{ لاحظت ان ثمة رأيا نقديا أثير مؤخرا حول شعرك هو الانتقال من الخطابة الى المحسوس، ومن الظاهر الى الباطن.. ما هو رأيك؟ لا أعرف، ربما كان هذا رأي أناس متابعين، ما أحسه تجاه قصائدي هو انني اعرف ماذا أريد ان اكتب عنه قبل ان ابدأ الكتابة. وانا اتناول موضوعي بوضوح، والذي كان يسمى مباشرة وخطابية لم يتغير. ولكن تغيرت النظرة النقدية عندما تغير الموضوع. حين أكون جائعا وأكتب عن جوعي اكتب بوضوح. فأفترض ان القارئ يجب ان يعرف مشكلتي من خلال القصيدة، وكذلك الامر حين اعشق فتاة، يجب ان أعبر عن عشقي بوضوح، وان يصل هذا العشق الى القارئ أو الى الفتاة على الأقل. بالطريقة ذاتها كنت أعالج الحالتين. والنقاد اعتبروني خطابيا في الحالة الاولى. ووجدانيا في الحالة الثانية. هذا يدل على ان الرأي النقدي هو موقف من الموضوع لا من الاسلوب. شرارة الشعر { في هذه الحالة كيف تستحضر الشعر.. كيف تستحضر القصيدة؟ هناك شرارة تأتي من صدامك مع الواقع، قد تأتي الشرارة من عين جميلة او من رائحة الخبز او من خبر تقرأه، ثم تنجح هذه الشرارة في إشعال الحريق في داخلي، الذي يحترق هو تراكم الخبرات والتجارب والثقافة والمشاعر، هذا الحريق هو الذي يولّد القصيدة. الشرارة هي التي كان يقول عنها النقد القديم: مناسبة القصيدة. ان المناسبة او الشرارة لم تفعل اكثر من إشعال الحريق، ولكل انسان حريقه، هناك حرائق ليست أكثر من دخان، وحرائق اخرى تلتهم الروح. ربما انني غزير الكتابة، وفي مجالات متعددة، لا أجد نفسي مضطرا لكتابة القصيدة الا حين أعجز عن تحمل الحريق. كل ما يمكن احتماله يمكن التعبير عنه بوسائل اخرى. ربما بالبكاء، او الصراخ، او الضحك، حين لا ينفع هذا كله، تفرض القصيدة نفسها. { اعتقد انك نجوت من التجريب. من الغموض الذي يلف العجز الشعري عند البعض.. هل خططت لذلك؟ لا، لكنني كما قلت، اتعامل مع نفسي، ومع العالم الخارجي ومع ادواتي التعبيرية بوضوح. ومع الايام تتطور الكفاءة في استخدام الأدوات. نتيجة لتطورك وتعمق تجربتك وزيادة اطلاعك، هذه الامور يجب ان تزيدني وضوحا، بدل ان تجعلني غامضا، كل شاعر يجرّب، وليست النسخ المتعددة للقصيدة الواحدة والتشطيب الذي يطرح عليها الا تجريبا. الذين يستهينون بالقارئ وبالشعر هم الذين يقدمون تشطيباتهم على انها تجريبية شعرية. من حق القارئ علينا ان لا نتقدم اليه الا ونحن في احسن حالاتنا، اي وقصيدتنا قد وصلت الى نضجها واختمارها. عند رفع الكلفة فقط، او الاستهانة بالآخرين، تستقبله وانت بملابسك الداخلية. وما يطغى على سطح الحياة الشعرية في العقدين الاخيرين ناجم عن سوء فهم لمعنى التجديد والتباس معنى الشعرية، او التقليد الممسوخ لأصحاب تجارب خاصة بهم، وسواء كان هؤلاء من أعلام الشعر العربي، او الأدب العالمي. ان لكل شاعر تجربته الخاصة به، وهي لا تصلح لي سواء كانت هذه التجربة لأدونيس او خليل حاوي او اليوت. انني اقرأهم باحترام واتعرف الى طريقة تعبيرهم الشعرية، لان هذا يغنيني، فاذا اغتنيت فعلا، يجب ان اكون قويا بحيث أتمكن من الابتعاد عن ظلالهم. ان عدم حرص الكثيرين على ذلك، هو الذي يجعل اصواتهم مشوشة او اصداء للآخرين. ثم يلقون التهمة على القارئ الذي لم يفهم غموضهم، او لم يغفر لهم تقليدهم الغير. { إذاً، في اي مناخ تدور مجموعتك الجديدة؟ لا شك ان في مناخها ذلك الاحباط الذي يغلف حياتنا في السنوات الاخيرة. وقد عبرت عن نفسي بمحاولة العودة الى الطفولة ومرابعها للاختفاء والاحتماء. لكن الطفولة ضاعت فلم أعثر عليها، ولذلك بقيت في العراء. ربما كان هذا تلخيصا مجحفا للتجربة في هذا الديوان. { تعددت، كما ذكرت سابقا، تجاربك الابداعية بين الرواية والمسرح والتلفزيون. الا تعتقد ان هذا التنوع يشكل عبئا على المشاعر؟ ربما نعم.. وربما لا.. هذا سؤال أواجهه دائما مع نفسي ومع الآخرين: هل كان من الممكن ان اكتب شعرا أفضل، لو انني لم انشغل بأمور اخرى. ربما. ولكن ربما ايضا ان الشعر الذي قدمته هو كل ما استطيع تقديمه، حتى لو لم اكن أعمل اي شيء آخر، انها مغامرة على قدّ العمر. ولا بأس من هذه المغامرة. طالما اننا نرى في كتابة كل قصيدة وكل عمل ابداعي آخر مغامرة. فلنجمع المغامرات كلها في سلة واحدة. ولننطلق على مبدأ الطرماح: »واني لمقتداد جوادي وقاذف / به وبنفسي اليوم احدى المعامع« { وانت في منجاة من المعاناة الشعرية، توجهت الى المسرح ايضا.. هل في المسرح وجدت ممدوح عدوان الآخر؟ طبعا. لقد أتاح لي المسرح، وبعد ان تخلصت من وهم المسرح الشعري. ان أقيم حوارا حقيقيا مع نفسي. تجلى في القدرة على طرح حوارات في المشهد الدرامي ومن النوع الذي سماه إيليوت: الصوت الثالث. ان المسرح فن مستقل وله خصوصيته. وانا اتعامل معه حسب هذه الخصوصية في كل مرة، اي انني انسى كوني شاعرا حين اكتب للمسرح. مثلما أنسى انني كاتب مسرحي حين اكتب القصيدة. ولكن لا يمكن الادعاء ان الفصل بين الفنين كامل، خصوصا لدى الشخص الواحد الذي هو أنا. فقط نلمح في بناء القصيدة نموا دراميا، كما نلمح في المسرحية شفافية شعرية أحيانا ووهجا شعريا احيانا اخرى. مسرحية الشخص الواحد { كتبت مسرحية الممثل الواحد، أو الشخص الواحد هذا من أصعب الكتابات المسرحية. كيف يُجسد شخص واحد مسرحاً بعدة ساعات؟ كتبت فعلا أربعة اعمال مسرحية من هذا النوع: »مونودراما« والانطلاقة في الكتابة المسرحية هنا لا تختلف في جوهرها عن الكتابة المسرحية الاخرى. المسألة هي البحث عن جوهر الصراع الذي تقوم عليه الدراما. هناك صراع طبائع وصراع مصالح وصراع قوى. وكله يصلح للمسرح. فهل يصلح صراع الانسان مع نفسه كحالة درامية؟ انا اقول نعم، وأستند الى تجارب عند كبار كتاب المسرح حين يفردون الشخصية لتقول المونولوج. هذا المونولوج نوع من مسرحية الشخص الواحد، وقد رأيت مثلا ان من الممكن اعتبار مشهد »نكون او لا نكون« عند شكسبير حين يحاول هاملت ان ينتحر، نموذجا لمونودراما متكاملة. طبعا هناك تجارب من نوع آخر لا أحبها، وهي حيلة الكتاب في الممثل الواحد للجوء الى الشعرية او الرمزية. انا أميل الى التقاط اللحظة الواقعية، المتفجرة التي تجعل الانسان في الحياة اليومية يكلم نفسه حتى ولو في الشارع دون ان ينتبه للآخرين او يحسب حسابهم، هذا الانسان منشغل بموضوع يؤرقه، وهو يقلب الأمر على اكثر من وجه. هذا التقليب هو حالة من التداعي التي التقطها لإنسان مأزوم. اي ان تجربة الممثل الواحد جعلتني اهتم باللحظة الواقعية اكثر. المسرح في سوريا { ما هو رأيك بالحركة المسرحية في سوريا؟ شهدت الحركة المسرحية في سوريا نهوضا متميزا في الستينيات والسبعينيات. ثم تراجعت في الثمانينيات والتسعينيات، ولكننا نحن الآن على ابواب صحوة محتملة. ومن المتوقع ان نشهد تغيرا نوعيا. المتميزون الآن هم انفسهم: سعد الله ونوس، وليد اخلاصي، فرحان بلبل ورياض عصمت.. اضافة الى عدد من الشبان الخريجين من الاكاديميات الذين ينشطون الحياة المسرحية بإخراجهم امثال فايز قزق وغسان مسعود وعجاج حفيري. يضاف الى ذلك دفعات الخريجين من المعهد العالي للفنون المسرحية والذين تظهر بينهم مواهب تمثيلية عالية ومواهب كتابية أيضا. عن التلفزيون { شاهدت لك العديد من المسلسلات التلفزيونية، وبشكل كثيف، هل هي مشاريع روايات.. هل تقتبس من آخرين، أرجو ان تحدثنا بالتفصيل عن هذه التجربة. سبق ان شبهت السهرة التلفزيونية بالقصة القصيرة، والمسلسل بالرواية، فتجربتي مع الكتابة التلفزيونية لن تجعلني أحوّل المسلسلات الى روايات. لكنها زادت في امكانياتي على كتابة الرواية. وانا الآن بصدد الانتهاء من عمل روائي طويل بعنوان »عدوي« تدور احداثه في الحرب العالمية الاولى او ما اصطلح على تسميتها مرحلة »السفر برلك«. اما ما كتبته للتلفزيون. فبعضه من تأليفي. وبعضه مقتبس عن روايات عالمية. وعند الاقتباس أفعل ما يلي: آخذ اللقطة الاساسية الموجودة في العمل الادبي. ثم أعيد صياغتها ضمن الواقع المحلي السوري. ومن خلال شخصيات سورية بكل معنى الكلمة. من الممكن مثلا ان اكتب مسلسلا عن شاب قادم لحضور جنازة أبيه. ثم يأتي من يهمس له ان أباه قد مات مسموما. فيبدأ تحرياته ليكتشف ان عمه هو الذي قتل أباه. هذه لقطة من هاملت. ولكن يمكن بناء مسلسل في بيئة عربية وبشخصيات عربية معاصرة او تاريخية او بدوية حول هذه الفكرة. هنا تحدث بعض الالتباسات. من جهتي لا يغيرني ان اكتب عنوان المسلسل »الثأر« مثلا. وأضيف تحتها »عن هاملت« لا يغيرني ماديا ولا معنويا، لكنه يحدث ان المنتجين يهملون هذه الاشارة على الرغم من انني اكتب »سيناريو وحوار ممدوح عدوان« ولا اكتب كلمة تأليف. كما انني صرت احيانا اصر على وضع كلمة: اعداد او اقتباس. ولكن، بالمقابل حين اكتب مسلسلا عن هذا الشاب المعاصر الباحث عن قاتل ابيه، وادخله في دوامات دوائر الشرطة. والعلاقات الاجتماعية السورية المعاصرة.. ما الذي يكون قد بقي من هاملت شكسبير، أوليس من الممكن ان تسبب الاشارة الى المصدر المعروف جدا تشويشا في ذهن المتفرج وهو يحاول ملاحقة التفاصيل التي يعرفها عن هاملت في هذا المسلسل المعاصر. الملك لير مثلا. يوزع ثروته وملكه على ابنتيه ويحرم الثالثة. فتنبذه البنتان وتقع المأساة. هذا عمل لشكسبير. قدم التلفزيون منذ فترة مسلسلا عن رجل معاصر يوزع ثروته على اولاده فيهملونه. الفكرة مأخوذة من الملك لير، ولكن البنات استبدلن برجال. والرجل يوزع ثروته لانه ذاهب الى الحج ويخشى عدم الرجوع، وحين يعود تظل له المكانة الاجتماعية والدينية مع المصداقية التجارية، ولكن لم يبق لديه رأس مال. والاولاد بدأوا مشاريعهم التجارية. ما الذي بقي الآن من الملك لير؟ هذه هي الاشكالات التي نواجهها في الكتابة التلفزيونية. { ولكن.. أليس في حياتنا الاجتماعية المحلية ما يغني عن هذا الاقتباس؟ من الممكن طبعا الاستغناء عن الاقتباس.. ولكن الاقتباس هنا لا يأتي من أجل جلب حياة اجتماعية أخرى بعيدة عن حياتنا ربما طرح السؤال بطريقة أخرى.. ما الذي سيحدث لهاملت لو انه عائد من الدراسة في باريس الى دمشق في العام 1996. هنا نكون قد استندنا الى بنية درامية قوية من اجل التصوير الدقيق وربما الاكثر دقة لمجتمعنا. وأقول لك تجربة: عند هجمة المسلسلات البدوية، طُلب إليّ ان اكتب مسلسلا بدويا فرفضت، لان السوية السائدة لم تكن تعجبني، وقلت: لا اكتب مسلسلا في بيئة بدوية الا اذا اعتمدت على قصة من نوع هاملت او روميو وجولييت. ففي روميو وجولييت لديك العداء العشائري وقصة الحب المعقدة وفرص المواقف الفروسية. ولكنها ضمن دراما متقنة، ولو فعلت ذلك، ربما صار اسم »روميو« »خالد«. ولطرحت مشكلات الشاب البدوي المعاصر في البيئة العربية من خلال خالد الذي كان روميو. هذه هي الحالات التي يبرز فيها الاقتباس. اما الحالات الاخرى. فأنا معك بان واقعنا غني وفيه المادة الكافية والمشكلات اللازمة لعمل تلفزيوني ناجح. حاوره: ياسين رفاعية