الى مناسبة اخرى. لأني ارى على السطح، وهو فسيح نسبياً، حشداً من الوجوه التي تنتظر. ورغم ان هناك مقاعد مصفوفة، كتلك التي تستخدم في المدرسة، فاني ارى الجميع واقفين. وفجأة ميزت الشاهد، كان يتكلم ويشير بيديه. ورغم اني لم اسمع ماذا يقول، فقد أدركت انه كان، بشكل او باخر، مسؤولاً عن هذا الحشد، وان له صفة قيادية لا اعرف كيف احددها. وفيما كنت اراقب المشهد، التفت الي ببساطة، وسألني: هل انت جاهز؟ واجبته بصورة الية، ودون ان اعرف عما يسألني: لا شك اني جاهز. وعجبت من نفسي لأني استخدمت هذه الصيغة التأكيدية الغريبة. ولكن في اللحظة ذاتها، كان الشاهد قد رفع يده مثل قائد اوركسترا، وبدأ ينزل من الفضاء مسرحاً، او خشبة مربوطة من اطرافها الأربعة بحبال متينة وغليظة، تلتقي فوق مركز الخشبة ملتفاً الواحد على الآخر، ومشكلاً رباطاً ثخيناً ومتيناً يرتفع، ويختفي في الفضاء. وقلت في نفسي.. »الم اكن احلم دائماً بمسرح معلق! ويستطيع الناس ان يلتفوا، او يدوروا حوله كما يشاؤون. من المؤكد ان هذه احدى افكار الشاهد، ولعله استخدم منشرة أبيه كي »يعد هذا المسرح«. اقتربت منه، واردت ان اشكره، فقال: لا تكن مضحكاً. انت من ينبغي ان نشكر، ولكن لا تدعنا ننتظر اكثر من ذلك. هل حملت النص؟ قلت له: اني احفظه. فحثني قائلاً: ماذا تنتظر اذن! ودفعني نحو مرقاة من الحبال، لم اكن قد لاحظتها منقبل. فتسلقتها، واعتليت الخشبة التي تهتز في نوسان لا يكاد يحس. مسحت الخشبة بنظري، فرأيتها تقف في الطرف القصي، وقد التفت بازار ابيض فضفاض وطويل. كان من المفروض ان كل شيء واضح في ذهني، وكان عليّ ان اتجه الى الطرف الآخر من الخشبة، حيث عُلِّق على الحبل ازار ابيض وفضفاض ينتظرني. ذهبت. خلعت ملابسي، وتلفعت بالازار الأبيض. وحين التفت، كانت قد غدت هي في المقدسة، حيث بدا المكان وكأنه زاوية في مقبرة. بضعة صناديق من الخشب على شكل قبور ذات شواهد، وبينها تنمو خضراء ونضرة نباتات »العيرون«، وزهور »مؤنس الغرباء« النهدية والصفراء، اضافة الى الاقحوان وشقائق النعمان. اقتربت منها، وانا ألف ازاري حول جسمي. جلست على قبر مجاور كالقبر الذي اختارت الجلوس عليه. بدت نحيلة جداً. كنت استرق النظر اليها خلسة، ولاحظت كم تبدو نحيلة حين تشد ازارها حول جسدها! هي: لماذا لا تنظر الى وجهي؟ انا: اخشى ان اجد عتاباً في وجهك. هي: (قهقهة غريبة وجافة) ألا تعلم اني اصبحت وراء العتاب والحزن والغضب! انا: (مختلساً النظر الى وجهها) يا الله! هذا هو وجهك الذي اعرفه. هي: (ببرود) لم تعرف وجهي ابداً. وما تراه الان ليس الا قناعاً، استعرته من اجل هذه اللعبة. انا: اني احس في صوتك نبرة لوم. هي: ليس لصوتي نبرة. والذين يموتون لا يبالون، ولا يلومون. لو جئت ابكر لما كنت تسأل الان هذه الاسئلة. انا: اكنتِ ترغبين ان اجيء ابكر؟ هي: لا يرغب الميت شيئاً. ولكن اذكر انك كنت ترثي نفسك كثيراً، وتهيئ اهلك واصدقاءك لموت وشيك. (هنا يرفع الشاهد يده، ويتجه نحو الحشد، الذي جلس على كتل حجرية مع بدء الحوار). الشاهد: الان اعتقد ان علي ان اقدم شهادة. اثناء العطلة الصيفية، ورغم ان احداً منا لم يكن يغيب عن الآخر فترة طويلة، فاما ان يزورني في طرطوس واما ان ازوره في القرية، فقد كنا نتبادل الرسائل بشكل منتظم، واعترف انه كان انشط واكثر مثابرة مني على الكتابة. ما زلت احتفظ بهذه الرسائل. (يسحب من جيبه رسالة سميكة ومطوية. ويعرضها على الحشد). ولم تكن رسائله تخلو ابداً من التذمر والشكوى. وكانت نغمة الموت تكاد تكون اللازمة، التي تنتظم كل الرسائل. وذات صباح وصلتني منه رسالة، وحين قرأتها ارتعشت، وسرت برودة في ظهري. (يفتح الرسالة ويلتقط بعض عباراتها) كان يؤكد ان السرطان يفترس بلعومه، وان ما تبقى له في الحياة لم يعد طويلاً. واضاف انه ضاعف عدد السجائر التي يدخنها، كي يعبر عن ازدرائه للسرطان. ثم ختم رسالته قائلاً.. ولا تدع الخبر يهزك، فأنا لا ارى الحالة مأساوية. وفي النهاية لن اخسر الا حياة لا تعاش، وسجناً لا يختلف عن سجن طرطوس الشبيه بالاسطبلات. يومها اسرعت، وركبت احدى سيارات الجيب، التي تؤمن المواصلات الى حصين البحر. انا: سيقول انه اشترى من دكان على الطريق عدداً من علب السجائر، وانه فوجئ حين لم يجدني في القرية على فراش الاحتضار. انت تعرفين على الاقل، ان هاجس الموت لم يكن يفارقني، وان الالام التي كنت احسها، لم تكن كاذبة. لا يحق لاحد ان يتهمني بالتلاعب ماذا افعل! كان علي ان انتظر خمسةوثلاثين عاماً حتى يفترس السرطان بلعومي، ويتحقق ما هجست به في رسالة قديمة لصديق قديم. هي: وفيم يهمك ذلك! انك بغو في الموت، كما كت بغواً في الحب. انا: اترين! رغم كل شيء فانك تذكرين. هي: كما تحتفظ اشرطة التسجيل بالاصوات المسجلة عليها، فان الذكريات تصاحب الميت، وترافقه كأصوات او هزات في الأثير. انا: وهل يستعيدها، وينفعل بها؟ هي: (وهي تنهض) هل اتوا بي كي اكون معلمتك! الموتى لا يستعيدون شيئاً، ولا ينفعلون. انا: أين تذهبين؟ هي: سأقطف زهرة القمر. (تصل الى الزاوية التي ظهرت فيها عند بداية العمل. تمسك الحبل الذي يثبت الخشبة، وتهزه بعنف، فتتأرجح الخشبة بصورة شبه دائرية). انا: (صائحاً) ماذا تفعلين؟ هي: اني اتسلق الهواء كي اجد زهرة القمر. (في هذه اللحظة يلتفت الشاهد نحو مدرسة لالاييك، التي تقع على الضفة الثانية من المسيل. يضيء باتجاه المدرسة مصباحاً يدوياً، فنرى على الفور قمراً يصعد بصورة تدريجية من وراء جدار السطح، ثم يسبح في الفضاء الصغير مقترباً من الخشبة، ومسلطاً ضوءه على الفتاة، التي تغدو مع بياض ازارها، وانعكاس ضوء القمر عليها، شبيهة بالوهج الذي يعشي الأبصار). انا: يا الله.. انك تتلألئين! هي: تلك هي زهرة القمر. (تعود وهي تحمل زهرة شديدة البياض، غريبة التكوين، تنبعث منها رائحة عطرية نفاذة وقوية). انا: هذه الرائحة.. اكاد اذكر.. اين.؟ اين.؟ اين.؟ اين.؟ اكاد اذكر.. (وهو يحاول التذكر، يلاحظ ان القمر القريب جداً، يستدير بصورة مرنة كي يغمر المرأة بالضوء.) انظري.. لقد استدار القمر كي يغمرك بنوره. هي: من يدري! مع ولوج الموت أعمق فأعمق، قد تجد قمراً يستدير كي يغمرك بنوره. وعادت العجوز تكر حبات مسبحتها الصوتية »ذابت.؟ لا يمكن ما ذابت. ذابت؟ لا.. ما ذابت«. وصاح مريض القلب مرة اخرى: لقد ذابت. فاسكتي ونامي. ولكن العجوز لم تعره ادنى اهتمام، وواصلت »ذابت.؟ لا.. يمكن ما ذابت«. وكانت ما تزال بقايا اللقمات الأربع، التي تناولتها من التفاح المسلوق تتخمر في فمي، وتنسرب الى معدتي، فتثير فيها تقلصاً موجعاً. وكان النوم مستحيلاً. والارهاق الجسدي والعصبي يتفاقم ساعة بعد ساعة. وعدت الى مسرحي المعلق في الفضاء. وقالت لي: من يدري.. مع ولوج الموت أعمق فأعمق، قد تجد قمراً يستدير كي يغمرك بنوره. انا: اتظنين. هي: قلت من يدري. انا: اسمعي.. ان بيننا حكاية.. ينبغي ان ارويها، او ان نرويها. هي: (تقف تحت ضوء القمر الساقط عليها بشكل مائل، وتقوم بحركات تشبه حركات امرأة، تقف تحت الدوش وتستحم). وما اهمية روايتها؟ انا: اشعر ان موتي لن يكتمل الا اذا رويت حكايتنا. الشاهد: (وهو يوجه ضوء مصباحه اليدوي الى وجهي) هنا تحريف يجب ان تسجلوه. منذ سنوات طويلة لم نعد نلتقي الا نادراً. ولكن في احدى هذه اللقاءات النادرة، وكنا نسترجع ايام الدراسة الثانوية، وحياتنا في طرطوس، اذكر جيداً انه قال لي.. اشعر ان حياتي لن تكتمل اذا لم ارو حكايتي مع.. انا: نعم.. كنت اقول ذلك. ولكن الحياة مرت كمركبة نفاثة. ولم اعرف الا بعد فوات الاوان، ان الحياة لا تكتمل ابداً. اما هنا فان الامر مختلف. الموت قابل للاكتمال، والحكايات يمكن ان تنفض كل خفاياها غير عابئة بالاحياء وحماقاتهم. الشاهد: هل افهم انك لم تجروء على روايتها للاحياء. انا: ربما. الشاهد: (للمتفرجين) اذن سجلوا ذلك. هي: ان ماء القمر الفضي بارد ومنعش. انا: هل تستحمين دائماً بأشعة القمر؟ هي: وما حاجة الموتى للاستحمام! اني ألاعب القمر. كنت احاول ان اتسلق اليه فيرشقني بمائه الفضي البارد، ويعيدني الى الاسفل. مرة كدت ان امسك به، لكنه انتبه فجأة، فانقلب على ظهره، وانعطف سابحاً نحو جهة اخرى. ويبدو انه نسي اني اتمسك باشعته، فسقطت كحجر، وفقدت اصبعين من اصابع قدمي اليسرى. اتريد ان ترى؟ انا: لا.. لا.. ارجوك. اريدان تظلي في ذاكرتي كما عرفتك. هي: (يختلف صوتها) هل عرفتني فعلاً؟ (يقترب الشاهد، ويضع في مقدمة المسرح جهازاً يضخم الصوت، ويلاشيه ببطء فيما يشبه الصدى). الشاهد: (للمرأة) لا ادري ان كان يحق لي ان اوجه لك الكلام، ولكن سيكون كرماً كبيراً منك، لو اعدت هذه الجملة مرة اخرى. هي: (بصوت بارد وآلي) هل عرفتني فعلاً؟ (يضخم الجهاز الصوت، ويلاشي الصدى بصورة تدريجية وبطيئة). انا: كان يجب الا تقبلي. هي: ألم يكن صديقك؟ انا: دعينا منه الان، وسيأتي وقته. تسألينني هلى عرفتك حقاً! عصر يوم خريفي.. (صمت) كان الفصل خريفاً، وكان الوقت عصراً، وكنت اقف مع بعض الشباب اام دكان حامد على الصخرة المطلة على الطريق العام. كان عصر ذلك اليوم الخريفي.. لحظة زلزلت كياني، وارجحتني على احلام غامضة ونائية، ظلت ترافقني اياماً. رأيتك.. رأيناك.. لأن الجميع تلجلجت السنتهم بما كانوا يثرثرون، وتعلقت نظراتهم بكِ، وانت تسيرين الى جانب اخيك هادي في مشوار مسائي لطيف. هي: كم تمنيت ان ارى هادي قبل ان اموت! انا: كان مسافراً. كان كلاناً مسافراً حين.. هي: نعم لم تكونوا تفكرون الا بالسفر. وغالباً ما كنتم تهملون وداعنا. الشاهد: (يضيء المصباح في وجهي) لماذا لا تذكر لها ماذا كتبت حين وافاك النبأ. انا: (غاضباً) كفى.. اسكت ولا تقاطعني. سأحكي كل شيء في وقته. (ينهض غاضباً) كنت اقف على صخرة. نعم.. هناك. كنت مغروساً ومبهوتاً اتابع مشيتك الرشيقة والمثيرة. كل هذا لا يبدو له أي معنى. ينبغي ان احكي عن المناخ الذي كنت اعيش فيه. ينبغي ان اتحدث عن تلمسي للوجودية، وما تنعم به البلاد الأخرى من حرية وجمال. ينبغي ان اتحدث عن ضيقي من القيود والتقاليد البالية، التي كانت تجعلنا نعيش حياة فقيرة و كئيبة. ينبغي ان اقول.. اني على صغر سني كنت اكتب بيانات عن التحرر والحرية، والصقها بعد منتصف الليل على ابواب الدكاكين. ولكن في الوقت نفسه، ينبغي الا اقول شيئاً، لأن رؤيتك كانت ساحرة بذاتها، لا تحتاج الى خلفيات تسندها، او تفسرها. كنت ترتدين بنطلوناً، ولم تكن قد سبقتك الى ارتداء البنطلون صبية في هذه القريبة. كنت ترتدين فوق البنطلون بلوزة خفيفة ومرخية باهمال فوق البنطلون. اما قصة شعرك الغلامية فقد كانت اكثر ما هزني، وحرك تلك التموجات الغامضة، الشبيهة بالتشنجات اللذيذة في داخلي. (تنهض المرأة وتمضي الى عمق المسرح) اين تمضين؟ هل ضايقك كلامي؟ اتعلمين.. لقد احدثت بمشوارك القصير في ذلك اليوم الخريفي انقلاباً عميقاً في حياة القرية وبناتها. لقد اشعلت شرارة التمرد، وسيكون من العسير بعد ذلك، ان يطفئها احد. وعلى كل كان كل شيء مهيأ لكي تتغير صورة الحياة حولنا. ولم يكن ينقصنا الا هؤلاء الذين يخاطرون، ويعلنون التغير بحياتهم وسلوكهم. (يصفق الشاهد، فيتبعه الحشد بالتصفيق. يتلفت حوله بارتباك، ويشعر بضيق). يا الله. بدأت اشعر اني مضحك. لا الومهم اذا سخروا مني. كنت اريد ان اصف لك تلك الخفقة، التي تحولت رفيفاً ناعماً في الصدر. لكن قادتني الحماسة حتى تحولت الى الخطابة. أين اختفيتِ؟ هي: (تعود من الطرف القصي للخشبة، وقد ارتدت بنطلوناً وبلوزة، وسرحت شعرها تسريحة غلامية.) هكذا رأيتني؟ انا: نعم.. هكذا رأيتك. هي: هل تحس تلك الخفقة التي كنت تتحدث عنها. انا: اذكرها كأنها تحدث الان. هي: نعم.. ذكريات كالامتعة العتيقة المستهلكة. هادي هو الذي اختار لي الثياب وتسريحة الشعر. اراد ان اكون اول متمردة في القرية. انا: وكنتِ بالفعل تلك المتمردة. الم تغذي جدل الناس ولغطهم اشهراً عدة. هي: لا شي.. لا شي.. حسدتني بعض الفتيات الصغيرات، وشتمتني معظم النساء، ورفض ابي ان يوجه اليّ الحديث اشهراً عدة. انا: اما انا فقد علمت اني غدوت اسيرك. وكنت اشعر حين اراك، اني اتمغنط، واني لا استطيع الابتعاد عنك. هي: كنت طفلاً صغيراً. انا: كان حبي يفيض عن عمري، ويليق بعمرك. هي: ومن قال اني ارغب في نبش هذه العاديات البالية والقديمة. (تنهض بعنف، وتتجه نحو القمر.) ابتعد قليلاً يا صديقي! (ينطفى القمر بضع لحظات. وحين يشعشع ضوءه من جديد، تكون قد بدلت ثيابها، والتفت بازارها الأبيض.) اسمع.. ارمِ هذه الذكريات جانباً، وحاول ان تستقر في موتك. انا: لا استطيع.. الشاهد: اعذريني يا سيدتي.. هذه المرة هو محق. انه لن يستطيع ان يستقر في موته، قبل ان يجد التصنيف الذي يستحقه. سألناه عن القصة التي تملأ جوانحه حنيناً، فاختار قصتك. وبعد المداولات اتفقنا ان تكون هذه القصة بالذات مادة تصنيفه بين الموتى. زاد احساسي بحموضة التفاح في فمي، وزادت ايضاً تشنجات معدتي. وكانت العجوز لا تكاد تهدأ فترة قصيرة من الوقت، حتى تعود الى هذيانها المفكك. وحاولت ان اتخيل صوراً جميلة، ولكن مخيلتي كانت قاتمة. وشعرت اني مربوط الى ذلك المسرح الجنائزي، الذي اقمته بشيء من الخفة وعدم التبصر. وكنت انوي ان اهدم المسرح، وابتعد عن ذلك السطح، حين سمعتها تسأل.. هي: اتشعر فعلاً ان تلك القصة الصبيانية هي التي تملأ جوانحك حنيناً؟ انا: نعم.. وهذه القصة ليست صبيانية لأنها الأصل، وما جاء بعدها الا التكرار والتشابه. هي: لا ادري عما تبحث، او ماذا تنوي ان تطلب مني! لكن اقول لك وبصراحة، ليس لدي ما اقدمه لك. انا: لن اطلب منك الا ان تساعديني على رواية الحكاية. وما ابحث عنه لا يوجد الا في الدهاليز الغامضة لهذه النفس، التي ودعت الحياة، ولم تجد راحة الموت بعد. الشاهد: (يضع على مقدمة المسرح مصباحاً كبيراً، يكاد يناظر القمر المعلق في الجو. ضوءه قوي توشحه مسحة أرجوانية). مقدمات.. مقدمات.. مقدمات.. كله غثٍّ وركيك. تتحدثان وكأنكما ترشفان القهوة في لقاء منزلي عابر. كفى مقدمات، وحاول أن تروي حكايتك بلغة تختلف عن اليومي والمستهلك. أنا: قلت لك مراراً إني لا أحب الفخامة، وإني أحاول أن أروي الحكاية بأبسط الكلمات، وأقلها غموضاً. الشاهد: ولكن ألا تعلم أن الموت بحد ذاته فخامة! أنا: حتى في الموت تريد أن تلملم المظاهر والأكاذيب، كي تنسّق منها باقة من الفخامة. الشاهد: ماذا تعني؟ لو قارنّا بين ما أنجزه كلانا، لبدوتَ إنساناً بائساً وفاشلاً، عَبَرَ الدنيا كظلٍ يرتعش. أنا: سيأتي دورك، وستعرف تصنيفك في عالم الموتى. هي: (وهي تنهض، وترتفع على طرفي قدميها نحو القمر الذي يبدو، وكأنه يتدلى قليلاً كي يلاقيها). قمري يا قمري.. أخبر أباك يا قمري.. وكل أبٍ يخبر أباه يا قمري.. حتى تصل ضراعتي إليه يا قمري.. إن باب الموت مخلع، ويحتاج إلى تصليح.. والحارس الألفي أعماه الملل، وصار بحاجة إلى تبديل.. لقد تفشى بين القادمين الجدد تهريب البضائع المسمومة، التي تطفح بها الحياة الدنيا. إنهم يحملون بين أكفانهم الكراهية والحسد والتنافس والغضب، حتى بات الموت مهدداً بالتلوث والفساد. قمري يا قمري.. قل لأبيك يا قمري.. وكل أبٍ يخبر أباه يا قمري.. (تمضي مبتعدة). أنا: (ناهضاً وبلهفة) أين تمضين؟ أرجوكِ.. كوني كريمة وساعديني! الشاهد: أيتها السيدة.. تزعمين أن الموت جعلكِ نقية كاللؤلؤة، فكيف ترفضين مساعدة رجل يتوقف عليك اكتمال مصيره. هي: (ملتفتة) ما زالت تنبعث منكم رائحة الدنيا ووخمها. أنا: كيف أتخلص من الوخم إن أدرتِ ضهركِ لي! الشاهد: وأنا أعد لا أتدخل بعد الآن، إلا إذا كانت هناك شهادة لا يجوز أن تُكتم. أنا: أمضيت الخريف والشتاء والربيع أكتب إليكِ. (تتوقف عن السير) ورغم تغيّر الفصول، وتبدّل المناخات فقد كنت محموماً دائماً. منعني الطبيب عن تناول البيض والحليب مؤكداً أن كبدي مريض. خطر لي مرة أن أخبره أنه يشخص المرض في العضو الخطأ. لكن خشيت أن يغضب، ويحرمني من التقرير الطبي، الذي كنت أحتاجه، لكي أبرّر غيابي الطويل والمتكرر عن المدرسة. كانت سنة غريبة ملأت خلالها سبعة دفاتر، آملاً أن أسكب ما يعتمل في داخلي من وجد وشغف وذهول. وحين كنت أعيد قراءة الدفاتر السبعة، كنت أشعر أن الكلمات قش يابس، وطنين أجوف. في النهاية نحيت الدفاتر، وأمضيت نهاراً وليلة كاملة، شربت خلالها سبعة أباريق من الشاي الأسود، ودخنت ثلاث علب من »الطاتلي سرت« الغليظة. واستطعت في نهايتها أن أكتب سبع صفحات، اعتقدتُ أني ضمّنتها رعشات قلبي، وذلك السحر الذي يسيطر عليّ، ويجعل الزمن مزيجاً من اللهفة والخيبة، وتناوباً بين اليأس والرجاء. طويت أوراقي، وغسلت وجهي ثم ركبت سيارة، وذهبت إلى القرية. ذهبت إلى بيتها، فوجدتها تساعد أمها في جرش العدس. رحبتا بي كثيراً. قالت لي: »إجلس وتفرج على جرش العدس«. قلت: »هل تظنين أني قادم من المهجر«. فأجابت على الفور: »لا.. ولكن الكتب لم تترك لكم وقتاً، كي تراقبوا أعمالنا ومشاغلنا«. قالت الأم: »أتريدينهم أن يجرشوا العدس، ألا يكفيهم العلم وتعبه«! هي: ماذا تحاول؟ أتريد أن تخادعنا، وأن تعيش الحكاية مرة أخرى بتفاصيلها وامتدادها الزمني؟ نحن الآن وراء الزمن، ووقائع ذلك العالم تبدو صغيرة ومتلاحقة، كأنها تتراكض لاهثة. (لهجة معدنية باردة) خرجت أمي لتحضر شيئاً ما. أخرجت الرسالة، ونالوتني إياها، ثم خرجت مسرعاً وكأن أحداً ما يطارك. أنا: نعم.. كنت أشعر بالخجل، وأخاف أن ترفضي الرسالة. هي: كان يصغرني بست سنوات، وكان أفضل أصدقاء أخي هادي. كانت بيننا قرابة ومودة. قرأت الرسالة، ولم أحس أي شيء. لا دهشة.. ولا تعاطف.. ولا نفور. وأخبرت هادي عن الرسالة، فأجابني.. تصرَّفي بالطريقة التي تجدينها ملائمة. أنا: بعد أن أعطيتها الرسالة أحسست خفة عجيبة، واستدركت السنة الدراسية دون عناء. وحين عدت إلى القرية بعد انتهاء الامتحان، زرتها مشتاقاً وملهوفاً ومرتبكاً. هي: قلت له.. يجب ألا نجعل تلك النزوة العابرة تفسد المودة بيننا. أنا: مَن قال إنها نزوة! هي: في حالتنا لا يمكن أن يكون هذا الحب جاداً. أنا: ليس هناك في هذه الدنيا، ما هو جاد أكثر منه. هي: إنك تصعّب الأمور عليّ. أنا: ولمَ.! لا أحد يستطيع أن يكرهك على حبي. ولكن لا أحد أيضاً يستطيع أن يمنعني من حبك. (فجأة تعلو أصوات مزامير غريبة وجشاء. تعلو همهمة بين الحشد الجالس. تتحوّل الهمهمة إلى احتجاج. ينهض واحد.). صوت 1: إلامَ ننتظر. صوت 2: نحن أيضاً نريد الدخول. صوت 3: ومعرفة تصنيفنا في عالم الموتى. صوت 4: يسِّروا المرور! الشاهد: هدوءاً.. هدوءاً.. وأنا مستعجل مثلكم. ولكن لم يبقَ الكثير. (يضيء المصباح في وجهي) وأنت.. ينبغي أن تفرغ من هذه الملحمة، قبل أن تحين نوبة المزامير التالية. أنا: ولكنها ليست قصة حب عادية. هي: ليتك لا تتشدق. أنا: قولي ما تشائين، ولكن لن أنسى ذلك العام ما حييت. كنت أعيش أياماً ملونة، لم أعرف مثلها من قبل. كنت أحلم، وأتعذب، وأدلل جموح رغباتي، وأوقد مزيداً من النار في أعطافي، وأكتب لك الرسالة تلو الأخرى. لم أعرف بهجة ولا ألماً يشبهان بهجة وألم تلك الأيام. هي: وضعفت. كنت لا أعرف كيف أفهم هذه العاطفة. هل هي كبت مراهق أم فورة حب صادقة! وغضبت من نفسي لأني لم أعد أستغني عن رسائله، ولم أعد أستطيع الامتناع عن التفكير به. وبدأت أغدو مضحكة، وأتصرف بصورة حمقاء. كان يأتي إلى القرية لكي يراني. وحين نلتقي كان لساني يسرف في الرفض، بينما تبحث يدي عن أصابعه. تمسكها، وتبدأ بمداعبتها. تضعها على خدي، على عنقي، على صدري. آه.. أيتها الصديقات! تيقنت أني عاشقة. ولئن كذَّبني لساني، فضحتني يدي واندفاعات جسدي. أنا: وكنت أحتار، وأنوس بين جفاء كلماتها، والدفء الذي ينبعث من يدها. نوسان يشبه ذلك التناوب اللذيذ بين السكر والصحو. يا الله! ولكن التفاصيل.. كل ذلك السحر والجمال.. كل ذلك الارتباك اللذيذ، والدوار الشهواني. إنما يكمن في التفاصيل. الشاهد: لا تفاصيل بعد الآن. قد تجاوزت الحد، وأخذت بعضاً من زمني وزمن الآخرين. أنا: ألم تسمعها! هنا لا يوجد زمن. الشاهد: ولكن هنا يوجد دور. إن الانتظار على العتبة مرهق. ويزيد القادم قلقاً وضعفاً. أنا: أعرف أنك تستعجل وصولي إلى لحظة ذلي. ولكن أنت الذي تعوّدت أن تتصرف دائماً مثل مايسترو، حتى ولو لم يكن هناك مجرد عازف واحد. أتظن أن تصنيفك سيكون أفضل؟ الشاهد: اهتم بنفسك، وأسرع! هي: آه.. يا صديقات.. مسَّني العشق، وأشعل ناره في جوفي. ولكني لم أستسلم، وحاولت أن أقاوم. أنا: يوم عودتي إلى القرية بعد نهاية السنة الدراسية، طلبت أن نلتقي. في بستان عمتي الشهير بمشمشه اللذي التقينا. قطفت حباتٍ من المشمش الأخضر والحامض، وقدمتها لها. هي: لا أريد.. طلبت أن أراك وفي بداية العطلة، كي نضع حداً لهذه المهزلة. أنا: إذا كان ما بيننا مهزلة، فإن إنهاءه لا يتطلب جهداً فعلياً. هي: ما حدث بيننا سخيف.. سخيف جداً.. وينبغي أن ننهيه فوراً. أنا: وماذا تطلبين مني؟ هي: أن تساعدني على تنفيذ هذا القرار. أنا: أرهقني ترددك ودلالك. هذا قرارك، وعليك أن تنفذيه وحدك. هي: وهذا ما سأفعله. منذ الآن أنت غريب عني. إني لا أعرفك. ولن تستطيع بعد اليوم، أن تغريني بقراءة رسائلك وسماع اعترافاتك. أنا: إني لا أفهم. هل أنت جادة فيما تقولين؟ هي: بل شديدة الجدية.. إني لا أعرفك. وهنا سأدفن هذه القصة التي ورطتنا بها. (يتركها، ويمضي. تتابعه بنظرات قلقة، ثم تهرع، وتمسكه بذراعه). أين تمضي؟ أنا: لن تطلبي مني أن أتفرج عليكِ، وأنت تدفنين مشاعري ونبضات دمي. هي: ستزعل قليلاً، ولكن ستكتشف أني محقة. كل ما في وضعنا يعارض هذا الحب، ويحكم عليه بالاستحالة. أنا: يبدو أنك حسمت الأمور قبل لقائنا بوقت طويل. هي: إني أحاول أن أحسمها. اسمع.. آه.. ما أتعس حالي! (تغص بالدمع، فتخفي وجهها في شجرة المشمش، وتقطف بضع ثمرات خضراء. تمسج عينيها، وتجلس على الأرض). تعال واجلس قربي. (يأتي ويجلس قربها. تناوله ثمرة مشمش، بعد أن تقضم نصفها، فيقضم نصفها الآخر). ما أغباني! كنت أنتظر عودتك كالولد الذي ينتظر يوم العيد. ولكن لا أخفي عليك.. إن وضعي مع نفسي وفي البيت أيضاً يضغط عليّ. أنا: سأسألك بودّ وحب.. هل يريحك أن ننسى هذه القصة؟ هي: لن أجيبك قبل أن نقضي معاً يوماً طويلاً.. طويلاً.. في طرطوس، أو نبع بانياس، أو ما تختاره من الأمكنة. أنا: ومتى سيحين هذا العيد الكبير؟ هي: ثاني أيام عيد الأضحى. أنا: إنه قريب جداً! هي: نعم.. إنه قريب جداً. (تنهض هي، وتتجه صوب القمر). هي: حان الوقت كي تساعدنني يا صديقات. (تتزحلق على أشعة القمر، التي تغدو شبيهة بالحبال، ثلاث نساء يلتففن بإزارات كحلية غامقة، ويضعن قلنسوات شبيهة بالمحارات، ويقفن إلى جوارها). النساء معاً: ها نحن يا صديقة! هي: أهلاً ببهية وفاطمة ورقية. آه.. يا صديقات هذا هو الذي أشعل في قلبي نار الحب، وهذا.. بهية: لا تتابعي.. ألم نأتِ كي نسندك. سنستجوب، ونعرف. فاطمة: إننا نصغي يا هذا.. اروِ لنا حكاية ذلك اليوم الطويل الطويل. هي: والجميل.. الجميل. أنا: لنتصور يوماً، كل لحظة فيه تنبثق محمَّلة بانفعال مذهل وجديد. كم أحتاج من الوقت، كي أصف تلك الكثرة الهائلة من الانفعالات المذهلة والجديدة. ما إن نزلنا من السيارة، ولامست أقدامنا إسفلت الشارع، حتى صارت هذه الشوارع والأرصفة وأشجار الزلزلخت، هذه الطرطوس البحرية البسيطة المتعرقة.. مُلكنا. كل ذلك بدا، وكأنه كان ينتظرنا كي نمتلكه، ونجدّد معه أواصر الإلفة والمودة. وكنا نتحدث، وكنا نضحك، وكنا عاشقين، وكنا صديقين، وكنا في ترتيب نادر متواقتين مع الزمن في تقدمه أثناء نهار طويل وجميل وحار. دخلنا محل »لطش« كي نتناول البوظة. ملأنا المحل صخباً ومرحاً. وتناولنا بألسنة لاذعة تلك النساء المحافظات، اللواتي اختفين وراء ستارة تنصّف القاعة. بعد البوظة ذهبنا إلى سينما »الأمير«، كي نحجز بطاقتين من أجل فيلم »لا أنام«، وفوجئنا هناك أن كل الحفلات النهارية مخصصة للنساء. فعدنا كي نحضر الفيلم الذي يعرض في سينما »شهرزاد«. الشاهد: لا أدري ماذا كنت أفعل هناك.! رأيتهما بالصدفة وهما يخرجان من سيما »الأمير«. (يخرج من جيبه ورقة). وكتبت له هذه الرسالة.. »عزيزي كنت بالفعل من الغاضبين عليك لانقطاع رسائلك المتواصل رغم إلحاحي. وزاد غضبي حين انتظرتك مساءً، وحتى الساعة الثامنة والنصف، ولم تأتِ حسب ما أخبرتني مع أحد أقربائك. ولكني عرفت السبب وقدرت الظروف، عندما رأيتك صدفة مع حسناء شقراء وجودية الشكل خارجين من سينما »الأمير«. ولم ترني أنت لأنك لم تصدفني مباشرة وجهاً لوجه. ولم أرغب في إزعاجكما لعلمي الأكيد من الانزعاج المترتب من حضوري في تلك اللحظة«. الآن أكتفي بقراءة هذا المقطع من الرسالة، ولكن عمَّا قليل ستفهمون دلالته، والسبب الذي حداني لقراءته[. وفجأة صاحت العجوز: يا زينة الحقيني! يا زينة عجلي ما أقدر أمسكها.! وجاءت الممرضة تسأل ماذا هناك. وكانت العجوز قد عملتها في الفراش. فاحت روائح تسربت إلى غرفتي والغرف المجاورة. ووسط الضجة والشتائم، تعاونت الممرضتان على تغيير الشراشف، وتنظيفها. وكانت لا تكف عن التأوه والشكوى. وحين فرغت الممرضتان من عملهما، وطلبا منها أن تنام، عادت تكرّر عبارتها الهذيانية »ذابت.؟ لا.. يمكن ما ذابت«. ]هي: واخترنا مقعدين منزويين في بلكون السينما. ما كنت أستطيع أن أخفي ما يتأجج في أحشائي. كنت قد رتبت أن أنشر حبي في الهواء وعلى الملأ. ثم أطويه، وأدفنه في نهاية ذلك اليوم الطويل. كان يجلس إلى جواري مثل طفل مبهور ومتعب، وكان عليّ أن أمسكه، وأن أجرَّه إلى بستاني. آه يا صديقات.. مع لزوجة العرق، ورقَّة يده عرفت أني مريضة حباً، وأن اليوم هو فرصتي الأخيرة، كي أداوي مرضي وأشفى منه. أنا: كانت السينما تغصّ بالمتفرجين، وكان الفيلم الذي يُعرض هو »بور سعيد«. وحين أمسكت يدي، ووضعتها على فخذها، عمرتني حالة من التيه النشوان، تعكِّرها رهبة خفية. كانت وحدها في السينما، وخلال ساعتين من اللزوجة والملامسة وغلغلة الأصابع وإيقاع النشيد التاريخي »الله أكبر«، كنت أحس أني أتلاشى في غيابة دوار لذيذ، ومحفوف بالمخاطر. لم تكن هناك أية مشاعر جنسية، بل سيالات من الخدر والزهو والقلق تكيّف أحاسيسي، وتجمح بي نحو فضاء خيالي، يخفي زحام الواقع وحرَّه. ولكن قبل النهاية وتحت وطأة الانفعالات القوية، والجوع، ورطوبة الحر، داهمني تعب شديد، ووددت لو أسحب يدي المتعرقة من لزوجة يدها. بهية: هل كفتك ساعتان كي تشعر بالملل؟ أنا: لا.. لا تخطئن فهمي.. كنت متعباً، وكانت لزوجة يدي تضايقني. هي: آه يا صديقات.. اسمعن، وسجلن! فاطمة: إننا نفعل. أنا: لا تخطئن فهمي. في تلك السينما، وفي ذلك الفيلم أيقنت، وأكثر من أي وقت مضى، أن هذه المرأة قدري. بهية: طيب.. طيب.. لنتابع. هي: خرجنا من السينما مغسولين بالعرق. ذهبنا إلى مطعم »عايدة« وتناولنا الغداء. في البداية كان مجهد القسمات وصامتاً، ولم يستعد شيئاً من حيويته وطلاقة لسانه، إلا بعد أن كرع زجاجة من البيرة. بعد البيرة أخذ يمطرني بأحلامه، والمشاريع التي يتصورها لنا. تأخرنا في المطعم حتى تخفَّ حدة الحر، ثم اقترحت أن نتمشى على شاطئ البحر. أنا: كنت أعلم أن شيئاً ما يقترب. هي: بدا الشاطئ غريباً. كان الرمل أبيض ونظيفاً. قلت له كأني لم أرَ هذا الشاطئ من قبل. أنا: اليوم كل شيء جديد ومختلف. هل نجلس؟ هي: (وهي تجلس) ما أنظف الرمل وما أجمل بياضه! لم أرَ البحر هادئاً وفاتناً كما بدا ذلك اليوم. كان جماله يوقظ، ويؤجج ما في النفس من توقٍ ورغبة ووجد. ماذا تحسّ حين تنظر إلى هذا المرج البحري المذهل؟ أنا: تصوري أننا نسافر على سطح إحدى البواخر العملاقة، وأننا نمخر المحيطات، ونمضي إلى بلاد جميلة وغريبة. نبدأ فيها عمراً جديداً، وفرحاً يتزايد كلما تقدمنا في العمر. هي: لا أحب السفر، ولا أتمنى أن نتحدث عنه. هل أغني لك؟ أنا: ليتك تفعلين.. (بصوت عذب ورقيق، تغني أغنية من تراث غنائي قديم، يتسلسل أغنية بعد أخرى دون تنافر أو نشاز. خلال غنائها يطوق كتفيها بذراعه، ويداعب عنقها، وشحمة أذنها. وبين الفينة والفينة، يميل عليها، ويقبّل خدها). أنا: ذلك العطر! الآن تذكرت.. كان عطرها القوي الذي توشيه رائحة عرق خفيفة. هي: (تتوقف عن الغناء، وترفع يده عن كتفيها). أنظر.. ما هذه السفن التي تخرج من أرواد؟ أنا: إنها سفن شراعية بيضاء لعلها تمضي إلى الصيد. (يظهر رجل متقدم في السن، يرتدي قبعة من القش وبنطلوناً قصيراً، ويقف إلى جوارهما ناظراً إلى البحر والسفن الشراعية باهتمام ومتعة). الرجل: (بلهجة خبيرة ولا مبالية) نعم.. هذه سفن شراعية ومطهرة بالبياض.. الهيكل والأشرعة وثياب البحارة والحبال ومختلف الأدوات التي تستخدم على السفينة كل ذلك أبيض وهذه السفن لا تخرج للصيد، بل هي موكب مقدس يرافق الشمس في انحدارها نحو ظلمة الليل. هي: أنظر.. أنظر.. أرى حبالاً بيضاء ترتفع نحو الشمس. الرجل: نعم.. إنهم يعاملونها كالعروس، ويحملونها وسط الأهازيج وإيقاعات الصنوج، راجين أن تحميهم من عواصف الشتاء، وزمجرة الرياح. هل تسمعان دقات الصنوج والأهازيج؟ هي: إني أسمع مع زفير البحر أنغاماً حزينة. أنا: ولكن من هذا؟ هي: لا أدري! أنظر.. أنظر.. تبدو الشمس وكأنها تجلس على هودج، والسفن الشراعية تجرها مسرعة إلى مخدعها الليلي. الرجل: حقاً إنها تنزلق بسرعة. هي: غاب نصفها في الماء. الرجل: غابت كلها في الماء. (نرى السفن في البعيد تطوي أشرعتها، وترفع خرقاً سوداء على صواريخها). الرجل: ومن شروط الموكب أن تكون عودة السفن محفوفة بالعناء والترانيم الجنائزية. (يردد ترنيمة قصيرة، ثم يرفع قبعته، ويختفي). هي: غابت الشمس، وانتهى نهارنا الطويل.. الطويل. أنا: مَن كان هنا؟ وماذا حدث؟ هي: لم يحدث شيء. غنيت لك حتى غابت الشمس، وانتهى يومنا. أنا: هل أنت جادة؟ هي: نعم.. نعم.. نعم.. وأرجوك أن تفهمني. أنا: أطمئني. إني أفهمك. ولن أزعجك بعد الآن. ولكن أريد أن تعرفي، أنك المرأة التي سيرافقني ظلها ما حييت. هي: وكنا قد أصبحنا عند »المجرور الاسمنتي« الذي يحمل قادورات طرطوس الى البحر. والتفت اليه يا صديقات.! وطوَّقت رقبته بذراعيّ، وانغمرت في وجهه أقبله، وأعضه، ولا أدري أيضاً.. وكنت أتمتم.. »هذا هو الوداع.. هذا هو الوداع..« أنا: غداً كل شيء لزجاً ومنهكاً. نحن والشوارع وهذه المدينة الفاترة والزحام المتجمع أمام سينما »الامير«، حيث يُعرض فيبلم »لا أنام«. التقينا شباباً ونساء من الضيعة، حضرنا الفيلم معاً، ثم دبرنا سيارة جيب نقلتنا الى القرية. بهية: وقاومت صديقتنا أياماً كادت أن تجن فيها. هي: لم أكن أعلم أني مريضة الى هذا الحد. بهية: وقررت أن تستلم للداء الذي يعييها. أرسلت اليه وطلبت منه أن يزورها. فاطمة: كيف استقبلت دعوتها؟ أنا: ملأ الفرح جوانجي. بهية: لم يكن الفرح أول مشاعرك. أنا: ماذا تعنين؟ بهية: هنا لا يستطيع أحد أن يكذب. أنا: ربما شعرت بالزهو. فاطمة: والامتلاء.. بهية: والاهمية الكبيرة. رقية: وقليل من الفرح. أنا: لا ادري.. ربما جالت هذه المشاعر كلها في داخلي. لكن اذكر جيداً توثب الفرح في داخلي، وانا امضي للقائها. رقية: فماذا حدث عندما التقيتها؟ هي: رتبت الامور لاكون وحيدة.. رقية: ألم نأت لكي نوفر عليك طعم الرماد! ابتعدي عن الزنج.. ودعينا نروي بقية الحكاية. فاطمة: رتبت الامور لتكون وحيدة في البيت.. هي: وكان علي دائماً ان اكذب واخادع، كي ارتب خلواتنا.. بهية: تمددت على الديوان، وانتظرت. حين جاء، قالت له.. تعال واجلس الى جانبي. مسح بيده على وجهها، وسألها.. كيف أفهم دعوتك؟ رقية: اجابت وهي تضغط يده،.. دعنا من الكلمات وألعابها.. فاطمة: ولكنه ألح على السؤال، وصار يفتح ادراج الكلام. كان يريد ان ينال بالكلمات ما هو متاح له، وممدد امامه.. رقية: واعترفت انها تحبه. واعترفت انها لا تستطيع الاستغناء عنه. واعترفت انها له. بهية: وعانقها. كان مبهوراً. اغرقها بالاوصاف البديعة، والنداءات المسكرة.. فاطمة: ولكن عناقه كان فاتراً.. رقية: بدت القبلة باردة، والمداعبة حركة لاهية، والاحتضان مفتعلا ورخواً.. أنا: (صائحاً) كنت متعباً. واستسلامها المفاجئ اربكني. واستل قواي.. بهية: بعد اعترافها، اطمأنت عواطفك القلقة، وعرفت ان كل ما فات بعذاباته وتردداته، ستطويه اللذات التي تنتظركما، فماذا فعلت؟ فاطمة: ماذا فعلت؟ رقية؛ ماذا فعلت؟ أنا: خلال سنتين طويلتين احببتها حباً شبيهاً بالعبادة. وعانيت آلام الصد، وهيجانات الشوق، ومرارات الغيرة. وكنت احاول ان اسكب فرادة مشاعري وغزارتها في كلمات، فتبدو الكلمات كجنها سلسلة من الخيانات. ملأت ثلاثة عشر دفتراً، وظللت احتفظ بها حتى.. وقبل مجيئي قرأتها، وعرفت كم هو جهد ضائع. ان يحاول المرء كتابة هذا الفيض الذي يتدفق في داخله. انه تدفق وجموح، لا تتسع لهما الكلمات والعبارات الجاهزة. فاطمة: هذه الخطبة لن تعفيك من الاجابة. رقية: وما دمت قد احتفطت بالدفاتر الثلاثة عشرة حتى:: فاني اخشى ان يكون ما احببته بالفعل، هو ما حوته هذه الدفاتر منوعود أدبية. أنا: لا.. لم تكن ذريعة، بل غاية بذاتها ولن يفهمني احد لو قلت.. لقد اثرت في حياتي اكثر من أي امرأة اخرى، لاني معها ذقت اول نوسان مدمر بين أقصى اللهفة. واقصى الخيبة. بهية: حين كفت عن المقاومة، واودعته رعشات قلبها.. رقية: حين كفت عن المقاومة، واستسلم جسدها الذي انضجته الاحلام والسنوات.. بهية: حين كفت عن المقاومة، وتخيلت انهما سيعدوان في زمن لا يخص سواهما. زمن تتوالى لحظاته مع فوران الحب، وتجدد الشوق، وغيبوبة اللذة. فاطمة: حين كفت عن المقاومة. فتش عن المشاعر التي سكبها في ثلاثة عشر دفتراً، فما وجد شيئاً. بهية: كل المشاعر بح.. رقية: الحب الذي تفسده الكلمات والاهات والتوسلات، كل هذا بح.. فاطمة: حين كفت عن المقاومة. وتوالت بضعة لقاءات، بدأ السأم يطفئ ملامحه، ويوهن حيويته. الشاهد: ولكن.. حين قرأ رسالتي، التي ابدي فيها اعجاباً برفيقته الوجودية والجميلة، احتفي ملله، وجاء الى لقائها متلهفاً ومفعماً بالرغبة. كل ما كان يشغله، هو أن يبدو في عيون الاخرين ناجحاً ومهماً. أنا: كل هذا صحيح. ومهما قسوتم، فانكم لن تسببوا لي من الشقاء ما سببته لنفسي، وما عشته طوال عمري. نعم.. كل هذا صحيح. حين قررت ان تكف عن المقاومة، وحين بدأنا نتقي خلسة في تلك الغرفة العلوية. بدأت اكتشف وسط الذهول. انها فتاةاخرى. انها وجه آخر. جسد آخر. تفاصيل اخرى. فاطمة: بقيت سنتين تحملق بها، وفي رسائلك كنت تنتشي، وتحلق مع شهواتك، وأنت تصف جسدها خلية خلية، وتتغزل به متلاعباً بالصور والتشبيهات. وفتاة كانت جميلة تغدو مع العشق اكثر تفتحاً وجمالا! أنا: كل هذا صحيح. ولكن ماذا أفعل! فجأة وجدت شعرها خشناً كالليف، وفمها إبيراً تتراكب فيه الاسنان بعضها فوق بعض، وحول حلمتي ثدييها شعر، وجسدها كله يغطيه زغرب.. وملأني نفور. وكانت عناقتنا بائسة. ولذتها هزيلة. هي: وعرفت اني افقده، فازددت تعلقاً به. وعرفت ان جسدي لا يغويه، فكرهت جشدي، وايقنت اني بشعة، ولا يمكن ان يحبني الا اعمى. بهية: أكنت تعلم انك تؤذيها الى هذا الحد؟ (لا يجيب.) رقية: اكنت تعلم انك تؤذيها الى هذا الحد؟ أنا: نعم.. كنت اعلم. كانت تتشبث بي كأنها تريد أن تسجنني. احياناً كنت افقد اعصابي، واتصرف بفظاظة. فاطمة: كيف يمحي الحب الحقيقي حين يكتمل؟ اخبرنا.. اكنت تحب صورة؟ أنا: لا ادري أهي صورة أم حلم.! في داخلي فجوة. في داخلي توق غامض. لا.. لا افتش عن شفقة. هذا ما لدي. ولن ابالي اينما كان تصنيفي. فاطمة: انك طفل. انك طفل بائس، فاتته كل اللذات، لانه لميعرف كيف يكسر حاضنته، ويحب. كإنت اعمل في الارض منذ الفجر حتى غروب الشمس، وفي نهاية النهار كان يوافيني الذي احب، فيجرني الى عشنا بين اعواد قصب السكر. في البداية كنت اشعر بالخجل من رائحة جسدي، الذي حمضه العرق وتراكم الاوساخ. ولكن الذي كنت احبه ويحبني، كان يسخر مني، ويرشف بلذة بقايا العرق من سرتي وتحت ابطي. وكان يتمتم.. ان اية رائحة تنبعث من هذا الجسد، هي افضل من كل عطور الدنيا. وكانت تتموج رائحة عرقنا مع خشخشة قصب السكر الذي يتخلله هواء البحر، وشهيق اللذة في عروقنا، فأشعر اننا ارض وشجر وثمار. رقية: وكان الذي احببته واحبني يعلم اني مريضة بالسل، واني محكومة بموت غير بعيد. كنت ارتعش كقصبة في الريح حين يقترب مني، وكان يرعبني في الوقت نفسه، ان انقل اليه مرضي. ولكنه نحى وساوسي وبغضب، وقال.. ما الحب ان لم نتقاسم مصيراً واحداً.! وكان ينهمر علي كأنه مطر دافئ، أو غطاء من حرير وحنان. وكانت كل مضاجعة تبدو وكأنها بدايتنا الالى، وان الايام طويلة امامنا. مرة داهمني السعال ونحن في غمرة الحب. امتلأ فمي بالدم، فاخرج منديلا واكرني ان ابصق. مسح شفتي ثم ادنى وجهه من وجهي، وقبلني على فمي. ارتعدت. ارتعشت، وللحظة شعرت ان الموت مستحيل. بهية: أما أنا فقد كان الذي احبه ويحبني لا يرى في عيباً. كان واضحاً ان قسمات وجهي متنافرة، وتخلو من الجمال. وكان نهداي صغيرين، ولم يكن في ردفي هذا الاكتناز الذي يحبه الرجال. ومع هذا فقد كان يتناولني ظهراً وبطناً، ويوقظ جسدي خلية خلية، ويمطر كل اجزائي واعضائي زهواً ورغبة ومتعة، انساني اني بشعة، وملأ حياتي رضى وبهجة. هي: وعرفت اني اقده، فازددت تعلقاً به. وعرفت ان جسدي لايغويه، فكرهت جسدي، ويقنت اني بشعة، ولا يمكن ان يحبني الا اعمى. (ينزلق على احد الحبال المعلقة بالقمر الرجل الكبير، الذي يرتدي قبعة من القش وبنطوناً قصيراً، فيقف الى جوارها مطوقاً كتفها بذراعه.) فاطمة: كانت يائسة ومثقلة بالمرارة. بهية: وحين هجرها اشتعلت غضباً وقهراً ووجعاً. هي: وكنت ما أزال متعلقة به. الرجل. وتقدمت اليها، وقلت.. لا احب الكذب، وليس لدي ما اتبجح به امامك. اني متوسط الحال في كل شيء، فهل تتزوجينني؟ هي: كنت محطمة، وكنت متيقنة اني بشعة، وان الشباب لا يقتربون مني الا من اجل عابرة. حدقت فيه ملياً، ثم قلت.. اذا وافق اهلي، فانا ايضاً موافقة. الرجل: وتزوجنا. هي: ملأني حبتً وجمالاً. وبعد فترة قصيرة انقلب نفوري من جسدي اعجاباً وغبطة. جعلني احب الزغب على فخذي وحول سرتي. جعلني احب كل تفاصيلي، والممارسات التي كانت تبدو لي رخيصة وعامية. الرجل: كنت اعيش في المهجر منذ سنوات عديدة. لم يبق لي في القرية بعد وفاة اب يوامي واخي الكبير في جائحة التفوئيد الا بعض الاقارب البعيدين. كانت احوالي مستورة، ولم يكن يخطر ببالي اناعود الى القرية. وليس لي فيها اهل ينتطرونني. ولكن ذات ليلة رأيت في منامي. اني اركب سفينة شراعية تعود بي الى البلاد. وحين مالت الشمس نحو الغروب، اقترب مني بحار، وقال لي.. انظر هناك صبية على الشاطئ تنتظرك! سألت.. وما ادراك؟ فأجاب.. د الاسئلة، واقفز الى الماء. وقفزت من السفينة، فوجدت الماء ضحلا لا يصل الا الى منتصف ساقي. وشعرت بالتوفيق لاني ارتدي بنطوناً قصيراً، فجأة وجدت نفس في القرية، وسمعت غناء على ايقاع الطبل والمزمار، ومر ولد يركض وهو يخبر.. اركبوا العروس، والموكب يقترب. وهلت الصبية في ثياب عرسها منتصبة لى سرج حصانها. وحين وصلت الى جواري توقف الحصان، وحرن فمدت يدها الى رأسي، وخطفت قبعتي، فسار الحصان خبباً. انا اجري وراءه مسحوراً ختى استيقظت. بعد ايام كنت اركب الباخرة عائداً الى القرية، وعدما رأيتها خفق قلبي كني ولد صغير، وكادت قبعتي تطير عن رأسي. كانت السنوات القصيرة التي عشتها معها، هي ألمح نجاح في حياة، امضيت معظمها في الكد والانتظار. الشاهد: لماذا لا تسألونه ماذا كتب حين وافاه نبأ موتها؟! هي: ماذا كتبت أيها الطفل الشقي؟ أنا: في البداية هزتني لوعة لا توصف. أردت ان أعول.. أن أصرخ.. أن تتدفق دموعي كالسواقي.. هي: دعِ المقدمات، وقل ماذا كتبت! أنا: لم أدرِ ماذا أفعل. مشيت في شوارع باريس ضائعاً وملتاعاً. وحين تعبت ساقاي، ارتميت على مقعد في مقهى يطل على حديقة »اللوكسمبورغ«. كانت الشمس تجعل ذلك النهار النيساني فتنة. وفي النهارات الربيعية المشمسة كان فوران باريس يزداد حيوية وبهجة. تطلعت حولي، فوجدت الحياة نشيداً شاملاً، يشارك فيه حتى اسفلت الشوارع وكراسي المقاهي واشارات المرور. فكتبت في دفتري.. »ومهما كانت لوعتي، فقد يسر لي حظي ان أعيش يوماً بعدها. وهذا اليوم هو نعمة ينبغي ان ارشفها قطرة قطرة، وان أمجد الحظ الذي اتاحها لي.« كان كل ما حولي يمجد الحياة، بينما ينأى الموت ليختفي في مقبرة بعيدة على حافة قرية صغيرة. فاطمة: ما أتعسك اذا كنت تعرف حقاً مدى شقائك! لقد بدأ موتك حين كسا الملل وجهك، ولم تعرف كيف تحب. بهية: أو حين عجزت عن الحب. رقية: أو.. فاطمة: (مقاطعة) لا تزيدي. يكفيه انه عاش هذا العمر كله، وهو يحمل موته في داخله. هي: أما نحن فقد تذوقنا متعة الارتواء. كمساكب الورد ارتوينا، وتفتحنا. وحين نادانا الموت، كان آخر ما حملته الذاكرة من عالم الاحياء الغبطة والرضا. فاطمة: ولاننا حملنا الغبطة والرضا، وعرفنا ما في الارتواء من قداسة وانخطاف، اصطفانا القمر خلاناً وأصفياء. (تعلو وشوشة ايقاعية مكبرة، تشبه وشوشة الماء في حوجلة الاوكسجين. على ايقاع الوشوشة ترمي كل واحدة ازارها، ويبدأن بالرقص عاريات. يزداد القمر تألقاً. ومع ايقاعية تنبعث من الوشوشة وموسيقا خفية، ينتظم رقصهن كما لو كنَّ يرقصن فوق كومة من حشيش الكيف. يتعالى الايقاع تدريجياً حتى لا تكاد الابصار تمسك لتلويات الاجساد الا خطفاً. وفي لحظة الذروة، يبدأن بتسلق أشعة القمر واحدة بعد الاخرى، يتبعهن الرجل ذو القبعة، حتى يمتص ضوء القمر الباهر وجوه واجساد الجميع«. أنا: نعم.. كنت اعلم اني احمل موتي في داخلي، لكن لو يعلمون كم عاقبت نفسي! وكم حاولت عبر المكابدة والتجربة ان اتعلم الحب، واعرف سره! (يتسلق الشاهد امرقاة، ويقترب منها). الشاهد: أتحقد علي؟ أنا: عرفت أنك الصديق القديم خير الله. خير الله: أنت تعلم.. لم يكن بوسعي أن أخفي شيئاً. أنا: وما همَّ! ألم يحن الوقت كي نسترخي. ونقول. الان متنا وسبعنا موتاً. خير الله: ما زال علي أن أعرف تصنيفي. أنا: اذن أسرع! فهناك كثيرون ينتظرون دورهم. خير الله: انظر! ان القمر يغيب. والظلام يحلآ. أنا: ان المراكب الشراعية البيضاء تجر القمر وسط موكب من غناء الماء والهواء وحناجر العشاق. خير الله: سيكون الظلام رهيباً. أنا: هل بدأت التذمر؟ من الظلام جئنا، والى الظلام نعود، وتلك هي كل الحكاية. (يختفي القمر، ويسقط ظلام اسود وكثيف) تمددت تمددت في قبري، وحاولت ان انام. ولكن كنت اسمع غناء شجياً وغريباً. طلبت الممرضة، وسألتها عن مصدر هذا الغناء. فأصابتها الدهشة، وقالت انها لا تسمع أي غناء. وعرفت أني لم أترك المسرح تماماً، واني عشت مرات عديدة هذه التجربة المثيرة، والتي يختلط فيها الاموات والاحياء ببساطة تكاد تكون هزلية. بدأ الطفل الذي شرب أدوية أبيه يبكي، وبدأت أمه تناغيه محاولة أن تهدئه، واكتشفت ان ضوءاً معفراً بدأ يتسلل من أعلى الجدار. طلع فجر آخر وما زال في فمي طعم حامض، وما زالت عدتي تتقلص كلما بلعت ريقي. رجوت الممرضة ان تطلب من زوجتي المجيء بسرعة. جاءت وآثار النوم في عينيها. ومطموراً بالخجل والتقزز قضيت حاجتي في فراشي. ثم توالت كل الطقوس الروتينية التي تتوالى كل صباح. غسلتني ممرضتان، وبدلتا القميص السماوي الطويل الذي لا يستر جسمي سواره. بعد ذلك توالت زيارات الاطباء، وعادني بعض الزوار. يبدو ان ماري ألحت في السؤال. ويبدو اني أجبت، وأنا مغمض العينين.. »لاة تخافي!«. في وقت ما أثناء النهار، وجدت نفسي في غرفة فيحة، تطل على حديقة تعرّش على سفح مرتفع. مرجات مغطاة بأعشاب يانعة، تسيها رشاشات دوارة. وكان منظر الماء وهو ينسكب على خضرة العشب، يوقظ في النفس رغبات لم تعد ممكنة. اني ظمآن.. وناولتني فايزة كأساً من الماء. كان الماء فاتراً والابتلاع مؤلماً. فأعدت الكأس. وادركت من جديد اني في وضع، يتعذر علي فيه ان اروي ظمأي. ومن يدري! فقد يكون آخر ما يجمجم به اللسان.. »اني ظمآن«. ثمة هدوء مذهل. سألت فايزة: ما سر هذا الهدوء؟ أين المرضى والاطباء؟ أجابت فايزة هامسة: لقد ماتوا جميعاً. كانت فايزة تلازمني، ولاحظت جيبين منتفخين تحت عينيها، فغضبت، ورجوتها ان تعتني بنفسها، وان تنال حاجتها من الطعام والنوم. فأجابتني: لا تشغل بالك.. لقد حاولت كثيراً مع سعدى، ولكنها رفضت. لا تريد ان تأكل من طعام المستشفى، ولا تقبل ان نأتي لها بطعام من السوق. وكدت أبكي. قلت لها: هل أنت متأكدة انهم ماتوا؟! فاقتربت من سرير، وقالت همساً: دخلت عيادة الدكتور »زياد عبد الهادي«، فلم اجد في قاعة الانتظار الواسعة الا رجلا واحداً. كان منظر الكراسي الفارغة غريباً ومربكاً. فسألت الرجل.. أين المرضى؟ في العادة تكون قاعة الانتظار مكتظة، وهناك من يجلس على الدرج وعند المدخل. فأجاب الرجل.. كلهم ماتوا. سألتها: وأنا؟ هل متُ معهم؟ فأحنت رأسها فوق أذني، وقالت: لا. سألتها: لماذا؟ فأجابت: يقوا الاطباء.. انها معجزة.! * * * قالت فايزة متطلقة الاسارير: لقد نمت ساعتين تقريباً. فأغمضت عيني متمتماً: سأواصل النوم الى الصباح. ولم استطع. كانت تلك هي الاستراحة الوحيدة قبل شوط جديد من الاعياء والارق. مرت ليلة أمضيتها كلعا مؤرقاً وهاذياً. كانت الدمامل تتكون في حلقي، وتتهيأ لاجتياح فمي وأنفي وشفتي. وكنت كل ما هاجت قروحي، وزاد وهني، تساءلت ان كانت الحياة حقاً مجيدة، وان كان الانسان فعلا تلك الاعجوبة التي تحدث عنها سوفوكليس. لقد حاجج ايوب ربه، أما أنا فمن أحاجج، وليس لدي الا هذا اليقين البسيط والموحش: من الظلام جئت والى الظلام أعود. 22/8/1996