As Safir Logo
المصدر:

مقاربة.الجسد الأنثوي في الثقافة العربية من البلاغي إلى المتخيل(صورة)

المؤلف: الزاهي فريد التاريخ: 1996-08-09 رقم العدد:7461

أصبح الحديث النظري والاجتماعي يدور حاليا في قضايا لم يكن من السهل تناولها بالدرس في العقود الماضية. فمنذ اكتشاف اللا شعور، وتأكيد فرويد قدرية المظهر الفيزيقي وتبلور التحليلات الفلسفية والنفسية والأنثربولوجية الأكثر حداثة، تم الابتعاد حثيثا عن اعتبار الزوج جسد/روح وثنائية الأنثوي/الذكوري معطيات قبلية ماهوية قارة وأبدية، وبدأ البحث في نوعية البناءات والمتخيلات الاجتماعية والفردية والجماعية الشعورية واللا شعورية التي تحدد هذه التقسيمات. إن طموح هذه الدراسة إعادة النظر في طبيعة التصور الذي نملكه عن المرأة والأنثوي في الثقافة العربية انطلاقù من البحث في موضوع جمالها الجسدي من جهة، وانطلاقا مما توفره لنا حاليا المنظورات الأنثربولوجية والفينومينولوجية والسيميائية للظواهر الشخصية والاجتماعية، وذلك انطلاقا من فرضيتين: كون النموذج الجسدي الذي بلورته الثقافة العربية للجسد الأنثوي نموذجا جماليا. كون هذا النموذج متخيلاً، أي أنه يخضع لخطاطات اللا وعي الجماعي وبنياته الرمزية، ومن ثم لاستيهامات الإنسان العربي. كون هذا النموذج الجمالي نموذجا تم بناؤه وصياغته في اللغة، والبلاغة الشعرية والخطابية، وفي القاموس الجسدي والاستراتيجية المظهرية التي بلورها، وفي جدليات التبادل الاجتماعي لقيم التواصل. الجسد المتخيل، الجسد والمتخيل يصعب الحديث عن الجسد في ذاته، بنفس الشكل الذي يستحيل فيه في وقتنا الحاضر الحديث عن الجمال بوصفه فكرة معزولة عن المعطيات الجسدية المباشرة. فالجسد باعتباره وسيلة علاقة الكائن بالوجود، يشكل كيان الإنسان في محسوسيته وطابعه البصري والوجودي، ويشكل المظهر الملموس لما سمي عادة النفس أو الروح. ثمة علاقات أصلية وأصيلة في الثقافة العربية بين المرأة والمتخيل نبعت وتبلورت في صلب المقدس ومظاهره الرمزية. والجاحظ يحكي في كتاب الحيوان عن ان المرأة الرشيقة الممشوقة القد كانت تسمى لدى العرب سعلاة، ويفسر ذلك بخفتها. بيد أن الأمر يعود في رأينا الى أمرين: أولاً، لأن النموذج الجمالي الجسدي السائد الى حدود العصر العباسي كان وظل هو المرأة الضخمة الفخمة التي تُقبِل بأربع وتُدبِر بثمان، كما وصفت إحداهن للرسول، تلك البهكنة التي تحدث عنها طرفة بن العبد، العجزاء مدبرة الهيفاء مقبلة كما أعلن ذلك كعب بن زهير أمام الرسول. وثانيا، لأن ثمة متخيلاً غنيù منذ الجاهلية عن المرأة الجنية الفاتنة التي تفرض على الرجل الزواج منها، إلى حد أن الأمر طرح بشكل جدي من لدن الفقهاء، كالشبلي في آكام المرجان في أحكام الجان. إن هذا التواشج بين الجمال والفتنة هو الذي يقف وراء المتخيل الذي تبلور في هذا الاتجاه منذ البدء، بل هو الذي يمكن اعتباره مسؤولاً بشكل أو بآخر عن إنتاج صورتين متخيلتين ورمزيتين عن المرأة تعبران بشكل واضح عن الاستيهامات »اللبيدية« لدى الإنسان العربي: صورة المرأة الجنية أو السعلاة، وصورة الحورية. وليس يخفى أن الحور العين سُمِّين كذلك انطلاقا من منظور جمالي جسدي يركز على جمال العين بوصفه يختزل بشكل أو بآخر جمال الوجه، ومعه جمال كلية الجسد. كما أن الصورة التي يتم فيها تقديم جسد الحور في الموروث الإسلامي (بياض البشرة بالأخص) ينم عن تفضيلات معينة، وبالتالي عن استيهامات شكلت خصائص عتيقة للنموذج الجسدي الأنثوي في الثقافة العربية الإسلامية. وفي هذا الباب جاء هذا الحديث لدى السلمي القرطبي في وصف الفردوس: ان المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيبدو مخ ساقها من وراء لحمها وعظمها وحللها، كما يبدو الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء لاحظ التشبيه. وقال عمر بن الخطاب: إذا تمّ بياض المرأة في حسن شعرها فقد تمّ حسنها. وقالت عائشة: البياض شطر الحسن. صورة المرأة لدى المتصوفة، وخاصة ابن عربي الذي تتماهى لديه المحبوبة بالذات الإلهية، وتغدو مجازها الضروري، فتتحقق بذلك المواءمة بين اللا مرئي والمرئي، وبين الروحي والبدني بفضل الخيال الفاعل الذي يجسّد الروح ويروحن الجسد. إن المرأة تغدو هنا جسدا روحانيا يتموقع بين الحق والرجل آدم فتتمكن بصورتها المتخيلة المزدوجة تلك من السبق الوجودي على الرجل. وأخيرù تصور العرب للجمال نفسه بحيث يمكن القول إن تلقيهم الصورة الجميلة لا يخلو من دهشة تقرب الجمال الجسدي من الخيال الخارق، ويعبر في الآن نفسه عن العلاقة الأكيدة بين الجمال والعشق. وكل عشق كما هو معروف مولد للبلاغة، وللمتخيل الذي تفرزه، وكل جمال في هذا الإطار تعبير عن تناسق وتوافق جمال الكون وجمال الكائن، بل تعبير عن تلاحم جسد الكائن مع جسد الكون المحيط به. فقد روي أن ناسكا متعبدا مشهورا هو أبو حازم، رأى امرأة محرمة فحصل له ما يمكن تسميته بالدهشة الجمالية، فعبر عن ذلك بقوله: تعالوا ندعُ ا" أن لا يعذب الصورة الحسنة بالنار، فقام يدعو وأصحابه يؤمنون. إن هذه الدهشة تترجم في الحقيقة حظوة الجمال في التصور الاسلامي والنبوي منه، بالأخص للجمال الجسدي. كما أنها من ناحية أخرى تعبر عن مشروعية المتعة البصرية بالجمال الجسدي، ذلك الذي عبرت عنه عائشة بنت طلحة بقولها: إن ا" وسمني بميسم جمال فأحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم. إن الجمال هنا يغدو رأسمالاً رمزيù مولدù للتواصل، وفي الآن نفسه مكمنù من مكامن الخيال الاجتماعي. بيد أن هذه الفرشة المتخيلة التي تخترق الثقافة العربية الإسلامية برمتها، وتجد لها امتدادات في المتخيل الشعبي العربي والمغربي، ليست هي همنا المباشر هنا. إن ما نروم الى البرهنة عليه هو الطابع العمومي المخيل للجسد الأنثوي، كما صاغه الخطاب الثقافي العربي عموما، سواء من خلال بلاغة الخطاب الشعري أو الأخبار أو الخطابات الخصوصية الأخرى. الجمال الأنثوي وبلاغة الجسد حين رغب ملك كندة عمرو بن حجر جد الشاعر أمرئ القيس من ابنة عوف بن محلم الشيباني، أرسل إليها امرأة عجوزا فعادت تصورها له كالتالي: رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة، يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضفورة إن أرسلته خلته السلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلاها الوابل، ومعه حاجبان كأنهما خُطّا بقلم أو سُوِّدا بفحم وقد تقوسا على مثل عين العبهرة (البقرة الوحشية) التي لم يرُعها قانص... وبينهما أنف كحد السيف المصقول.... ثم تسترسل الواصفة بالإيقاع نفسه متنقلة بين الأعضاء مقارنة الوجنتين بالأرجوان، والأسنان بالجمان والدرر، والريق بالخمر والشهد، والنهدين بالتفاح، ولتصف العكن والفخذين والقدمين. وتختم وصفها بالقول: فأما سوى ذلك فتركت أن أصفه، غير أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو بشعر. يكفي أن تمتلك اللغة الجسد أو أي ظاهرة وجودية أخرى تنتمي إلى دائرة إدراكنا الشخصي وتلعب دورا مهما ومركزيا في إحساسنا بالعالم والآخر كي تُدخله إلى مجال التخييل والمتخيل.. إن هذا المعطى شبه البديهي يتعمق حين يتعلق الأمر بصياغة نموذج عام وعرفي يتشكل كمرجعية ذهنية وثقافية. وربما كان الجسد الأنثوي ومقاييس الجمال المتصلة به أكثر هذه المعطيات ارتباطا بالمتخيل الذي يمثله بصورة جزئية الشعر والبلاغة التواصلية. وإذا كانت وظيفة البلاغة هي الإفصاح والتبليغ والاقناع، فإن المفارقة تكمن هنا في هذا التوحد في فضاء واحد بين الخيالي والتواصلي. يشتغل الوصف هنا بشكل نسقي مناظرا بين المعطى الجسدي والنموذج الطبيعي المرجعي، مستحضرا قوته الجمالية والرمزية. والحقيقة أن الواصفة هنا باعتبارها تتكلم في زمن هو غير زمن الرؤية المباشرة للجسد الأنثوي تصفه بجسدها وذاكرتها، أي بقدرتها الأنثوية على تعرية جسد الآخر باللغة في حضرة المتلقي. من جهة أخرى يتجاوز هذا الوصف المرئي في وجهتين: أولاً، لأنه يركب بين معطيين يحيل الأول منهما (الجسد) على نموذج جمالي قبلي (العالم)، ولأنه يبني صورة الجمال الجسدي بناءً بلاغيù يتطلب تشكيلاً معينù للخطاب في حضرة مقام تواصلي معين. إن المرأة تحول هنا الجسد إلى صورة ذهنية، وكل صورة ذهنية تنتمي الى المتخيل، قابلة للتجلي اللغوي ولخلق متعة التلقي. غير أن دقة الوصف غير كافية مع ذلك لمعرفة مذاق رضاب المرأة أو عظامها وعرقها. وكأن المرأة الواصفة هنا تدخل في جلدة الملك، وتتقمص جسده وإحساساته ورغباته ليتم إسقاط الرغبة وتحقيقها في الخيال. إنها ترى الموصوفة بعينيه، أما هو فإنه يتحول إلى متلصص Voyeur بعيني امرأة عجوز. وهي تُختار عجوزا لوجودها على حافة اللا تحدد الجنسي الذي يمكنها من استبدال جنسها حسب طبيعة الدور الذي يوكل إليها. إن هذا الخطاب يؤكد مدى تجذر النموذج الجمالي البلاغي منذ عصر الجاهلية وطابعه الأصلي المخترق للتاريخ. من ناحية أخرى يتأكد هنا أن مفهوم الجمال يحيل على الطبيعة المرئية للجسد، وأن كل نظرة تأملية وروحانية له لا بد من أن تعترضها المشكلات التي تطرحها صورة الجسد. وبما أن الجمال جمال محسوس يتم سبكه بلاغيا، فمن السهل فهم الإشارة الأخيرة للمرأة الواصفة، أعني صمتها عن الحديث عن الأعضاء الجنسية. إنه صمت يتصل من جهة بحدود الوصف الجسدي وأخلاقياته، وبما يسميه ميشال فوكو أنماط الحظر على الجنس، ويحيل من جهة أخرى على ما تختزنه الذاكرة الشعرية والخطابية. ليس يخفى على أحد ذلك التوكيد والإلحاح الكبيران من جانب النص الإسلامي على الجمال والحسن. فالنموذج الإيماني يزج بالجسد في صلب المقدس، إذ أن شروط الزواج المحمدية تلح على البكارة والحسن والمرأة الودود الولود، وهي شروط تتماشى مع التصور الجمالي الذي تم تداوله فيما قبل، وتحدده بالشرط الإيماني العقائدي. كما أن النموذج الاسلامي لجسد المرأة ظل إلى حدود العصر العباسي يمنح وجوده من تلك الصورة التي حللناها سابقا ويؤكد الطابع النموذجي التخييلي للجسد الأنثوي الذي يبنى بناءً بلاغيù، بحيث يصعب إن لم يستحل وجود مقابله الواقعي. فقد قال عبد الملك بن مروان لرجل من غطفان: صِف لي أحسن النساء. قال خذها يا أمير المؤمنين من ملساء القدمين، ردماء الكعبين، مملوءة الساقين، جمّاء الركبتين (غير بارزة العظمين)، لفاء الفخذين، مقرمدة الرفعين (أصل الفخذين)، ناعمة الإليتين، منيفة المأكمتين (عظيمة ملاقي العجز)، فعمة (ممتلذة) العضدين، فخمة الذراعين، رخصة (ناعمة) الكفين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، زجاء (رقيقة الحاجبين)، لمياء الشفتين، بلجاء الجبين، شماء العرنين (الأنف)، شنباء الثغر (بياض الأسنان)، حالكة الشعر، غيداء العنق، عيناء العينين، مكسرة البطن، ناتئة الركب. فقال: ويحك! وأنى توجد هذه؟ قال: في خالص العرب أو في خالص الفرس. يبنى النموذج الجسدي الجمالي هنا على الاعتبارات الوصفية نفسها التي سادت النموذج الجمالي، بيد أن الخطاب التواصلي قد تخلص من بلاغية الوصف من دون أن يتخلى أبدù عن الطابع المتخيل للنموذج الجسدي الأنثوي، وعن دقته وخصائصه. هكذا يتم تنسيق الجمال الجسدي في صورة Figure قابلة للتصور والتخيل، والتخصيص والتعميم. وبما أن الصورة كما هو شائع أساس المتخيل فإن ضرورتها بوصفها جسدا جماليا تنبع من انفصالها عن أساسها الواقعي وتجاوزها النموذج الواقعي الذي يسندها. إن هذا النموذج الجسدي المكتنز في البداية المجدول الممشوق فيما بعد يعبر عن وضعية الليبيدو في المجتمع العربي الإسلامي، ذلك أن ترابط المتعة والشهوة بالنموذج الجمالي أكيد وواضح، بحيث إنه يؤسس اللحظة الجنسية المرتقبة ولو على مستوى المتخيل. لكن كيف تتبلور هذه العلاقة الأكيدة بين الشهوة والنموذج الجمالي الجسدي الأنثوي؟ أولاً من خلال رغبة الامتلاك التي تعزل الجسد عن محيطه الوجودي والاجتماعي لتحوله إلى كيان ميثولوجي متعال. إن هذا العزل الوجودي هو بالضبط ما يحول الجسد الأنثوي إلى جسد متخيل، إذ بمجرد ما تتم التفرقة بين النفسي والفيزيقي تفكك الوحدة الوجودية للكائن ويغدو جسدا تخييليا. فالكيان الإنساني وإن كان يغرس وجوده الفعلي في الجسدي، إلا أن جماع حضوره يتم بذلك التفاعل بين مكوناته وترابط دلالاتها. بهذا المعنى يكون الجسد الجمالي النموذج جسدا من أجل المتعة، أو بصيغة ظاهراتية جسدا من أجل الآخر. إن هذه الظاهرة ليست سلبية في حد ذاتها، فهي حولت الجسد الأنثوي إلى موضوع للرغبة الذكورية، إلا أنها من جهة أخرى تعلن طبيعة الوجود الأنثوي نفسه باعتباره وجودا من أجل الآخر، كما يؤكد ذلك التحليل النفسي. هنا بالضبط تكمن الخاصية الملتبسة لوجود الجسد باعتباره ينتمي إلى الذات والآخر في الآن نفسه. بيد أن ذاك الفصل بين النفسي والجسدي ليس كاملاً، ذلك أن النموذج الأول الذي سقناه والذي يتم فيه الربط بين الجسد والمرجعية الطبيعية، يؤكد طابع هذا النموذج بوصفه نموذجا ينتمي إلى دائرة المقدس. غير أن النموذج الجمالي وهو ينتمي في عمقه إلى دائرة المقدس والمتخيل يملك مع ذلك تاريخيته الخاصة. فبعد أن كان عرب الجاهلية يفضلون الفخمة من النساء إلى درجة تشبيهها بحيوان ذي ست قوائم، غدوا في العصر العباسي بالأخص يفضلون الرشيقة المجدولة من النساء ويشبهونها بغصن البان. ففي تفضيل المجدولة جاء في أخبار النساء بعد أن صرح أحدهم بولعه بالمرأة الضخمة: وأكثر البصراء بجواهر النساء الذين هم جهابذة هذا الأمر يقدمون المجدولة، فهي تكون في منزلة بين السمينة والممشوقة مع جودة القد وحسن الخرط، ولا بد من أن تكون كاسية العظام. وإنما يريدون بقولهم مجدولة جدولة العصب وقلة الاسترخاء، وأن تكون سليمة من الزوائد والفضول. لذا قالوا خمصانة وسيفانة وكأنها جدل عِنان وغصن بان وقضيب خيزران. والتثني من مشية المرأة أحسن ما فيها. ولا يمكن ذلك للضخمة السمينة. ووصفوا المجدولة فقالوا: أعلاها قضيب وأسفلها كثيب. إن التحول في النموذج الجمالي لا يتم دفعة واحدة، بل ينبع من الجدل الداخلي والتفضيلات المختلفة الموجودة في عصر ما، وهو يأتي نتيجة لاشتغال الثقافي على الطبيعي، ولفعل الجسد الثقافي في الجسد الواقعي، بحيث يتحول الجسد بفعل هزات عنيفة وتبدلات متواترة كي يتلاءم مع الصورة العرفية المتواضع عليها في فترة ما. بيد أن هذه التحولات لم تطل كلية الجسد. فإذا كان العرب قد أعرضوا عن عكن البطون واكتناز النهود إلى البطون الضامرة، وفضلوا النهود الكواعب التي جاء ذكرها في القرآن ولهجوا بالتعبير عن القد الممشوق وركزوا على حسن تناسب الأعضاء، فإنهم مع ذلك، لم يتخلوا عن ضخامة الأرداف، ذلك أن ثمة سيكولوجيا اجتماعية للأرداف ذات طابع بصري وشهواني، كما يرى ذلك بوحديبة. بالموازاة مع هذا الولع الخطابي بالجسد الأنثوي الذي يمكن اعتباره مسؤولاً بشكل كبير عن تحويله إلى صورة متخيلة، تبلور قاموس خاص بجسد المرأة (يمكن اعتباره امتدادا لذلك الاهتمام الأصلي بالحيوانات كالخيل والجمال). فيكفي تصفح »زهر الآداب« للحصري، و»المخصص« لابن سيده، وكتاب »فقه اللغة« للثعالبي، للتأكد من تلك الحظوة المعجمية التي خص بها الجسد الإنساني والجسد الأنثوي تخصيصا. ففي فصل ترتيب حسن المرأة، يكشف لنا الثعالبي ما اختزنته ذاكرة اللغة العربية في هذا المضمار: إذا كانت بها مسحة من جمال فهي وضيئة وجميلة. فإذا أشبه بعضها بعضا فهي حُسّانة. فإذا استغنت بجمالها عن الزينة فهي غانية. فإذا كانت لا تبالي أن تلبس ثوبا حسنا ولا تتقلد قلادة فاخرة فهي معطال. فإذا كان حسنها ثابتا كأنه قد وسم فهي وسيمة. فإذا قُسم لها حظ وافر من الحسن فهي قسيمة. فإذا كان النظر إليها يسر الروع فهي رائعة. فإذا غلبت النساء بحسنها فهي باهر. إن هذا الاهتمام المعجمي ينم في عمقه عن رغبة تصنيفية سادت الحقل الثقافي العربي معرفيا، من جهة، وطبعت متخيلة الثقافي وتحكمت في توجيهه من جهة أخرى. بيد أن الأكيد هنا هو أن تخييلية الجسد الأنثوي تقف وراءها متعة مزدوجة: بصرية وخطابية تسامت بالجسد الواقعي وخلقت منه جسدا ثقافيا خاضعا لتطور السنن الجمالية وتحولاتها. مظهرية الجمال والجسد المتخيل يتمازج الجسد الذاتي والجسد الشعائري في الإسلام، بحيث تغدو الزينة الذكورية والنسائية جزءù من الاستراتيجية المظهرية للجسد المقدس في طموحه الدائم نحو الارتباط بالخالق. فالجسد الإسلامي جسد يترابط فيه الدنيوي بالقدسي بصفة يصعب معها الحديث عن جسد شخصي له هويته الذاتية، خاصة أن مفهومي الذات والهوية يشكلان صفتين متصلتين بالكيان الإلهي حصرا. وإذا كان الإسلام قد دعا إلى جسد فطري أو قريب من الفطرة، فإنه من اللازم أن نفهم هنا أن الأمر يتعلق في حالة الرجل مثلاً بنوع من الزينة المحمودة استعدادا للصلاة أو للاحتفال بالأعياد. أما زينة المرأة فإنها قد ظلت محجوبة ومخصومة بحميمية بيت الزوجية. لقد أدرك الإسلام أن ما يدخل في تماس مباشر مع مساحة الجسد يندمج إلى هذا الحد أو ذاك فيه. وهو ما يشكل شهادة إضافية، كما يقول شيلدر، على الطابع البصري لصورة الجسد(، لهذا بالضبط تمّ تحريم الوشم باعتباره صورة تحول الطبيعة الفطرية للجسد، خاصة أن هذا الأخير تمّ اعتباره دلالة على الخالق وعملية الخلق. بيد أن الإسلام إذا كان قد ركز على زينة الرجل فذلك أساسا لأن هذه الزينة مرتبطة بطابع ديني قدسي (خضاب اللحية بلون غير الأصفر وغير الأسود، السواك...)، أما زينة المرأة فإنها إلى حد كبير ذات طابع دنيوي خصوصي متصل بطبيعة المرأة نفسها. فالعلاقة، بل المعادلة بين الأنثى والجمال أكيدة، وهي ما تجعل من الزينة والمظهرية جزءا من الوجود الذاتي للمرأة بوصفه وجودا وكيانا من أجل الآخر: فالنساء لا يمتلكن أي وظيفة تجعلهن في علاقة بالآخرين، باعتبارهن أمهات أو زوجات أو خطيبات، إذ يتم النظر إليهن عموما باعتبارهن كائنات دونية... وخاضعات لاستعباد قاس... من ثم فإن تخصيص بعض الوقت والاهتمام لشخصهن يمثل طريقة لتأكيد كرامة لا يعترف بها لهن حسب رأيهن، ومن ثم لتأكيد طريقة خاصة بهن في الوجود. إن هذه الخاصية بالضبط هي ما يجعل من الجسد الأنثوي جسدا مرتبطا أوثق ارتباط بالاصطناع. وإذا كانت كلية الجسد تخضع لهذه الاستراتيجية المظهرية وتربطها بالضرورة الثقافية للتواصل الجسدي والتحويل الثقافي للمعطيات الطبيعية في الحقل التواصلي الاجتماعي، فإن الوجه يشكل في الحقيقة لدى العرب موطن الجمال وأداة التواصل الجمالي. فالوظيفة الأولى للتجميل تكمن في مضاعفة جمال المرأة، وكذا في تحويل معالم الوجه. فقد أدرك العرب أن الوجه مبدأ الجمال، ذلك أن هذا الأخير يشكل الموضوع الأساس للاهتمام الجمالي والمكان المفضل لتفاعل الفن والصنعة. لذا فإن ارتباط الجمال أولاً وقبل كل شيء بحسن الوجه ونضارته وتناسق مكوناته، يعبر عن المركز الذي منح للوجه والقيم الرمزية والتواصلية المرتبطة به. يتم في أيامنا الحالية تغيير الوجه كلية، وذلك بتغيير لون البشر والتقريب أو الإبعاد بين العينين وتغيير دائرة الوجه، وهو الأمر نفسه تقريبا الذي كان يتم في العصور العربية الوسيطة. فقد كانت وظيفة التقيين القديم تكمن في معالجة الأعضاء الخفية بالنورة لتكون ناعمة، وطليها بالزعفران والطيب لتغدو معطرة، وتبديل شكل بعض الأعضاء وإخفاء عيوبها خاصة في الوجه. أما الهيئة العامة فقد كان يتم تسمينها كما حدث ذلك مع عائشة زوج النبي، بل إن المرأة كان بإمكانها أن تبدل لون عينيها وتذهب الكلف والنمش عن بشرتها وفمها، بل لقد كان بإمكان الثيب أن تستعيد بكارتها (نفسه ص. نفسها). وقد استغل تجار القيان هذا الأمر بشكل كبير كما يوضح ذلك ابن فضلان، بحيث استغلت تقنيات الزينة لإخفاء عيوب القيان في أسواق بغداد. لا يخفى إذاً أن هذه الاستراتيجية المظهرية المتجذرة تبتغي من جهة ترسيخ أسس الذات الأنثوية في تميزها الوجودي والاجتماعي وفقا لما سماه فوكو عناية بالذات Souci de Soi، وتبتغي من جهة أخرى خلق وجهة جديدة للتواصل تتمثل في الغواية. فالتواصل عبر استراتيجية المظهر يفترض قواعد معينة تحيل على هندسة الجسد وبشرته اللباسية والتزيينية. إنها استراتيجية تجعل الغواية تمر عبر المجال الجسدي وصورته، لأنها نادرا ما تمر عبر الكلام أو الروح. فالغواية والصمت يترابطان منذ أصلهما الأسطوري الأول. وبما أن الوجه يشكل صورة للإنسان حسب لسان العرب، ومن ثم بدلاً للفرد ومبدأ للتواصل والخطاب، فإن تركيز الزينة في العينين والوجه يحوله إلى جسد مواز يخلق إيقاعا معينا لجدل التواصل ولأساسه المتخيل. هكذا يتبدى واضحا أن الحديث عن جسد أنثوي جمالي يتطلب أن نأخذ بعين الاعتبار الأقانيم التي يستدعيها، والحساسية الجمالية والخطابية التي يولدها، ومن ثم المعطيات اللا واعية التي يخفيها ويكشف عنها. إن حديثنا عن جسد أنثوي متخيل يجد هنا مشروعيته في كون الجسد الواقعي يتوارى خلف الاختيارات المتعددة التي تمكنها المحبة والعشق والبلاغة، وطبيعة التواصلات الاجتماعية والقيم التي تتراكم في هذا المجال، إضافة الى المعطيات الرمزية التي تصاحبه منذ ليل الزمن. (*) كاتب وباحث مغربي هوامش (1) الشبلي، آكام الجان في أحكام الجان، تحقيق محمد إبراهيم الجمل، مكتبة القرآن، القاهرة، 1983، ص 122. (2) السلمي القرطبي، وصف الفردوس، دار الكتب العامة، بيروت، ب.ت، ص 72. (3) ابن أبي حجلة التلسماني، ديوان الصبابة، تحقيق محمد زغلول سلام، منشأة المعارف، الإسكندرية، ب.ت، ص 56. (4) Henri Corbin, Lصimagination crژatrice dans le soufisme dصIbn Arabi, Flammarion, 2 ژd., 7791, pp. 421 et 741. (5) Mircea Eliade, le Sacrژ et le profane, Folio/Essais, Paris, p. 641. (6) ابن أبي حجلة التلسماني، ديوان الصبابة، مرجع مذكور، ص 56. (7) صلاح الدين المنجد، جمال المرأة عند العرب، بدون ذكر لدار النشر، بيروت، ط1، 1957، ص 8. (8) نموذج الغولة باعتبارها امرأة فائقة الجمال وغاوية، وصورتها المعروفة بالمغرب مثلاً باسم عيشة قنديشة، المرأة الرائعة الجمال التي تفضح طابعها الهجين رجلاها الحيوانيتان. (9) ابن قيم الجوزية، أخبار النساء، دار الكتب العلمية، بيروت 1990، ص 220. (10) هكذا تترك العجوز للقارئ فرصة تخيل الأعضاء الجنسية مستخدمة في ذلك استراتيجية الخفاء والتجلي. (11) Paul Schilder, Lصimage du corps, Gallimard/ Tel, 5491, p. 8812. (12) ابن عبد ربه، طبائع النساء (مختارات من العقد الفريد)، مكتبة القرآن، القاهرة، ص 82 83. (13) Merleauponty, Phenomendologie de la perception, Gallimard/ Tel, 5491, p. 322. (14) Claude Reicheler et al. Le Corps et ses fictions, Minuit, 6791, p. 03. (15) ابن قيم الجوزية، ص 220، وهو المر. الصحيح. (16) Abdelwahab Bouhdiba, La sexualitژ en Islam,... p. 572. (17) أبو منصور الثعالبي، كتاب فقه اللغة، دار مكتبة الحياة، بيروت، ب.ت، ص 40. (18) Paul Schilder, op. cit., p. 812. (19) نفسه، ص 68. (20) Malek Chebel, Le livre des sژductions. جسد امرأة عربية

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة