تعمدت ان »أهرب« من لبنان خلال اسابيع الانتخابات النيابية الخمسة. وذهبت الى حيث الهدوء والجمال والراحة، بعيدا عن »دوشة« الانتخابات، منذ اليوم السابق لبدء المرحلة الاولى حتى انتهاء المرحلة الخامسة والاخيرة. وهناك، في بريطانيا، في مدينة كمبردج بالذات (اجمل بقاع الكرة الارضية بعد طبرية، مسقط رأسي!) نسيت، او حاولت ان انسى، ان في لبنان انتخابات، ومرشحين فرادى وقوائم انتخابية من كل الاصناف والالوان والاذواق والانتماءات والاتجاهات، وبيانات وخطبا ومهرجانات وتصريحات ووعودا وصورا تغطي الجدران واعمدة الكهرباء والاشجار وصخور الشاطئ، وتنافسا وتراشقا بالاتهامات وحربا للشائعات والفضائح الصحيحة او الملفقة. واتاح لي اغفال اجهزة الاعلام البريطانية، من صحف وتلفزيونات وإذاعات، لموضوع انتخابات لبنان ونتائجها، تحقيق رغبتي بان اغيب، او ان اغيّب نفسي، وان اريح اذنيّ وعينيّ ودماغي، من تتبع معركة (مجزرة؟) كنت اتوقع نتائجها، وكنت على الاقل أرى ملامحها من قبل حصولها، حينما كنت احاول، كمواطن عادي، ان اسعى لجمع اصوات لمرشحين اتوسم فيهم الخير للبنان والعرب اكثر من غيرهم. وفي الوقت الذي كنت احاول اقناع آخرين لمساندة فلان من المرشحين كنت اعرف ان »طبخة« المعركة لن تسمح له بالفوز حتى ولو كان اصلح من منافسه او منافسيه وأفضل وأنسب. اقول اني هربت في محاولة حتى لا اشاهد الصور والامثلة والبراهين على مساعي تزييف ارادة الناس وكبت حرياتهم وتقزيم الفضائل وتشويه القيم التي يقوم لبنان، من الاساس، عليها. هربت، بشكل اخص، من رؤية معظم اطراف المعركة الانتخابية وهم يتحركون ويتصرفون ويتنافسون ويتكتلون وكأن ليس هناك اشرس خطر يتربص بلبنان منذ تكوينه الحديث، وكأن قوات العدو لا تحتل قطاعات واسعة من اراضيه وتطمع بالسيطرة على ما لم تحتله، وكأن الصراع بين الجماعات والفئات المتنافسة (سواء تشابهت رؤاها السياسية والعقائدية او تعارضت)، وبين الطوائف والمذاهب والعصبيات والقبليات وبقايا الميليشيات، كأن ذلك كله اهم من الخطر الاسرائيلي الجاثم خارج حدود لبنان وداخلها، المتربص بسيادته ووحدته وقيمه ومصالحه وعلاقاته العربية ووجوده الدولي، وليعطل مؤسساته ويخضع الجماعات كلها بدون استثناء لإرادته التي لا تتعارض مع المصلحة الوطنية اللبنانية العليا عموما فقط بل هي تتعارض ايضا مع المصالح الجزئية والتفصيلية لكل جماعة، طائفة كانت او حزبا او موقعا او مهنة. وبدل ان تكون المعركة الانتخابية تنافسا بين الاجتهادات المختلفة للاساليب الواجب اتخاذها لدرء الخطر الصهيوني ومواجهة نوايا »اسرائيل« وتصرفاتها مواجهة فاعلة، جرت هذه المعركة، في معظم جولاتها وتفاصيلها، بالنسبة الى عدد كبير من الذين خاضوها، في تجاهل كامل او شبه كامل، متعمد، لهذا الخطر ولوسائل مكافحته ومقاومته وتعطيل نتائجه بالجهاد ضده. توهمت اني »هربت« فعلا من معاينة »المعركة«. لكني اكتشفت، اثر عودتي، ان الانسان يهرب من مكانه ولا يهرب من ذاته. صحيح ان مجرى المعركة وادواتها ونتائجها حصلت كما توقعت، الا ان المرء معنّي بان يلملم افكاره ويحاول ان يقرأ سيرة ما حصل بموضوعية وهدوء لعله يصل الى عبر ودروس تتيح له ان يكون اكثر فاعلية في المستقبل في مواجهة هذا الحال الذي نشكو منه وتطويعه لمصلحة البلد وخيره. لن »اتفلسف« هنا في تحليل المعركة الانتخابية ونتائجها، في ادانة اخطائها وتبيان سبل معالجتها. ذلك ان كثيرين من الكتّاب، ممن هم أقدر مني وأقرب الى الموضوع واكثر انخراطا عمليا فيه، ظهرت لهم ولا تزال تظهر يوميا دراسات وتحليلات قيمة، استطاعت ان ترى الصورة على حقيقتها وان تستنبط منها العبر. غير اني وجدت نفسي مدفوعا الى تسجيل ملاحظات معينة حول الموضوع، قبل ان اتحول، في هذه الزاوية في الاسبوع القادم، الى موضوع آخر مختلف تماما. وهو ما كنت انوي ان اكتب فيه هذا الاسبوع، وهو عن مدينة كمبردج التي اليها لجأت وفي احضانها مارست خمسة اسابيع من الراحة بالنسيان! ينقبض الانسان ويهلع حينما يطلع على اسماء الناجحين في المعركة الانتخابية اذا انطلق في النظر الى الموضوع من زاوية الحرص على لبنان على صعيد الوعي الكامل للخطر الصهيوني عموما وعلى لبنان خصوصا، سياسيا وعسكريا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا ونفسيا ودوليا. وانا لا اتهم هنا نوابنا العتيدين بجهل هذا الخطر او التهاون به او تطبيع الذات معه. لكني لا استطيع، اذا كنت منصفا للحقائق وعادلا في التقييم، ان اضع النواب كلهم على مستوى واحد وبقدر واحد من التحسس بالخطر الاسرائيلي والجدية والفاعلية في مقاومته والرد عليه ردودا تتناسب مع حجمه وخطورته. لقد حملت ثقة الشعب وتحسسه التلقائي بالخطر الصهيوني قلة من المرشحين الى المجلس العتيد، وهم من اصحاب التجربة العريقة في مقاومة الخطر المذكور. وربما حصل ذلك رغما عن محاولات الصنّاع المحليين للقوائم الائتلافية. ويبرز على رأس هذه القلة »رجل الدولة« الاول في لبنان، سليم الحص، »وفارس المعارضة« الاول، نجاح واكيم، ومعهما عدد محدود من رعاة »المقاومة الاسلامية« والوطنية على ارض المعركة. لكن، في المقابل، حرم من عضوية المجلس العتيد عدد كبير من »اعداء اسرائيل« الاساسيين، بالرغم من اتساع شعبيتهم وعمق جذورهم في الجماعة الناخبة ومن تمتعهم عموما بالمزايا والصفات التي تؤهل المرشح للنجاح. »أسقط« بعضهم بمحاصرته وتطويقه بالقوائم الائتلافية »الرسمية«. وسقط آخرون خلال عمليات التصويت والفرز والجمع والطرح. (والامثلة كثيرة. نكتفي ببعض الرموز. من امين الحافظ شمالا الى حبيب صادق جنوبا. مرورا بعصام نعمان ومحمد قباني واسامة فاخوري وانعام رعد وفادي مغيزل وعلي عمار ومحمد البرجاوي وسايد فرنجية. هذا الى جانب رموز اخرى انكفأت عن ترشيح نفسها من الاساس، بفعل الضغوط اياها، مثل الياس سابا وزياد الرحباني ومنح الصلح). ان هؤلاء، وكثيرون غيرهم، كان شعب لبنان اكثر حظا واملا بالقدرة على مواجهة الخطر الاكبر عليه، الاسرائيلي الصهيوني، لو كانوا في عداد مشرعّيه وممثليه والقيمين على شؤونه ومصالحه. ويصعب على المرء ان يصدق ان عدوى الانحلال والفساد والغفلة والاحباط قد انتقلت الى غالبية شعبنا الامر الذي حمله على رفض امثال تلك الرموز بحجة »اصوليتها« العقائدية، الدينية او الوطنية، وبسبب »تطرفها« في مقاومة العدو وهم الاقدر، كما نعلم، على مقاومة مشاريع يخطط العدو ان يتسلل من خلالها ويتسلح بها ليسيطر على البلد وينزع هويته الوطنية (اللبنانية) والقومية (العربية). ان عملية التسلل هذه تحتاج، اكثر ما تحتاج، الى اغراق لبنان وشعبه في ضائقة مالية حادة وجو من الكبت والخنوع. من هنا تتصل مسألتا الحريات العامة والعدالة والمساواة الاجتماعيين بجوهر مقاومة »اسرائيل«، حقا وواجبا وضرورة. وخاصة في مرحلة تعد فيها المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي قد تسهّل عملية التسلل الاسرائيلي او تزيل العقبات من امامه. لذلك فان إعداد البلد للمواجهة والمقاومة يفترض اساسا وقبل كل شيء تحصين المجتمع من ناحيتين، ترسيخ حرياته وحماية حقه المتأصل فيه بالتعبير عن نفسه، وحمايته من الضائقة المالية الخانقة التي تتلازم مع تردي الوضع الاقتصادي واتساع الفجوة بين الاغلبية المحرومة والاقلية المترفة. واذا كان هذا الطرح صحيحا، الا يحق لنا ان نتساءل عما اذا كانت نوعية الغالبية من نواب المجلس العتيد، وخلفياتهم واوضاعهم الاجتماعية والمهنية والاقتصادية، تتيح لهم التحسس الصادق مع معاناة غالبية اللبنانيين اجتماعيا واقتصاديا وتوقهم الى حرية التعبير عن هذه المعاناة؟ ان اوضاعا معينة لبلد ما، سياسية او امنية او اجتماعية او اقتصادية، تفرض نفسها عادة على انتخاباته النيابية لتأتي بالممثلين الاقدر على التعامل مع تلك الاوضاع بمعالجة مشاكلها وتأمين مصالحها. وهنا نترك السؤال للقارئ ليجيب بنفسه: هل يعتقد ان »تركيبة« المجلس العتيد هي التي تتناسب مع الاوضاع الراهنة والاحتمالات المقبلة؟ وهل المجلس العتيد مؤهل لخوض معركة تحصين المجتمع لدرء الخطر القائم والقادم؟ وستبين لنا الايام المقبلة، في السنوات الاربع، مدى صدقية النواب في وعودهم الانتخابية السخية، وخاصة ما تطرق منها الى حماية البلد والحفاظ على استقلاله ومصالحه. ولا شك ان الموقف الفعلي من الاخطار الصهيونية هو المعيار الاول والاكبر لتفحص هذه الصدقية والحكم لها او عليها. وقبل ختم الحديث عن ملف الانتخابات، لا بد من التعرض الى مسألتين شغلتا الناس في الاسابيع الانتخابية الخمسة الماضية. وهما مسألتا الرشوة والتشطيب. نقصد بالرشوة قاعدتيها المتوائمتين: الجزرة والجزر، او الترغيب والترهيب، او الوعد والوعيد. والحديث الشائع عن انتشار الرشوة في المعركة الانتخابية اسلوبا رئيسيا لتأمين النجاح لمرشح وإفشال منافسه (وهو اسلوب يعرفه لبنان جيدا وقد اختبره في معظم معاركه الانتخابية السابقة قبل الاستقلال وبعده) يتركز عادة على استنكار الرشوة بإدانة الراشي (الذي يعد بالجزرة او يتوعد بالجزر) بشكل تبرئة للمرتشي الى حد ما. والواقع ان لا علاج لهذا المرض السياسي الاجتماعي الخطير الا بالاعتراف بمسؤولية الطرفين. ولولا المرتشي لما وجد الراشي ولما نجح في لعبته القذرة. بل انه لولا طلب الرشوة او قبولها لما كانت الرشوة اساسا، او لبطل مفعولها، ولارتدّت اثارها السلبية على اصحابها، الامر الذي يعني ان تحصين اية انتخابات قادمة من وباء الرشوة لا يفترض وضع قوانين وأنظمة تمنعها وتلغي مفعولها فقط وانما تفترض نشر وعي اجتماعي وثقافة عامة بين جمهور الناخبين لصدهم عن اغراءات الرشوة والتعامل مع اصحابها المباشرين (المرشحين او اقطاب القوائم) والوسطاء السماسرة (وجلهم من الساقطين خلقيا وانتهازيي الفرص) تعاملا حازما يبرئ الانتخابات، ولبنان عموما، من هذا التقليد المعيب والمخيف الذي يحوّل المقترع الحر الى رفيق ذليل. ان الكثيرين يعترفون انه لولا الرشوات، بنوعيها الاغرائي والتهديدي، لسقط الكثيرون من الناجحين، ونجح الكثيرون من الساقطين. مع العلم ان عبارتي النجاح والسقوط هنا مجازيتان وتتعلقان فقط بالمقعد النيابي وتنحصران في مدى الحصول عليه او خسارته. ولعله يجوز لنا ان نعمم فنقول ان »النجاح« يكون في احيان كثيرة سقوطا، »والسقوط« نجاحا. وليسمح لي النائب الحالي الذي »سقط« في الانتخابات الاخيرة، الاستاذ عصام نعمان، ان استعير منه قولا معبرا: »لقد فقدت مكاني ولم افقد مكانتي«. ان هذا القول الجميل والصحيح يصدق ايضا على العشرات من رفاق الاستاذ نعمان وزملائه المرشحين السابقين. لقد خسروا مقعدا وربحوا شعبا. ولا شك ان ثقة الشعب اثمن من مقعد لسنوات أربع. اما المسألة الثانية، التشطيب، فقد نظر اليها كعملية رذيلة او عيب ينال من »فضيلة« التقيد بالقوائم الائتلافية والالتزام بها والاخلاص لجميع الاسماء التي تحتويها. والصحيح ان التعبير الديموقراطي الحقيقي يفترض عدم تقيد المرء بقرارات من فوق، وترك باب الحرية امامه واسعا ليختار من يشاء. وهكذا يصبح خرق القوائم (خاصة غير الحزبية، والتي لا تقوم على فكر واحد او عقيدة محددة) هو الفضيلة، ويصبح »التشطيب« تعبيرا عن حق الناخب بان يختار بنفسه من يراه مناسبا لتمثيله في المجلس. وحتى لا تحبطنا نتائج الانتخابات وتضطرنا الى »الهرب« الدائم، وهو فعل سلبي مرفوض، وفي محاولة لاستقراء مستقبل لبنان السياسي الداخلي وانعكاساته الخارجية، نعود الى تكرار رأي الكثيرين من المخلصين والغيورين على لبنان وسيادته، وسعادة شعبه، بضرورة لقاء، وتكتل، جميع القوى والفاعليات التي تتفق على الالتزام بالدفاع عن لبنان امام الخطر الاسرائيلي متعدد الوجوه والاشكال، وان اختلفت فيما بينها برؤاها العقائدية والفكرية وتوزعت بين يسار ويمين وتقدمية ومحافظة ولبنانية منفتحة وعروبة واقعية واسلامية متنورة. ان الارضية الصلبة التي تجمع بين عناصر هذه الجماعات، افرادا مستقلين وقوى ومؤسسات واحزابا وحركات، اقوى بكثير من نواحي الاختلاف، بل التناقض، في وجهات النظر تجاه مسائل اخرى، وبعضها غيبي ولاهوتي، او محلي ضيق. ان للمجلس الجديد لونا غالبا قد ينجح في ادارة سياسة لبنان (ومصيره) في اتجاه معين، سياسي او اقتصادي او ثقافي، على عكس ما يريده ويدعو له قطاع واسع من شعبنا الذي يعي متطلبات المرحلة في صد التسلل الاسرائيلي والصهيوني. وقد تؤمن له الغالبية البرلمانية تقرير تلك السياسة وتنفيذها. لكن قوة الغالبية البرلمانية، على اتساعها وتعدد اصواتها، ليست اقوى من الارادة التلقائية العفوية بمقاومة العدو الكامنة في نفوس غالبية الشعب التي تحتاج الى عمل سياسي تثقيفي وتنظيمي وبنائي يرشدها ويوجهها نحو تنفيذ ذاتها وتحقيق كلمتها. ولا يقوم هذا العمل الا على اكتاف تلك القوى والعناصر والفاعليات الوطنية التي التزمت المقاومة المستمرة ضد العدو الاسرائيلي، سواء كانت داخل المجلس او خارجه. ومن هنا فان عجز العشرات من تلك الشخصيات عن دخول المجلس لن يحرمها، ويجب الا يحرمها، من فرص النضال من مواقعها الاخرى خارج المجلس، بالتعاون مع رفاقها المناضلين من على المقاعد النيابية. وبالتالي، فان مجلسا قويا مثل المجلس العتيد ليس بأقوى من الشعب الذي يمثل.