As Safir Logo
المصدر:

سجال.غارودي في مرآة نصر حامد أبو زيد المطلوب إعلان جديد لحقوق الإنسان في الإسلام(صور)

المؤلف: حرب علي التاريخ: 1996-09-06 رقم العدد:7485

انطلاقاً من النقاشات التي أثارها مجيء غارودي إلى بيروت، وانطلاقاً أيضاً من النقد الذي تناول مقالتي حول مشروعه النقدي، أعود مرة أخرى إلى الكلام على الموضوع نفسه، محاولاً إيضاح موقفي أو تطوير أفكاري، متناولاً قضية غارودي، وزيارته إلى بيروت، ومشروعه النقدي بشكل خاص. ولا يخفى أن كلامي هو مناسبة أو ذريعة تتعدى قضية غارودي إلى قضايا أخرى ساخنة تشتبك معها، خصوصاً قضية نصر حامد أبو زيد التي تطرح نفسها بقوة على أهل الثقافة والفكر. النرجسية الثقافية 1 لستُ من محبذي غارودي ولا من مناوئيه. فالذين معه والذين ضده هم عندي سيان، إذ التطابق والنفي، كلاهما لا يجدي فكراً ولا ينتج موقفاً. ومع ذلك فأنا أقف مع حرية غارودي في التفكير وأدافع عن حقه في نشر آرائه، بصرف النظر عن القضايا التي يثيرها وعن الملفات التي يفتحها، وسواء كنت أوافقه الرأي أو أخالفه. وهذا هو موقفي من الكتّاب والمفكرين العرب الذين يتعرضون للقمع والإرهاب والإقصاء، بسبب خياراتهم الإيديولوجية ومواقفهم الفكرية، فأنا أدافع عن حقهم في الاختلاف وعن حريتهم في الرأي والمعتقد. بهذا المعنى، أنا لا أدافع عن حرية غارودي الفكرية، لأنه مناصر للقضايا العربية، أو لأنه اعتنق العقيدة الإسلامية، وإنما الذي يعنيني في المقام الأول، هو حريته ككاتب ومفكر، بصرف النظر عن مضامين مشروعه الثقافي ومواقفه السياسية. 2 لا يغريني كثيراً أن يهب لنجدتنا الإيديولوجية مثقفون غربيون، خصوصاً إذا كانوا يستخدمون اللغة الطوباوية نفسها التي يستخدمها المثقفون العرب، على ما يفعل روجيه غارودي، وبشكل أخص إذا كان بين الذين دعوه إلى بيروت أو رحبوا بزيارته أناس يقفون من حريات التفكير والتعبير، في العالم العربي، موقفاً قريباً من الموقف الذي يقفه اللوبي الصهيوني من المفكر الفرنسي: التحامل والتخوين، المصادرة والإلغاء. ولذا، لا يعنيني من زيارة غارودي إلى بيروت سوى هذا التعليق. فقد عانينا الكثير من المشاريع النضالية والأدلوجات الكفاحية المثالية، أي المستحيلة والمدمرة. كذلك لا يغريني أن يعتنق مفكر غربي الإسلام. فذلك لا يقدّم ولا يؤخر في إيجاد حلول أو مخارج للمشكلات والمآزق التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية. بل إن مثل هذه الظاهرة التي يمثل غارودي نموذجاً لها، قصدت دخول عدد من المثقفين الغربيين الدين الإسلامي، قد تعزز النرجسية الثقافية بصورة تصرفنا عما ينبغي القيام به: قراءة العالم وتشخيص الواقع، أي تسليط الأضواء على المشكلات الحقيقية أو تعرية ما تنطوي عليه مشاريعنا وخطاباتنا من التعمية الإيديولوجية، باختصار الكشف عن الهزال المعرفي والوجودي الذي نعاني منه وندافع عنه في آن. وهكذا فما نحتاج إليه ليس الدعم الإيديولوجي، بل النهوض من سُباتنا العقائدي، بنقد نماذجنا في الرؤية والتقييم أو منوالاتنا في العمل والتدبير. فالأهم عندي مثلاً هو وقف العنف في الجزائر، أو منع تلك المحاكمات التي تقضي بفصل كاتب عن زوجته لأنه يمارس التفكير النقدي. والأوْلَى هو أن نقبل بعضنا البعض، بدلاً من ممارسة الاستبعاد المتبادل والاختلاف الوحشي. من هنا لا يعنيني كثيراً دخول غادوري الإسلام، بقدر ما يعنيني إنقاذ الناس من جحيم الحرب بين الفصائل الإسلامية المتنازعة على السلطة في أفغانستان. بهذا المعنى وعلى هذا الوجه، أخشى أن تصبّ إسلامية غارودي، بالرغم من نقده للأصوليات، في خانة العقليات والمنظمات الإسلامية المغلقة التي تعمل على تقويض الفسحات الليبرالية في العالم العربي، بممارساتها الإرهابية الفكرية والجسدية. مصداقية الإسلام بكلام أصرح: هناك من يعتبر أن اعتناق شخص غربي، مسيحي أو ماركسي، العقيدة الإسلامية، يقدم الدليل الناصع على أحقيتها ومصداقيتها؛ في حين أن الإسلام يستمد مصداقيته ومشروعيته من داخله وعلى أرضه، من قدرة أهله على إعادة تنظيم حياتهم وتشكيل واقعهم، بابتكار صيغة حضارية تكون في آن عقلانية وعملانية، فعالة وبناءة، مرنة ومفتوحة، بحيث تضمن حق الاختلاف وحرية التعبير، وتتيح على أقل تقدير التعايش السلمي بين طوائف المجتمع ومذاهبه، أو بين أحزابه وفئاته. بالطبع لغارودي ملء الحق في أن يختار العقيدة التي يشاء. فهذا حقه في الإيمان الذي ينبغي أن يكون موضع الاحترام التام. ولكن المؤمن عندما يتحول إلى داعية ومبشّر، خصوصاً إذا كان مثقفاً كبيراً له صداه العالمي كروجيه غارودي، يصبح من حق الغير أن يناقشوه في دعواه. والشعار الذي يطرحه غارودي، الإسلام هو الحل والأمل، وبحسب مفهومه الخرافي والطوباوي للإسلام، هو أعجز من أن يوحد المسلمين فكيف بتوحيد الناس أجمعين! كذلك فهذا الشعار لا يبدو اعجز من ان يشكل صيغة ملائمة للنهوض والتنوير والتجديد بالنسبة الى المجتمعات الإسلامية، فكيف يكون الأمل بالنسبة الى المجتمعات البشرية جمعاء! على كل حال إن إسلام غارودي على ما يبدو، يغضب الغربيين ولا يرضي المسلمين. ولعل المواقف العقلانية والمنفتحة للأمير تشارلز ولي العهد البريطاني من الإسلام ودعوته إلى الإفادة من قيمه وآدابه ومنجزاته الحضارية، أجدى من اتهامات غارودي الساذجة للثقافة الغربية ومن تهويماته الإيديولوجية حول الإسلام والأديان، على الأقل بالنسبة الى قضية الحوار والتفاعل المثمر بين الإسلام والغرب. وهم الارتداد 3 لقد اختار غارودي في نهاية تجواله العقائدي، الفضاء الديني ذا الجذر النبوي، بنسخته الأخيرة، أي النسخة الإسلامية التي يعتبر أنها تستوعب وتستكمل النسخ الأخرى. ومع ذلك فإن غارودي قد أتى إلى الديانة التوحيدية من ثقافته الغربية الأصلية، بجانبها الفلسفي على وجه التحديد. إذ هو يستخدم مقولات هذه الثقافة في قراءته للأديان وتعامله معها، بل وفي دفاعها عنها، وذلك بالرغم من كل الانتقادات التي يوجهها للفلسفات العقلانية والعلوم الوضعية. بهذا المعنى، من التبسيط القول بأن غارودي يمثل الثقافة المضادة للثقافة السائدة في الغرب، أو يُعدّ من الخارجين على هذه الأخيرة. فالارتداد وهم كبير، إذ المرء أيا كان خروجه وارتداده على ثقافته، فإنه يحمل أثرها على جسده وفكره بصورة من الصور. ولأن القضايا تتشابك، لا سيما إذا كانت تتعلق بحق الاختلاف وحرية التعبير، فلا بأس هنا من الدخول على قضية نصر حامد أبو زيد الساخنة، والمقصود بذلك مسألة ارتداده عن الإسلام. والذي أراه في هذا الخصوص أن المفكر المصري وناقد الخطاب الديني الإسلامي، لا يعتبر مرتداً، ليس لأنه لا يتوقف عن إعلان انتمائه الى الإسلام وعن إقراره بالشهادتين، كما يقول بسذاجة أو بخبث أكثر المثقفين العرب الذين علقوا على قضيته، بل لأنه ينتمي في الأصل إلى فضاء الثقافة الإسلامية. قد يصعب تصنيفه في خانة الإسلام الفقهي والعقائدي، لأنه يتعاطى مع الإسلام كمعطى ثقافي لا كمرجعية مقدسة، ولأنه يدخل على النص القرآني دخول ناقد محلل لا دخول مصدِّق مؤمن. وبالرغم من ذلك فإن أبو زيد ينتمي إلى الإسلام بالمعنى الأعمق للكلمة، أي بوصفه عمقاً تراثياً ومخزوناً فكرياً أو بوصفه بيئة ثقافية ومساحة حضارية، على ما يتعامل معه الكثيرون من المسلمين الذين تربطهم بالإسلام الفقهي والعقائدي روابط شكلية أو لفظية سحرية أو واهنة، بل هذا شأن العديد من المسيحيين العرب من جبران خليل جبران وصولاً إلى ملحم كرم. انهم يشعرون بانتمائهم إلى الإسلام، لا كقرارات عقائدية أو كأحكام شرعية، بل بوصفه مساحة للمعرفة وفضاء ثقافياً ولغوياً. وهكذا لا ينبغي الاعتداد بما يقوله صاحب الخطاب عن هويته. وهذا شأن غارودي فيما يعلنه ويصرح به، فهو بالرغم من تحامله على الثقافة الغربية وعلى العقلانية الفلسفية، فإنه لا يتوقف عن استخدام منجزات الفكر الغربي وأدوات النقد الفلسفي في قراءته وتأويلاته، أو في دفاعه وسجالاته. والمثال البارز على ذلك استخدامه مقولات الفكر النقدي، والتاريخية، والذات الفاعلة في التاريخ، وخلق الإنسان على يد الإنسان.. غير أن القطاع الأكبر من المثقفين العرب، يهللون طرباً عندما يقدح مثقفون غربيون بثقافة الغرب وفلسفاته وعلومه، مقابل امتداحهم مزايا الثقافة العربية والحضارة الإسلامية، على ما يفعل غارودي بنوع خاص. ومآل ذلك، في نظري، هو أن يزيدنا تعلقاً بأوهام الخصوصية وغرقاً في قوقعة الهوية، في حين أن أحوج ما نحتاج إليه، هو أن نتغير عما نحن عليه، لكي ننجح في تغيير علاقات القوة والمعرفة والثروة بيننا وبين الغرب. بكلام آخر: نحتاج إلى أن نخرج من عجزنا بتفكيك الأوهام التي تستوطن عقولنا حول الهوية والحرية والعدالة والحقيقة، والتي تحول بيننا وبين أن نكون على مستوى الحدث لكي نساهم في المشهد العالمي على صعيد من صعد الانتاج أو في مجال من مجالات الخلق والابتكار. آن للمثقف العربي أن يكف عن ممارسة الزيف في علاقته بالثقافة الغربية. إنه يحدثنا عن الغزو الثقافي الغربي لثقافتنا، فيما هو في كثير من تصوراته ومفاهيمه وأدواته النقدية، ثمرة للثقافة الغربية نفسها. فالأجدى له أن يقيم مع هذه الثقافة علاقة تفاعل خلاق، لئلا يكون ثمرة سيئة لها. الاجتهاد والنقد 4 لا جدال في أن يستخدم غارودي أدوات الفكر النقدي في قراءته لمنطوق النص القرآني ومعطيات الحدث الإسلامي، فهذا هو المطلوب. ولكن ثمة فرق بين استخدام الفكر النقدي والتحليل التاريخي في هذا الخصوص، وبين القول بأن الفكر النقدي، شكّل فيما مضى »بُعداً من الأبعاد التي صنعت للإسلام عظمته وألقه«. ذلك أن الفكر النقدي هو مقولة حديثة. إنه بالتحديد ممارسة فلسفية أكثر مما هو ممارسة دينية لاهوتية. لا أنكر بأن هناك من تعامل مع الوحي والنبوة، انطلاقاً من حاكمية العقل، كما نجد عند الذين أخضعوا النص القرآني للقراءات الفلسفية والتقنيات العقلية الاستدلالية، بدءاً من المعتزلة حتى ابن رشد، أو من الفارابي الى ابن طفيل، مرورا بآخرين كالمعري والرازي والراوندي. ولكن هؤلاء لا يمثلون الفكر الديني الإسلامي، بل تمثله المذاهب الفقهية والمدارس الكلامية بأئمتها ومؤسساتها والناطقين باسمها، من ابن حنبل الى ابن تيمية وابن بابويه، ومن الأشعري والغزالي حتى سيد قطب والخميني أو الترابي. ولهذا فإننا عندما نقول بأن الفكر النقدي قد صنع للإسلام عظمته، فإننا نطمس الحقيقة ونموّه المشكلة، بقدر ما نتراجع عن مهمتنا النقدية نفسها. إن علاقة المسلم، والمتدين عموماً، مع كتابه وأصوله، هي علاقة اجتهادية بالدرجة الأولى؛ وهي علاقة تأويلية بالدرجة الثانية؛ والاجتهاد كمنهج للبحث والنظر أو للتطوير والتجديد، هو محل إجماع لدى المسلمين لأنه يقتصر على الفروع والتفاسير من دون النص الاول والشريعة الأولى. أما التأويل، فبالرغم من ورود النص به، فإنه كان وما يزال موضع خلاف بين المذاهب والأئمة، لأنه يفضي إلى الخروج على الدلالة، أي إلى انتهاك المعنى كما أؤثر القول. ولا جدال في أن الاجتهادات، أكانت شرحاً وتفسيراً أو حتى انتهاكاً وتأويلاً، هي ثمرة الاشتغال الخلاق على الذات والفكر أو على النص والواقع. إنها ممارسات خصبة مبتكرة وإبداعات مدهشة خارقة أسهمت في تشكيل الفضاء الإسلامي بقدر ما تمحورت حول النص القرآني. وهي تشكل إسهامات مهمة ليس فقط على صعيد الفكر الإسلامي، بل على مستوى الفكر جملة. على أنه أياً كان تأويلنا للممارسات الاجتهادية، أو التأويلية نفسها، فإن الممارسة النقدية هي من طبيعة مختلفة، لأنها تعني أن يتعاطى الناقد مع تراثه بصورة حرة، بحيث يجيز لنفسه مساءلة الأصل وتفكيكه لإعادة تركيبه من جديد، كما هو شأن العلاقة داخل المجال الفلسفي. هنا لا تعود المشكلة مجرد صراع بين تفاسير وتآويل، بل تتعلق بطريقة التعامل مع الاصل وكيفية ادارته. هذا هو مآل التعامل النقدي: التحرر من عقدة الأصل والتوقف عن التعامل مع عصور التأسس على نحو خرافي أو بمنطق لاهوتي غيبي. وأراني أعود مرة أخرى إلى قضية أبو زيد لأقول: ليست المشكلة هي مجرد »اختلاف في الرأي والاجتهاد«، كما يختزلها أو يموّهها المثقفون والكتّاب العرب، وإنما هي تتعلق بحرية الباحث في ممارسة هويته الدينية والاعتقادية، بحيث يقيم معها علاقة تتغذى من أسئلة الحقيقة وتنفتح على آفاق المجهول؛ أو يتعامل معها بمنطق نقدي عقلاني، يتيح له أن يدخل على كتبه وأصوله من خارجها، أو من منافيها وهوامشها. بهذا المعنى، فالذي ينخرط في ممارسة الفكر النقدي، إنما يعيد تركيب هويته بإعادة ترتيب علاقته بأصوله، حتى لا يتسلط عليه نص أو اسم ولا تستعبده عقيدة أو مقولة، فيتعامل مع المفردات والخطابات والتجارب، لا كسلطات أو أنصبة مقدسة، بل يتعامل معها كمصطلحات أو مواد أو معطيات ينبغي الاشتغال عليها لصرفها وتحويلها أو لإعادة توظيفها واستثمارها، فيكشف عن محجوباتها لئلا تحجبه، أو يزحزح معانيها حتى لا تهمّشه، أو يفكك أبنيتها حتى لا تقيده؛ بذلك يتقدم بها حتى لا تتقدم عليه، ويغيّر علاقته بها حتى يتغير هو نفسه، ويكشف عن أوجه قصورها لكي يمارس فاعليته ويؤكد حضوره. من هنا، فإن المشكلة تتعدى الاختلافات حول مقاصد الشريعة، كما تتعدى صراع التأويلات حول معاني النص، لأنها تتعلق بحرية التفكير والنقد بمعزل عن أية سلطة عقائدية أو ثقافية، أي تتعلق بالتعامل مع الخطاب الديني كمعطى ثقافي أو كتجربة تاريخية، لا كسلطة مقدسة أو مرجعية غيبية. هذه هي المشكلة التي نصطدم بها كلما حاولنا الهرب من مواجهتها، والذين يقولون لنا الآن، إن القرار الذي قضى بفصل نصر حامد أبو زيد عن زوجته، يتعارض مع سماحة الإسلام، بل يسيء إليه، كما جاء في تعليق أحمد بن بله، لا يفعلون سوى خداع الذات والغير. وليعذرني الرئيس الجزائري الأسبق بل الأول، إذ أعلق على تعليقه على هذا النحو، فإن تجربته مع الحركات الإسلامية الجزائرية، التي قضى عقدين في مساندتها وتأييدها، آلت به إلى الخسران والإحباط، إذ هو راهن على ما لا يمكن المراهنة عليه، وقراءة مثل هذه التجربة تحمل المرء على إعادة التفكير في شعار السماحة أو التسامح الذي يحتج به الناس ضد الحركات الإسلامية المتطرفة. فالإسلام الفقهي والعقائدي لا يمارس إلا على نحو ما نشهده ونرفضه، ما لم يجر إلغاء قاعدة الارتداد ومبدأ الحسبة، لكي تطبق قاعدة: لا إكراه في الدين، ولا رقابة على حرية البحث والتفكير، الأمر الذي يعني الحاجة إلى إعلان جديد لحقوق الإنسان في الإسلام. وهذا ما يتحمل مسؤوليته أهل الانفتاح من العلماء والمفكرين المسلمين. وحد ذلك يجعل للكلام على تسامح الاسلام وزنه وصداه في الداخل والخارج. لنعترف بالحقيقة: إن شعار التسامح والسماحة الذي يمتاز به الاسلام، بقي مجرد شعار خلقي. بمعنى أنه لم يتجسد في مؤسسة قانونية ولم يتحول إلى »آلية مجتمعية أو إلى سلوك يومي« كما يلاحظ الكاتب المغربي الصديق محمد سبيلا، في مقالة له لافتة عن منزلة التسامح في المجتمعات القديمة. والدليل أن المذاهب الإسلامية ما زالت تستبعد بعضها البعض، فكيف لا تستبعد مَن ينبري لنقد الفكر الديني والعقل الإسلامي! شبهة الحق الالهي 5 الأجدى للمثقفين أن يستيقظوا من سباتهم الأخلاقي والاعتقادي: ليست المشكلة في التوكيد على حرية الاجتهاد، بل في التحرر من منطق الفقه الخانق، من أجل ممارسة حرية الاعتقاد وحق الاختلاف. إنها لا تكمن في الترداد الخادع لعبارة »الشريعة السمحاء«، بل في فضح »شبهة الحق الإلهي« وفي التحرر من »خطر الحق الإلهي« المسلط فوق الرؤوس، على ما يقول بجرأة القاضي محمد حسن الأمين، الذي يقدم مثالاً على تعاطي واحد من أهل الفقه والفكر الإسلامي مع ذاته العقائدية بصورة نقدية، لنزع طابع القداسة والتعالي عن الأحكام والسلطات الدينية التي هي في نهاية التحليل والتقدير، ممارسات بشرية. ولا شك أن هذا الموقف يشكل نواة للاعلان المطلوب صدوره عن حقوق الإنسان في الاسلام وحده ذلك يجعل من مبدأ التسامح الاسلامي اسما على مسمى. (بصدد آراء القاضي الأمين، راجع مجلة المنطلق، العدد 115). وهكذا فالمشكلة هي أن نعمل على كسر نرجسيتنا الثقافية والعقائدية التي بموجبها يستبعد أهل الديانات والمذاهب بعضهم البعض من فلك الحقيقة وملكوت الإيمان. من هنا فإن الشعار الذي يرفعه نصر حامد أبو زيد في وجه أخصامه، تحت وطأة الارهاب الذي يمارس ضده، هو أيضاً من باب الخداع للذات وللناس، عنيت بذلك مقولته التي أطلقها مؤخراً في نداء وجهه إلى أهل مصر: أنا أفكر إذن أنا مسلم. فالمفكر هو الذي يكسر منطق الهوية والعقيدة لكي يفكر على نحو عالمي، مقدماً بذلك قراءة مبتكرة للعالم أو صيغة فذة للعلاقة بالوجود والحقيقة. ولا شك أن الفكر النقدي الذي يمارسه أبو زيد وأمثاله، يتم على حساب المنظومات العقائدية المغلقة والأنساق الفقهية المتحجرة، ولكنه يخدم المجتمعات الإسلامية، بقدر ما يسفر عن إمكانيات جديدة للتفكير. فالأحرى القول: أنا أفكر بقدر ما أخرج من شرنقتي العقائدية، أو أنا أفكر بقدر ما أمارس خصوصيتي الثقافية على نحو عالمي. مختصر القول في هذه النقطة: إن الفكر النقدي لا يمارس بتمجيد مواقف المعتزلة وابن رشد، أو بترداد عبارات محمد إقبال عن أهمية الفكر النقدي في إعادة بناء الفكر الاسلامي، على ما يفعل غارودي. بل النقد هو فاعلية معرفية تطال بالكشف والتعرية المساحات المستبعدة من دائرة الضوء والنقاش. بهذا المعنى، لا يقتصر النقد على الفروع والتفاسير وعصور الانحطاط، بل يطال أيضاً وخاصة الأصول والأسس وعصور الازدهار. فالانحطاط ليس هو سوء فهم أو تطبيق لمشاريع النهوض والتنوير، وإنما هو آلية استنفاد النماذج الحضارية إمكاناتها على النمو والتجدد، سواء تعلق الأمر بالتنوير النبوي أم بالتنوير الفلسفي. من هنا الحاجة إلى إعادة النظر في الأسس والأصول والبدايات، للكشف عما تمارسه من آليات الحجب والكبت والاستبعاد. والذين يركزون نقدهم على فترات النكوص وعصور الانحطاط، لكي يحيّدوا مراحل الصعود وحقب الازدهار، لا يريدون لنا سوى التراجع الى الوراء، وممارسة النقد بالمقلوب(...). صدمة المثقفين 6 أخيراً، لا آخراً، أعود إلى ما بدأت به، أي الى زيارة غارودي الى بيروت. وهو زارنا كداعية ومبشّر، لكي يقول لنا ما الذي ينبغي أن نفعله لكي نتحرر من استلابات السوق وسيطرة الولاية المتحدة، فضلاً عن تطرف الأصوليات المقدسة. وهذا شأن الداعية، أي المثقف باللغة الشائعة. إنه يفكر عن الناس ويقرر عنهم، بل هو الذي يحلم عن سواه، متوهماً أن ما يحلم به هو نفس ما يأمله الناس ويتطلعون إليه. والمثقف يمارس دوره الرسولي هذا، انطلاقاً من بداهة راسخة مفادها أن الأفكار العظيمة هي التي تصنع العالم وأن الكتب هي فتيل الثورات. والمثال البارز على ذلك أننا اعتدنا بما يشبه اليقين على تفسير الثورة الفرنسية بوصفها نتاج عصر التنوير. ولكن ثمة من يشكك اليوم في هذه البداهة بالقول إن الثورة الفرنسية قد صنعتها القوى الحية والفاعلة في المجتمع الفرنسي، بمن فيهم أهل الفكر. وثمة من يذهب بعيداً في شكه لكي يقول بأن زعماء الثورة كانوا يحتاجون إلى المشروعية فعثروا عليها عند فلاسفة الأنوار. على الأقل ثمة إشكال تثيره العلاقة بين التنوير والثورات. إذ التنوير تحرير، فيما السمة البارزة في الفعل الثوري هو ممارسة الارهاب. أياً يكن الامر، فالدور التنويري والتحريري للمثقف الطليعي والنخبوي قد تزعزع منذ زمن، بعد أن فقد المثقف مصداقيته وبات على هامش الفعل التاريخي. لقد انكشف الوهم الكبير الذي ألهم المثقفين تلك المشاريع الشاملة والإيديولوجيات الثورية لتغيير العالم وتحرير الشعوب من القهر والاستلاب، من لدن ماركس حتى غارودي، مروراًٍ بكل القادة الثوريين والمثقفين الكوسموبوليتيين. فالعالم قد تغير على نحو مذهل، ولكن ليس كما أراد له الدعاة والمنظرّون العقائديون. بل الذي حصل هو أن العالم قد تغير بعكس ما أراد له أصحاب الأفكار الكبيرة و»الأساطير العظيمة« بحسب مصطلح غارودي. ففي كل مكان تراجع للقيم وانتهاك للحقوق والحريات، خصوصاً في العالم العربي. وهذه مصر التي افتتح بها التنوير العربي الحديث، يتلقى فيها المثقفون ودعاة العقلانية »صدمة لا مثيل لها«، بضرب الأفكار المتعلقة بالاستنارة والمجتمع المدني وحق الاختلاف وحرية الاجتهاد والتفكير، على ما يعترف ويفاجئ، مثقف وناقد مصري كبير في تعليقه على قضية نصر حامد أبو زيد، عنيت به الدكتور جابر عصفور. حتى في العالم الغربي تتراجع القيم المتعلقة بالاستنارة والديموقراطية والليبرالية السياسية، بالرغم من محاولات فوكوياما تلميع مقولة »نهاية التاريخ«. فحين كان المنظّر الأميركي يعلن بزهو وافتخار أن الليبرالية قد سجلت انتصارها الحاسم والنهائي على بقية العقائد والمذاهب، قديمها وحديثها، سوى جيوب باقية يمثلها الإسلام وأصولياته، كان المجتمع في الولايات المتحدة نفسها، يعتمل بمنازع أصولية سوف تتوالى انفجارات تصيب شظاياها في الصميم، النظرية الليبرالية وعقيدة نهاية التاريخ على السواء. وفي ذلك ما يشهد على أزمة الأفكار بالذات. ولا أعني بالأزمة أن الأفكار لم يحسَن تطبيقها. وانما معنى الأزمة أن الأفكار، على ما يطرحها ويديرها أهل الفكر، لم تعد هي التي تسهم في تشكيل العالم المعاصر، بل الملاحظ أن أصحاب الأفكار الكبيرة والنظريات الشاملة يشهدون على جهلهم بمجريات العالم وسيرورة الزمن. كل ذلك يطرح على بساط البحث دور الفكر الذي هو علاقتنا بالواقع، وحيلتنا لصنع حقيقتنا وتدبر وجودنا. والنقد يبدأ هنا بالسؤال: لماذا تفقد الأفكار فاعليتها؟ بل لماذا لا تطبق الأفكار إلا بعد طعنها؟ ولكن غارودي، الداعية والمناضل، ما زال يتكلم باللغة الإيديولوجية القديمة نفسها، بعد كل هذه الأفكار الخائبة والمساعي النضالية الفاشلة والأدلوجات الكفاحية المتساقطة. إنه يفكر ويعمل، وكأن شيئاً لم يحدث، مما يجعل تفكيره مجرد نكوص إلى الوراء، أو مجرد تشبّث بلغة باتت أعجز من أن تفي بقراءة الحدث وفهم العالم. في حين أن الذي يريد أن يفكر بطريقة مجدية منتجة، فهو الذي يعيد التفكير في عدته الفكرية، في ضوء الوقائع المباغتة والتحولات المتسارعة التي تصدم أهل الفكر بقدر ما وتكشف عن مأزق الأفكار وتفضح الطروحات السائدة على اختلافها(...).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة