As Safir Logo
المصدر:

نص.البحر والسفينة..وهي!

المؤلف: مينة حنا التاريخ: 1996-09-06 رقم العدد:7485

قال بدر لغيداء: أعتذر يا غيداء لأن هذا الكلب تمسّح بي بقدر أكبر من المعتاد. قالت غيداء: لا حاجة للاعتذار يا بدر.. غابور أراد إثارة غيرتي! هذا صحيح، لأنه ذهب بعيدù في ظنونه، وكان لا بد من ردعه، وقد هممت، ثم وجدت أن تأديب أمثاله غير لائق وأنتِ معي. أنا كنت عبئù عليك! عبء!؟ عن أي عبء تتحدثين!؟ لقد شربنا قليلاً، وتسلينا قليلاً، وهذا في ذاته مدعاة للسعادة. أنا من جهتي سعيدة، وقد اكتسبت خبرة من كل ما رأيت وسمعت.. ما رأيك بأن نذهب إلى قمرتي، لإزالة سوء التفاهم بينك وبين هزار؟ يرضيك أن أذهب إليها؟ بل تأتي إليَّ! هزار هذه لا شيء، لكنها أخطأت وسأجلعها تعتذر لك.. ما رأيك؟ اسبقيني وسألحق بك. أفهم من هذا أنك ترفض دعوتي؟ شد على يدها التي أخذها بيده وقال: بدر، يا غيداء، له كلمة واحدة، هي فعل دائمù.. إنني ألتزم بكلمتي في كل أحوالي، ما أقوله أفعله، ولو دفعت حياتي ثمنù لذلك.. أنت لا تعرفينني بعد، وفي هذا عذر لك.. اسبقيني. سبقته غيداء. دخلت قمرتها فلم تجد هزار. كانت ثمة ورقة على الطاولة، فيها هذه الكلمات »ذهبت إلى المسبح وسأبقى إلى الليل.. سامحيني على طيشي. أحبك جدù جدù جدù!، هزار« ابتسمت غيداء »هذه الفتاة طيبة، لولا أنها رعناء، يمكن، في كل وقت، أن تُستفز وأن تُضلل.. ماذا أقول لبدر؟ خدعتك؟ لا! بدر يعرف أنني لا أمارس الخداع، وأنني كنت راغبة، بصدق، في إزالة سوء التفاهم بينه وبين هزار، لكن هزار غير موجودة، وهذه الكلمات التي تركتها لي تؤكد صدقي، وسأطلع بدرù عليها، وله، بعد ذلك، أن يصدق أو لا يصدق«. 19 طُرق باب القمرة بلطف. فتحت غيداء وهي تبتسم مرحبة. قالت: لا تؤاخذني على هذه الفوضى يا بدر! وضع بدر يده على كتفها وقال: القمرة غير الصالون، والفوضى، هذه، هي هي في كل مرة، وهذا وحده دليل على أننا في البحر، وأن السفر في البحر سفر في الفوضى، ما دامت السفينة هي الأرجوحة، ونحن نتأرجح معها، في حالة من عدم التوازن الكامل أحيانù.. ماذا بك؟ تمسكت غيداء ببدر وقالت: لا أدري! السفينة على غير عادتها، لنجلس قبل أن نسقط، هل هناك عاصفة أخرى؟ احتواها بدر بلطف. أجلسها على مقعد قريب وهو يبتسم، قال واقفù: لا! ليس من عاصفة، السفينة تغيّر اتجاهها، وهناك ارتفاع قليل في الموج، وبعد قليل يهدأ كل شيء، اطمئني. معك أطمئن، فأنت قبطان وتعرف، لكن هزار غير موجودة مع الأسف. هل عليَّ أن أنصرف؟ هتفت غيداء: كيف؟ ولماذا؟ اقرأ هذه الكلمات! أنت، يا عزيزتي، بغير حاجة إلى »شهادة حسن سلوك«، وأنا لست بالشكّاك. أستطيع، من نظرة، أن أسبر نيات الآخر أو الأخرى، أنتِ صادقة، وأنا واثق من صدقكِ، فلندع الحرج جانبù! اقعد إذù! قد تقع إذا بقيت واقفù. أقع!؟ هتف بدر ضاحكù، معنى هذا أنني لا أعرف حتى أبجدية العمل في البحر! قالت غيداء: لم أقصد يا بدر! لكنني، أنا، أتمايل وأنا قاعدة.. ماذا يقول الرصد الجوي؟ يقول إننا نجتاز مطبù بحريù، كما تجتاز الطائرة مطبù هوائيù.. ما رأيك بأن تستلقي قليلاً؟ هذا أفضل من البقاء على المقعد، لكنني لا أستطيع الوقوف أو الانتقال إلى السرير. انحنى بدر واحتضنها. صاحت غيداء: ماذا تفعل؟! اسندني فقط! أنا مضيف بحري الآن، تعالي.. رفعها بين ذراعيه، وضعها على السرير في حالة استلقاء، قال وهو يغطيها بشرشف: اطمئني! اجتزنا المطب البحري.. بإمكانك النهوض الآن، أو بعد دقائق، ماذا أفعل لأجلك؟ أن تستريح.. أرجوك! أنا مستريح تمامù، هل تشعرين بدوخة؟ لا! إنني بخير، لكنني.. محرجة! وللمرة الثانية، خلال وقت قصير جدù. أعرف.. المرة الأولى لأن هزار غير موجودة، والثانية لأنني ساعدتك على الوصول إلى السرير، وماذا أيضù!؟ هذه ال»أيضù« أعرفها ولا أعرفها.. اسمع، هناك نقر على الباب، وأنا في هذا الوضع، تصرف، أرجوك. مدّ يده إليها، ساعدها على الجلوس في سريرها، فتح الباب، تناول صينية عليها زجاجة شمبانيا، قدحان، وصحن من المقبلات، وبعد أن أغلق الباب سألت غيداء: ما هذا؟ وليمة؟ ولِمَ لا؟ علينا، الآن، أن نحتفل باجتياز المطب البحري، وبقدرتك على مقاومة دوار البحر! هيا! تعالي أو أحملك ثانية، كما تقضي الأصول! قالت ضاحكة: أصول البحر؟! أصول إعادة الشيء إلى موضعه، وفق اللائحة البحرية! واللائحة البرية! والجوية أيضù! مدّت غيداء يدها تسوّي تنورتها تحت الغطاء وقالت: مَن يصاحب بحارù يجب أن يكون بحارù، وأن ينظر في عيني ملك البحر بغير خوف! قال بدر: ملك البحر الذي تعنينه لا يخيف! قفزت غيداء من السرير وقالت: أنا لا أعني أحدù! لكنك، ولا أدري السبب، مخيف بما فيه الكفاية.. ماذا فعلت بالتحّ؟ أدّبت به أولاد العاهرة كلهم! أنت مجنون، وهذا ما تفتخر به، إلا أن الافتخار لا يعفي من العقوبة، ماذا لو ألقيت التحّ في البحر فعلاً؟ أكون قد أعدته إلى حضن أمه، وهذا من أصول البحر أيضù! ورشقك وجه غابور بالويسكي؟ من أصول البحر أيضù وأيضù! وحملي إلى السرير؟ لا! هذا من المودة. أنت لا تود أحدù، واسمح لي بهذه الغلظة غير المتوقعة من امرأة. لا تستستمحيني على صراحتك.. أنت، يا عزيزتي، على حق؛ إنني لا أمنح ودي إلا لنفسي، وفي حالات نادرة! هل هذا لأنك تريد أن تنتقم من ظلم الحياة الذي حدثتني عنه؟ تفرّس بدر بها مليù وهي تمشط شعرها، فكّر للحظة وقال: الحياة هي الكون، وظلم الكون لا يزيله فرد، ولا يثأر منه للمظلومين فرد أيضù.. لقد قرأتِ، كما قرأتُ، دون كيشوت، وحربه ضد طواحين الهواء، كانت هذه طريقة في محاربة الظلم، فكّر فيها سرفنتس وهو في السجن، وقد فكّرت مثله وأنا في السجن، إلا أن محاربة طواحين الهواء، على رمزيتها الجميلة والرائعة، لم تعد مجدية الآن، وكل من يحاول تقليدها سيفشل، عدا عن أن التقليد نفسه غير لائق، لأنه محاكاة ممجوجة. هناك سرفنتس واحد، لزمن واحد، وقد تغير الزمن الآن، وأصبحت للكفاح، في سبيل العدالة الاجتماعية، تقاليد مستخلصة من بيادر التجارب والخبرات، خلال كل هذه الأعوام الرهيبة التي مرت على البشرية، ومرت بها البشرية.. هتفت غيداء: كم أنت واضح يا بدر! قال بدر: الوضوح يكون مع النضوج، لا قبله ولا بعده.. فمع كل معاناة تكون فكرة، إلا أن الفكرة تلد فكرة، وكل فكرة جديدة تتطلب نضوجù جديدù، والنضوج الجديد يعطي وضوحù جديدù، وهكذا.. لا تنسي أنني درستُ الأدب العربي، ومارسته تدريسù ونضالاً، ولو فترةً قصيرة، وإذا كنت لا أستطيع، بمفردي، أن أزيل ظلم الحياة، فإنني أستطيع، بمفردي، ألا أصالح الحياة، ولا أخافها، وهذا ما أفعله.. كفى فلسفة بائخة يا غيداء، تعالي نحتفل بشيء أهم: تعارفنا، لقائنا، مودة أحدنا للآخر، وصدقيني أن شرب الشمبانيا، برغائها الزبدي، أفضل ألف مرة من الكلام على الزبد، وهو جفاء كما تعلمين.. أم أنك مصرة على أنني لا أود أحدù سوى نفسي؟ لا تكوني، يا غيداء، شاطرة بأكثر مما يجب، الشطارة، أحيانù، تجلب المتاعب، ونحن بغنى عنها، خلال وجودي معك على الأقل. قارح! قال بدر مرحù: نعم! هذه هي الكلمة، هذا هو الاعتراف بأنني قبطان، شكرù.. أضاف: سأخض هذه الشمبانيا المبردة، كي تفرقع بقوة عندما تدفع سدادتها إلى أعلى، اجلسي أنت، وهيّئي القدحين فقط.. واحد.. اثنان.. ثلاثة! طارت الفلينة في فضاء القمرة، بفرقعة لعبة نارية، وفار السائل الماسي منسفحù على الأرض، وعلى الطاولة، وثياب غيداء، وبدر يقهقه، كأنما استعاد رومانسية الشباب، وبعد أن سكب الشمبانيا في القدحين، رفع أحدهما قائلاً: نخب هذا اليوم الجميل، الهارب من الماضي! رفعت غيداء قدحها وقالت: نخب الماضي والحاضر، خاصة الحاضر، الذي صنع لي بهجة ما توقعتها أبدù.. يا لك من طفل! قال بدر بعد أن شرب على رنين الكأسين: البهجة في داخلنا دائمù، لكننا لا نعرف كيف نستخرجها، وكيف نستمتع بها أحيانù! يكفي أننا نستمتع بها الآن.. اجلس ولا تقل أي شيء.. دعني أتملّى وجودنا معù! بعد ربع قرن أو أكثر من المعرفة الصامتة.. ومن النظر إليك من بعيد!؟ هذا أفضل، بمعنى ما، لأنه أتاح لنا لذة هذا الاكتشاف، الذي تعتق كالخمرة.. شربت غيداء جرعة أخرى وقالت، مضيفة بتألق جمالها، جمالاً آخر على الجو: ماذا يقول العنقود للدالية؟ وماذا تقول الشفة للقلب؟ وبماذا يفكر غابور الآن؟ وبأي ريشة ترسم السيدة توليب؟ وضعت كأسها على الطاولة الصغيرة وقالت: ما شأننا وهذه السيدة يا بدر؟ أم أنك تتعمّد الإساءة إلى شعوري، بتذكيري بأنني، في هذه اللحظة، مثلها تمامù، أبكي بين يديك؟ رد بدر بجدية: أعرف، يا غيداء، أنك لا تبكين بين يدي، أو بين يدي أي سلطان في هذا الوجود، ما قصدته هو التالي: الريشة التي ترسم بالدمع، غير الريشة التي ترسم بالصباغ، ومنظر الغروب الذي تعمل عليه السيدة توليب، سيكون أروع الآن، وفي وسعها، من بين دموعها، أن تضع اللمسة الأخيرة على لوحتها. هل لهذا أبكيتها؟ وهل ترينني ساديù؟ ليس الرجل السادي وحده من يجعل المرأة تبكي! وليس الرجل غير السادي من يتقبّل الإهانة ويبلعها! قلتُ لك إنك لا تبكين، وعليَّ أن أقول لك إنني، أنا أيضù، لا أبكي، لانتفاء رغبة العدوان على الغير لديَّ.. إن من يلهث وراء المرأة هو غيري، ومن يركع أمامها متذللاً هو غيري، ومن يسيء إليها هو غيري أيضù.. ذكرتِ، أنت، غابور، فذكرت، أنا، السيدة توليب، وبعفوية خالصة! آمل أن يكون الإشكال قد حُلَّ، بعد هذا الإيضاح الذي لا ضرورة له، والذي أجد نفسي غير مجبر عليه، لولا معزتك عندي.. لنشرب إذù كأصدقاء، وبالمرح نفسه الذي كنا عليه. كأصدقاء فقط!؟ حتى الآن نعم! هكذا بحسم؟ الحسم يمليه الوضع الذي نحن عليه. هذا كل ما لديك؟ وفوقه المعزة، كانت على مدى ربع قرن، وهي الآن كائنة، على رغم اتهامي بأنني لا أود سوى نفسي! وكذلك السيدة توليب! بلى! السيدة توليب أيضù. وأنا!؟ صديقة! لماذا تصر على عدم ترفيعي؟ مَن قال هذا!؟ إنك، منذ هذه اللحظة، برتبة أدميرال، تأمرين فأطيع، بصفتي قبطانù لديك. ساخر! وماذا أيضù؟ ماجن! وأيضù؟ غضوب! وبعد؟ أنت رهيب بأكثر مما تصورت! هذا صحيح يا سيدي الأدميرال! قالت غيداء: الأدميرال يأمر قبطانه العزيز بأن يشرب نخبه. هتف بدر: نخب واحد فقط؟ هذا يكفي لهذه اللحظة، مع ابتسامة تزيل هذه التكشيرة من على وجهك! قارحة! واحدة بواحدة! أنثى خطيرة! بالتدريج.. »الديبونة« أولاً! هذا ما تعلمته منك، ثم الويسكي، وبعدها، كخاتمة، الشمبانيا، هذا ما يسمونه الشرب على الطريقة الفرنسية.. هل أضايقك إذا خلعت هذا الشال؟ أبدù! كوني أنت، وعلى الطريقة الفرنسية المفضلة لديك.. وبالتدريج، على الطريقة نفسها! وأنت!؟ أي طريقة تفضل؟ قال ضاحكù: طريقة آبائي وأجدادي! وإذا كنت أجهلها؟ أبعث إليك بجدي، كي يعرّفك بها. وإذا كان الجد مثل الحفيد؟ تخسرين ليلة من العمر! والذنب على مَن في هذه الخسارة؟ على الآنسة لويزا! تعاقبني كما عاقبتها؟ تناول جرعة من كأسه، فعلت غيداء مثله، ناولها قطعة من اللحم البارد بالشوكة، وفي فمها مباشرة، من دون ممانعة منها. أطرق، خيم صمت، نظرت إليه، لم يطرف أمام نظرتها. لم تشكره على لطفه، لم يقل لها »تفضلي!« وهو يقدم لها كأسها. »إنها مجربة!« »إنه مجرب!« وعندما سألته: لماذا أنت صامت؟ أجابها: كي أفسح لك مجال الكلام. وإذا لم يكن لديَّ ما أقوله؟ يتحدث كل منا مع كأسه! وماذا قال لك كأسك؟ قال لي: »اسألها إلى أين تريد أن تصل!«. أجابت ضاحكة وبعفوية: إلى الخط الأحمر! وأين يقع الخط الأحمر هذا؟ بين النظرة والأخرى من عينينا! وأين موقع الكأس من هذا الخط؟ على الحد تمامù، ثم لا تجاوز! قال ضاحكù: هذا إذا ما كانت هناك رغبة في التجاوز، بالنسبة إلي على الأقل. أضاف: أدعك الآن لتستريحي.. أنت، كما يبدو، تعبة! مغالط! وماذا أيضù؟ مماحك! في أي شيء؟ في قول الكلمة الأولى، الكلمة التي تقضي اللياقة بأن يقولها الرجل للمرأة، لا العكس! وقف بدر وقال: إذù أنا لست برجل! انتصبت غيداء واقفة وهي تفتح ذراعيها: بل أنت هو الرجل، أنت حبيبي الذي ضنّ عليَّ بهذه الكلمة حتى قلتها أنا! ماذا تريد أكثر؟ قال بدر وهو يدعها تحتويه: لا شيء يا غيداء، هذا كرم منك.. كرم لا أعرف كيف أقابله، وكيف أكافئك عليه. بأن تقبلني، تقبلني بطريقة القبطان، وقوته، وعنفوانه، وكل جنونه أيضù. أخذها بدر بين ذراعيه. التهبت شفاه أربع. طقطقت عظام الظهر، التمعت العيون، التقى الحوضان في التحام كامل، استعلنت النزوة، شهقت، صرخت، انفرج الفم عن قواطع حادة، رهيفة، يتشهى على الناب منها لهب شاحب، يتلظى، لا ماء يرويه أو يطفئه، وبحركة من يدها خلعت عن كتفيها، وعنقها، وصدرها، بلوزة قطنية بيضاء، رمت بها على المقعد، وعندئذ رأى بدر، لأول مرة، مفاتن جسد أبيض، بض، جميل، مثل الوجه، والساقين، واليدين، والأصابع التي اشتعلت على رؤوسها وقدة من جحيم شبق، ليس بالمحروم، وليس بالشَبِع.. إنما كنهم إلى ضجعة موت، فيه رعشة لذة مسعورة، تشد بجسد الآخر، وبأقوى ما يمكن، إلى هاوية الغيبوبة، فالفناء، عبر الامتزاح الكامل! وفي قلب هذه المحرقة الجسدية، النازفة نارù، قالت غيداء: خذني إلى السرير، إلى السرير وبسرعة، أنا لك يا بدر، يا حبيبي! عندئذ، وفجأة، جاءت ردة فعل مباغتة، منتقمة، باردة كدم الأفعى، قام بها بدر، مقصيù جسد غيداء عنه وهو يقول: كفى! ثلاثون عامù تقريبù، وأنا أنتظر هذه الكلمة: »أنا لَكَ!« لأنني، خلال كل هذه الأعوام، ومن دون أن أقترب منك، أنت المطوّقة دائمù بالمعجبين، كنت، في ذاتي، أردد عبارة واحدة: »هذه المرأة ستكون لي!« وها أنت لي أخيرù، وهذا ما راهنت عليه، وإني لسعيد جدù في لحظة كسب الرهان هذه، وممتن جدù لأنك أدركت ألا مناص، فاستسلمت بدون مزيد من مكابرة! أشعلت غيداء سيكارة ويداها ترتجفان، وقفت قبالة بدر تمامù، غرزت نظراتها المسنونة في السواد من عينيه، وقالت: إذù كنت تراهن، طوال هذه المدة، على عبارة تافهة، تقولها أي امرأة لأي رجل؟ قال بدر هادئù، جادù، والسيكارة في يده: كنت أراهن على شيء ثمين وليس بتافه، وكيلا أطيل، أقول لك بصدق: »كنت أراهن على ثقتي بنفسي!«. وأنت، الآن، منتشٍ لأن هذه الثقة قد تحققت!؟ تمامù كما تقولين! نذل! أفرغ كأسه دفعة واحدة في حلقه وقال: نعم! نذل! كنت، في رهاني، نذلاً يا غيداء، لكنها كانت تجربة مفيدة، لي ولك على السواء. صاحت غيداء: مفيدة لكَ وحدك، وبشكل خالٍ من الشرف. قال بدر: تجربة الوثوق بالثقة، تساوي ما تحملت من ألم لأجلها.. لكن ثقتي ليست أي ثقة، إنها ثقة بالممكن من الأمور، مع العمل والمثابرة، وهذا امتحان صعب، لكن النجاح فيه ليس بالمستحيل، أليست هذه مقولة تصلح لأن تكون نظرية متكاملة، في كفاحنا مع الحياة ومع الظلم من حولنا، إذا ما عزلنا هذه النظرية عن الأنانية المتبدية فيها؟ وإذا ما حوّلناها من الخاص إلى العام؟ تعلمي، يا غيداء، الثقة بالنفس، والوثوق بتحقق هذه الثقة في إطار الممكن، وهذا هو المفيد لكلينا، في مواجهة الحياة الصعبة التي نحياها، وفي مواجهة »هذه المهزلة ونذالة هذه الأيام« كما يقول ناظم حكمت.. اعترف. هناك نذالة، في موقفي الراهن منك، المحصور بحدود الثقة الضيقة، التي فهمتِها على نحو صحيح، وتألمتِ منها على نحو شريف، لكن القصة لم تنته، فإذا أعطيتني الفرصة لأشرح نفسي، أكون شاكرù، شاكرù لا مبررù لفعلة لا تبرر!! اهدئي، ابقي كما أنت، اجلسي أو قفي، اشربي أو ارشقيني بما تبقى من كأسك، كل هذا رد فعل سليم، على رد فعل غير سليم، قمت به أنا، في لحظة نشوة كانت تغمرنا فأفسدتها برعونة! نبرت غيداء: ووقاحة! صحيح! لا تكرر هذه الكلمة على مسمعي! إنها إحدى ألاعيبك القذرة! تمامù! وبعد هذه ال»تمامù«!؟ بعدها أنني فكرت طيلة هذه الرحلة، وبشكل صادق مع النفس، في هذا الرهان الغريب الذي كابدت من أجله مكابدة شديدة، فوجدت أن رهاني سخيف، وندمت عليه ندمù مسرفù، لكنني تابعته لأجل الجانب المفيد فيه، جانب الوثوق بالثقة، إذا ما كانت الثقة لغاية مفيدة، هي تدريب النفس على الصبر.. وقد صبرت، وكل من يريد النجاح، لا بد له من هذا الصبر، مع العمل والدأب، وهنا تقع المنفعة المشتركة التي أشرت إليها! فكري بما أقول، تذكريه، اصبري للشدة، ثقي بالانتصار عليها، واعملي بدأب النملة.. قالت غيداء وهي واقفة، متصالبة الذراعين: انتهت المحاضرة!؟ رد بدر بهدوء: انتهت، لكننا، حتى الآن، تكلمنا على جانب واحد، هو الثقة بالنفس للانتصار في أي مواجهة، أما الجانب الآخر، جانب حب هذا الذي نثق فيه، فإنه بقي في الظل، وأريد أن أؤكده الآن، وبعبارة موجزة، وسؤال واحد: هل كانت ثقتي بنفسي تتحقق لو لم تكن مبنية على الحب؟ في الجواب أقول: كلا! لو لم يكن هناك حب، ورهان على هذا الحب، فإن ثقتي ما كانت لتتحقق، فإذا تحققت الآن، فإن تحققها هو إثبات على أن حبي هو الذي انتصر، حبي لك، طول هذه السنوات، بنهاراتها والليالي.. إنني أحبك يا غيداء، وأعتذر عن رد فعلي، فقد كان عفويù، وكان صادقù، وكذلك مفيدù، بالنسبة إلي على الأقل، ولك أن تقبلي، أو ترفضي هذا الحب، فهذا لا يغير من موقفي مقدار شعرة.. أحبك! هذه هي الكلمة، ولم أتزوج لأجلك، وهذه هي الحقيقة، لكننا، وقد تصارحنا، فإنني أطلبك للزواج، وسننزل في مرسيليا، ومن هناك نأخذ الطائرة، لنتزوج في لبنان، فإذا كنت موافقة، فإنني أشرب كأس زواجنا وسعادتنا المقبلين.. تعالي! وجاءت! وفي مرسيليا أخذا الطائرة إلى بيروت! »انتهت« دمشق 9/12/1995

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة