لم يتمتع فيلم عربي معاصر بالضجة الإعلامية، الإيجابية أو السلبية على السواء، على النحو الذي قوبل به فيلم »ناصر 56«، منذ بداية التفكير في إنتاجه قبل أربع سنوات، وعبر مراحل الانتاج بتمويل من التلفزيون المصري، حين واجه مشكلات عديدة متوالية، وحتى عرضه مؤخراً بعد أن أثيرت شكوك عديدة في أنه قد ينتهي حبيساً في العلب، لأسباب سياسية ليست بعيدة عن التخمين. وها هو أخيراً يجد فرصة للعرض، في فترة الصيف التي تواجه في العادة ركوداً جماهيرياً، فإذا به يجد رواجاً يقول البعض إنه كان متوقعاً على خلفية السياق السياسي المعاصر، بينما عزا البعض الآخر هذا الرواج إلى أسباب الدعاية والإعلام وحدهما. وبين هذا الفريق وذاك يكاد فيلم »ناصر 56« كعمل فني يمضي بعد أن تنتهي كل تلك الضجة إلى زوايا النسيان، من دون أن يوضع في مكانه الصحيح من تاريخ السينما العربية. ففيلم »ناصر 56« هو الفيلم العربي الأول الذي يتناول بأسلوب أقرب إلى التسجيلية أو الوثائقية لحظة تاريخية من حياة زعيم سياسي معاصر، يتمتع بالتأثير »الكاريزمي« الهائل الذي كان لعبد الناصر، كما أنه الفيلم الذي يمكن للعديد من مشاهديه أن يجروا مقارنات مستفيضة بين الأحداث التي عاصروها والطريقة التي تمّ تجسيدها بها على الشاشة، وفي هذين المجالين جاءت معظم الكتابات »الصحافية« وكأنها تدور »حول« الفيلم وليس عن الفيلم، وهذا لا يعني بالطبع أن نضع »الموضوع« التاريخي شديد الأهمية جانباً، لكي نناقش الأمور التقنية السينمائية، ولكنه يعني أن نتذكر أنه حتى في مجال إعداد الأفلام التسجيلية بالمعنى الحرفي للكلمة من شرائط ووثائق سينمائية، حول موضوع أو حدث سياسي ما، فإنه يبقى دائماً أمام الفنان فرصة للإبداع الفني، بين اختيار بعض الشرائط والوثائق دون الأخرى، أو اختيار »شكل« فني محدد لترتيب هذه الشرائط وقصاصاتها، للخروج من ذلك كله برؤية أو »مضمون« خاص، وقد تنتهي أحياناً بعض الأفلام التسجيلية التي تستخدم الوثائق نفسها على أيدي الفنانين المختلفين إلى أشكال ومضامين ربما تصل إلى درجة التناقض، فهل لا يبدو ذلك الأمر أقرب إلى الاحتمال مع فيلم روائي مثل »ناصر 56«، الذي لا يعتمد على المادة التسجيلية، وإنما يختار أن يعيد إحياءها وتجسيدها، من خلال سيناريو محفوظ عبد الرحمن الذي لا يخلو من إضافة شخصيات هي من بنات الخيال، أو »تشخيص« ممثلين يعرّفهم المتفرج بأسمائهم وشخصياتهم من خلال أعمال فنية أخرى، أو حرية المخرج محمد فاضل في أن يحذف أو يضيف، أو أن يقوم على تنفيذ المشاهد المكتوبة باستخدام كل الإمكانات المتاحة لديه للغة السينما الروائية؟ الموضوع والمضمون والشكل من الغريب أيضاً أن يكون فيلم »ناصر 56« هو الفيلم العربي الأول الذي تمتع السيناريو التفصيلي له بالوصول إلى أيدي القراء مطبوعاً في كتاب قبل العرض السينمائي على الجماهير، ومع ذلك فإنك تكاد لا تجد دراسة نقدية واحدة تتناول العلاقة بين مشروع السيناريو والفيلم الذي بدأ عرضه على الشاشة، ليس لأغراض تنحو إلى النزعة الأكاديمية في مقارنات تفصيلية قد لا تهم القارئ أو المتفرج، وإنما من أجل تقويم متأمل لحصاد هذه التجربة الفنية، ودراسة الأساليب الإبداعية المختلفة في تناول »موضوع« واحد، ومن ثم العلاقة الجدلية الحميمة بين »الشكل« و»المضمون«. إن الانطباع العام الذي تخرج به بعد مشاهدتك الفيلم، أو تتبعك الكتابات النقدية حوله، أن »الموضوع« وحده قد احتل فيها المكان الأثير، حتى أنك تشعر أحياناً بأن الأغلب الأعم من المشاهدين والنقاد تركوا أنفسهم لحالة من استدعاء اللحظة التاريخية التي يجسدها »ناصر 56«، بين الحنين إلى الماضي هرباً من الحاضر القاسي، أو الرغبة في البحث عن أسباب كل سلبيات الحاضر في هذا الماضي الذي ينظر له البعض على أنه »عهد بائد«! ونحن لا ننكر على هذا الفريق أو ذاك تلك الحالة الوجدانية المنتشية أو الرافضة لما يرونه على الشاشة، فهذا على أية حال جانب مهم من تجربة التذوق الفني، وإن كان الأهم هو أن يجعلنا العمل الفني أياً كانت الاستجابة له أقدر على فهم الحاضر، وصنع المستقبل، أو ربما كنار أكثر تواضعاً في طموحاتنا لننتظر من العمل الفني أن يكون مجرد خطوة في الاتجاه الصحيح على طريق صنع أفلام تتناول تاريخنا، القريب أو البعيد. فهل استطاع فيلم »ناصر 56« أن يحقق أياً من هذين الهدفين؟ جوهر القضية في رأيي أن ندرك الفرق بين »الموضوع« و»الشكل« و»المضمون« في العمل الفني، بقدر إدراكنا العلاقة الوثيقة بينها جميعاً، فالعمل الفني لا يستمد قيمته أبداً من أهمية موضوعه، فإذا كانت هناك مئات أو آلاف اللوحات عن »المسيح«، فإن ما يبقى منها في تاريخ الفن لا يتجاوز عدداً محدوداً من المعالجات الفنية التي حققت الأصالة في الشكل والمضمون، كما أن معالجة شكلية تقليدية ومعقولة لمثل هذه »القيمة«، قد تعمد إلى أن تضفي على المسيح رونق الأغنياء الذين يرفلون في النعيم وعظمتهم، فلا تترك في النفس أثراً عميقاً مثلما تتركه تلك اللوحات التي جسدت آلامه أو ثورته على الظلم وصراعه مع الشر. لذلك فإن الشكل الفني الذي يختاره الفنان ينبع من رؤيته الخاصة لمضمون موضوعه الذي يتناوله. وليس ببعيد عنا قصة الفنان الإيطالي كارافاجيو في السنوات الأخيرة من القرن السادس عشر، حين طلبت منه الكنيسة أن ينجز لوحة عن القديس »متى« وهو يكتب إنجيله، لتوضع فوق مذبح إحدى كنائس روما، فاختار الفنان أن يكون القديس رجلاً عجوزاً من عامة الناس، أصلع الرأس، حافي القدمين، رث الثياب، أتته »كلمة الله« في صورة ملاك شاب يبدو كما لو كان قد هبط لتوه من السماء، ليملي عليه الإنجيل، فإذا بالقديس العجوز يمسك بالقلم في صعوبة، وانعقد حاجباه من الجهد الذي يبذله، فقداسته الحقيقية كما رآها كارافاجيو تنبع من كونه رجلاً عادياً ألقيت على كتفيه مسؤولية هائلة. وبالطبع فإن الكنيسة آنذاك رفضت لوحته الثورية، وأجبرته على إنجاز لوحة تقليدية أخرى، لقديس أنيق متأمل هادئ، يكتب في صفاء روحي كامل ما يمليه عليه الملاك الجميل، ومع ذلك فإن القديس »متى« العجوز الفقير هو الذي ظل قريباً إلى قلوب المؤمنين. الصورة المصقولة المسطحة لا شك في أن عبد الناصر كزعيم سياسي كان ثورياً حقيقياً، ومع ذلك فإن صنّاع فيلم »ناصر 56«، اختاروا الشكل والمضمون التقليديين لتجسيد هذه الثورية، على نحو يذكّرك على سبيل المثال بأفلام الواقعية الاشتراكية عن لينين، وهو الاختيار الذي يميل إلى تجسيد البطل التاريخي بإضفاء العديد من ملامح النقاد على شخصيته. وربما كان الدافع إلى ذلك لدى كاتب السيناريو محفوظ عبد الرحمن والمخرج محمد فاضل الدفاع عن شخصية زعيم معاصر بحجم عبد الناصر، لم تستطع أن تنجو من معاول الهدم من قوى معادية له ولسياساته طوال ربع القرن الأخير، حتى أن جيلاً كاملاً لم يعد يعرف الحقيقة عن هذه الشخصية التي أصبحت بالنسبة إليه تتسم بنوع من الغموض، فهل هو الزعيم الذي جعل العالم العربي يحتل مكاناً ومكانة مهمين في السياسة والتاريخ المعاصرين، أم أنه الديكتاتور الذي دفع بالوطن إلى هاوية مظلمة يقولون إننا ما زلنا نعاني آثارها حتى اليوم؟! ومن الحق القول إن اختيار اللحظة التاريخية التي يتناولها الفيلم، بين يوم جلاء الاحتلال البريطاني عن مصر في حزيران 1956، والعدوان الثلاثي الذي بلغ ذروته في الأيام الأولى من تشرين الثاني من العام نفسه، هو اختيار يجسد دراما وطن يسعى إلى الاستقلال، بينما يجد نفسه في بطولة تراجيدية مضطراً الى مواجهة قوى عاتية تريد إعادته إلى أغلال العبودية، ولا يستطيع أنسان منصف أياً كانت انتماءاته السياسية أن يتجاهل أن الوطن كان عليه أن يخوض هذا الصراع إلى نهايته. وفي مثل هذا السياق لا شك بأن عبد الناصر نفسه كان بطلاً تراجيدياً على نحو ما، نقطة ضعفه التراجيدية إن جاز أن نسميها كذلك هي الحلم بامتلاك الإرادة الوطنية وإقامة وطن حر، بكل ما تحمله كلمة »وطن« من معنى. (لم يفت صنّاع الفيلم أو بالأحرى مخرجه في مشهد غير موجود في السيناريو تأكيد هذا المعنى في لقطات تسجيلية لشوارع القاهرة في تلك الفترة، وعلى شريط الصوت نسمع أغنية عبد الحليم حافظ: »بكره وطننا ها يصبح جنة وانت معانا«.. ولك أن تحدد مشاعرك تجاه ما آل إليه هذا الحلم الجميل النبيل!). للأسف الشديد فإن »ناصر 56« الذي رأيناه على الشاشة لم يكن بطلاً تراجيدياً، بل لم يكن بطلاً درامياً، وإنما كان »بطلاً« بالمعنى التقليدي للكلمة، يتحلى بأخلاق تتسامى فوق كل أخلاق الآخرين. (لا حاجة بنا إلى القول إن أجمل الأعمال الفنية حول أكثر الشخصيات قداسة هي التي جعلتهم بشراً عاديين، فبطولتهم الحقيقية هي الصراع الذي يحتدم بداخلهم بين الخوف أو الشجاعة، أو بين الركون للمسألة أو قبول المخاطرة، أو بين الرضى بالحياة الفاترة أو الذهاب لأقصى الطرفين الساخن والبارد). إن »ناصر 56« يبدو في حياته شديد التواضع والبساطة والنزاهة والتقشف والترفع عن الصغائر، كما أنه في حياته العامة يعرف دائماً ما لا يعرفه أقرانه، تجد لديه دائماً الإجابة الجاهزة عن كل الأسئلة، يكاد يعرف هدفه قبل أن يبدأ طريقه، هادئ وسط الصخب، ورزين وسط الجموح، ثابت القلب في مواجهة الخطر، لا يعرف الغضب أو القلق أو التردد. وقد يكون ذلك في جانب منه حقيقياً، لكن تصويره على الشاشة لا ينبغي أن يميل إلى المبالغة حتى لا يبدو مثل الصور المصقولة عن قديسين تخلو ملامحهم من الصفات الإنسانية. من جانب آخر فقد وقع الفيلم في السيناريو والإخراج في التسطيح الكامل لعشرات الشخصيات من حول عبد الناصر، يظهر بعضهم ويختفي قبل أن يعرف المتفرج العادي شيئاً عنهم، (الحقيقة أن كلاً منهم إذا أتيح له التصوير الدرامي الناضج يجسد ملمحاً مهماً لصورة بطولة الشعب العربي، التي لا تكتمل بطولة عبد الناصر بدونها)، بينما يظهر البعض الآخر في صورة كاريكاتورية شديدة التبسيط: عبد الحكيم عامر (طارق دسوقي) برعونته وخفة ظله، وحسين الشافعي باقتباساته المتكررة في حواره عن القرآن والأحاديث، وأنور السادات (محمود البزاوي) في إمضائه المتزلف لعبد الناصر بكلمات ناعمة، وصلاح سالم وجمال سالم بتصرفاتهما العصبية التي لا تثير إلا ضحك الأطفال وسخريتهم! الأخيار والأشرار عشرات الشخصيات التي تحمل أسماء تاريخية حقيقية يستخدمها الفيلم على نحو آلي رتيب، دورها الوحيد في »ناصر 56« أن تؤكد بقاءها في ظل البطل الزعيم، وهو ما يقلّل كثيراً من التأثير الدرامي لهذه الشخصيات على المتفرج، بل ربما كان هذا التناول يوحي أيضاً من دون وعي بانفراد ناصر وحده بالقرارات المصيرية، وأنت لن تدري على سبيل المثال لماذا يريد الفيلم أن يجعل من شخصية المفكر والكاتب فتحي رضوان شخصية مترددة متناقضة مع نفسها (للأسف فقد اهتزت الصورة أكثر مع اختيار ممثل متواضع، مزيته الوحيدة هو التشابه الشكلي مع فتحي رضوان، على رغم أن الممثل كان ينظر بين لحظة وأخرى خارج الكادر ليقرأ سطور حوار، على لوحة مكتوبة!)، كما أنك لن تدري أيضاً لماذا تراجع العالم السياسي مصطفى الحفناوي (مخلص البحيري) عن آرائه التي كانت تنادي دائماً بتأميم القناة، عندما بدا أن حلمه قد أصبح قريباً على يد عبد الناصر، إلا أن يكون ذلك جميعه يمضي في طريق استكمال كل الملامح البطولية لشخصية »ناصر 56«. على الجانب الآخر، فإن معسكر »الأشرار« يتجسد في »الباشاوات« الذين تراهم دائماً في كل المشاهد مجتمعين في قصر منيف، ليكرروا الكلمات نفسها، حول انتظارهم سقوط عبد الناصر على أيدي الإنكليز، حتى يوزع بعضهم على بعض، المناصب الوزارية لحكومتهم الوهمية القادمة بأسلوب لا يخلو من البلاهة (!)، بينما يعبر الفيلم عبوراً خاطفاً على شخصية مينزيس (حسن كافي) الذي يصوّره الفيلم رجلاً مغروراً سخيفاً ثقيل الظل، على الرغم من أنه يجسد في الواقع التاريخي ومن خلال المراجع التاريخية المحايدة أكثر النزعات الرجعية التي تعادي التحرر، حتى أنه لم يتوانَ بسبب ولائه المشبوه للغرب عن أن يقوم بنشاط محموم لتحقيق التغلغل الأميركي داخل بلاده أستراليا. إن تلك المعالجة المتعجلة لأحداث مئة يوم حاسمة من تاريخ مصر والأمة العربية بل في تاريخ العالم كله بدت كأنها إعادة »تشخيص« لتاريخ كان من الممكن تحقيقه على نحو أفضل وأكثر إقناعاً من خلال الوثائق والشرائط السينمائية التسجيلية وحدها، لأنها المعالجة التي افتقدت صدق المادة التسجيلية كما افتقدت رهافة التناول الروائي المتخيل، ولأنها لم تخرج في إطارها العام عن ترديد المفاهيم »الرسمية« عن تلك الفترة، وربما كانت إعادة إحياء هذه المفاهيم في السياق المعاصر الذي يحمل بعض سمات التردي تمثل ضرورة سياسية على نحو ما، لكن الفيلم كعمل فني افتقد الكثير من التأثير، كان من الممكن أن يجعل هذه المفاهيم ذاتها ضوءاً يفضح الواقع الذي نعيش فيه، حتى أن الفيلم يبدو في التحليل الأخير نوعاً من »الحل الوسط« بين الرضى عن النفس لإنجاز مثل هذا العمل »الجريء«، والرغبة في عدم المضي إلى آخر الشوط درءاً للصدام مع الأفكار السياسية السائدة، فكأن الجرأة التي يتحلى بها ليست إلا جرأة مقيدة مكبلة. دمعة في زاوية العين وإنك إذا قارنت أعمالاً فنية تاريخية أخرى للكاتب محفوظ عبد الرحمن، لأدركت كيف أن »ناصر 56« لم يستطع أن يحقق الرقة الدرامية وعمق التحليل كما في مسلسل »ليلة سقوط غرناطة«، الذي يتناول في حلقاته الثلاث عشرة وقائع ليلة واحدة تسقط فيها غرناطة، التي لن ترى فيها الأندلس الغابرة بقدر ما ترى أوطاناً معاصرة تضيع على أيدي حكام متخاذلين، أو في مسلسل »أيام من حياة المرشدي عنتر« الذي يحلل فيه على نحو يخلو من التقريرية والمباشرة آليات تحلل الكيان الاجتماعي للوطن خلال فترة السبعينيات. وربما كان من الأفضل لمحفوظ عبد الرحمن أن يترك العنان لخياله الإبداعي لتصوير حقبة »ناصر 56«، هذا الخيال الذي لم يظهر إلا على نحو خاطف مبتور في شخصية حامد الجميل (حسن حسني) الموظف المفصول من شركة القناة، والذي كان لقاؤه المتخيل درامياً بعبد الناصر يمثل لحظة تنوير للزعيم السياسي بضرورة أن تعود القناة إلى الوطن، كما أنه الخيال الإبداعي الذي تجسد في شخصية المرأة العجوز غنيمة الكحال (أمينة رزق) التي تقابل عبد الناصر بعد تأميم القناة، ليتبادلا العزاء في عمال السخرة الذين ماتوا أثناء حفرها، لأن العزاء لا يصبح له معنى إلا بعد الثأر (وإن كان التنفيذ على الشاشة قد مال إلى النزعة المسرحية)، وهو أيضاً الخيال الإبداعي في مشهد مكتوب في السيناريو لم يتم تنفيذه على الشاشة، لعبد الناصر وهو يطوف في قارب بخاري صغير قريباً من تمثال ديليسبس »سمسار« حفر القناة، كأنه يرى فيه رمزاً لعصور من القهر آن لها أن تنتهي. كانت تلك هي اللحظات المتوهجة من سيناريو »ناصر 56«، التي تجسد الأفكار من خلال إطلاق الحرية الإبداعية، وهو ما استطاع المخرج محمد فاضل تجسيده في مشاهد غير موجودة في السيناريو، لذلك القلق الذي استبد بعبد الناصر عندما أعلنت أميركا رفضها لتمويل مشروع السد العالي، في محاولة لإذلال الشعب العربي وإجباره على التبعية. إن »الرجل« لا يستطيع أن ينام، تصوره الكاميرا في أرقه من زوايا وأحجام متعددة متلاحقة، يده المتوترة تهصر الأوراق، ويمضي إلى البحر كأنه يسأله عن الطريق الصحيح، بينما تتصاعد الموسيقى الأوركسترالية في قوة عاصفة، لتنتهي بانفراد آلة القانون بنغماته الشرقية الشجية. كل اللحظات التي أجاد فيها أحمد زكي »تقليد« عبد الناصر ولا نقول تجسيده أو تمثيله لأنه لم يجد لديه شخصية درامية مكتملة ربما تكون قد أثارت إعجاباً أو انبهاراً عابراً عند المتفرجين، لكن اللحظة الأكثر تأثيراً هي تلك التي بدا عندها أن المعركة الدامية قد باتت أمراً محتوماً، ففي عين الممثل الموهوب تلتمع لمعة وليدة تترقرق ولا تنسال، عندها فقط ندرك كم كان عبد الناصر بطلاً تراجيدياً، أو إنساناً حقيقياً يعرف قيمة الثمن الباهظ لتحقيق كرامة الوطن، وتحمّل مواجهة قدر الإنسان. (القاهرة)