لست أظن جائزة الدولة التقديرية التي فازت بها الدكتورة لطيفة الزيات تضيف إليها الكثير. جائزتها الحقة حصلت عليها من زمان: حين تحررت من أوهام خداع الذات بعد أن خاضت نضالاً مضنياً كي تصبح حقيقتها، كي تمتلك الماضي من أجل الحاضر والمستقبل، كي تعود إلى حضن الجماعة، تلوذ بها، وتأخذ منها وتعطيها. حياة لطيفة الزيات، ومشروعها الإبداعي والنقدي، سبيكة واحدة متماسكة ومتألقة، منذ شاركت في تلك الانتفاضة التي توهجت ثم انطفأت في ربيع 1946، حتى دخلت سجون السادات في خريف 1981. تلك العقود المتوالية شهدت انتصارات وانكسارات، تقدماً وتراجعاً، عملاً مع الآخرين وذوباناً في »النحن«، ولواذاً بالتقية ووهم السعادة الفردية التي يمكن تحقيقها في عزلة عن الناس وبعيداً عنهم. حياة مليئة كثيفة زاخرة، لم تكف صاحبتها عن إعادة النظر فيها يوماً بعد يوم، وإخضاعها للكشف والمساءلة، حتى تبلغ أعمق الأعماق: هناك، حيث تبدو الذات موضوع الفحص للذات الفاحصة في تألق عريها الكامل. ذلك عندي أثمن ما قدمته لطيفة الزيات لنا. ولن تجد عملاً من أعمالها القديمة والحديثة على السواء لا يتصل بتجربتها على نحو من الأنحاء. وليس عبثاً ولا مصادفة أن الصفحة الأولى من روايتها الأولى، ذائعة الصيت »الباب المفتوح، 60« تدور حول أحداث 46: »كانت الأمسية أمسية 21 شباط 1946 (..) والقاهرة على غير عهدها لا تتلألأ بالأنوار، والناس على غير عهدهم لا يزدحمون في شوارعها الرئيسية.. (..) المارة قلائل، يسيرون في الشوارع في بطء أو يقفون عند مفارق الطرق ويتحدثون.. والحديث يدور حول ما حدث في الصباح في ميدان الإسماعيلية..«، وبلسان الكاتبة يتحدث واحد منهم: »أنا شخصياً أعتقد ان المظاهرة دي كانت مرحلة جديدة من مراحل كفاحنا الوطني، أول حاجة اصطدم مباشر مع الإنكليز. تاني حاجة الجيش امتنع عن تفريق المظاهرة، ومش بس كده، عربيات الجيش كانت ماشية في البلد وعليها شعارات وطنية، ثم اشتراك العمال مع الطلبة والشعب كله..«. لم تكتف لطيفة بالتعاطف مع تلك الانتفاضة والحماسة لها، بل شاركت فيها مشاركة فعالة ورائدة. هذا شاهد عيان يروي ما رأى: في تقديم روايته »العنقاء« يكتب لويس عوض: »في 11 شباط 1946، يوم عيد ميلاد الملك، كنت أتطلع إلى الحرم الجامعي من شرفة كلية الآداب، فرأيت ع.أ. (إقرأ: عبد العظيم أنيس. ف.) يتسلق جدران إدارة الجامعة ويحطم الزينة الملكية. ورأيت الفتاة الخجولة ل. ز. تقف على درج إدارة الجامعة وتخطب في نحو ثلاثة آلاف طالب، وتحضهم على الثورة..«. من ذلك الحين، ظلت لطيفة قابضة على يقينها كالقابض على الجمر، ومن ثم تعرضت وزوجها الأول للمطاردة والملاحقة والتخفي والتنقل الدائم هل سقف لآخر بحثاً عن ملاذ آمن (بعض هذا نجده في روايتها الأخيرة »صاحب البيت، 94« التي تعود بأحداثها إلى تلك المرحلة)، وانتهت المطاردة إلى القبض عليهما، وحوكما أمام إحدى محاكم الإسكندرية، فحكم على زوجها بالسجن سبع سنوات، وعليها بالحبس ستة شهور مع وقف التنفيذ. ما بين 52 و65 على وجه التقريب، الفترة ذاتها التي ارتبطت فيها برشاد رشدي، وقد لا تمكن الكتابة الصحيحة عن عالم لطيفة الزيات من دون الرجوع إلى تلك الخبرة المعذِّبة، هي نقطة البدء في كثير مما كتبت بعد ذلك، وهي واسطة العقد في خبرات حياتها التي تخضعها للفحص والتعرية، كما سيلي أدت بها شروط حياتها الخاصة إلى التوقف عن الكتابة، أو التوقف عن نشر ما تكتب، عدا مقالات صغيرة هنا وهناك، بقيت تتقي وتتوارى وتكبت إمكاناتها. ألزمت الثائرة القديمة نفسها بالصمت، والقناعة بالوقوف وراء الرجل الذي انساقت إلى قبوله والتعايش معه (هو النقيض الكامل لها، ولكل ما كانت تؤمن به وتعمل من أجله كما تقول لنا هي ذاتها)، في البداية توحدت به، وظنت في تحقيق كمال تحققها، وحين بدأ وهم التوحد في الانقشاع، وبدأت الأرض تهتز تحت قدميها، أخرجتها أحداث 56 من ذاتها، فشرعت في كتابة »الباب المفتوح« لتصدر وصاحبتها وسط المأزق تماماً. ولعب الفن دوراً من أدواره المألوفة: قدم لصاحبته التسوية المرغوبة والحل المشتهى: أن تهرب من الكذب والزيف وأن تبقى فيهما، أن تفعل ولا تفعل، أن تقدم وتحجم، بعبارة أخرى: لقد جعلت بطلتها تفعل ما عجزت هي عن فعله، وتمثلت التسوية في معادلة واضحة الحدود: ليلى سليمان تخلع خاتم الدكتور فؤاد رمزي، ولطيفة عبد السلام تهدي روايتها للدكتور رشاد رشدي (وأذكر أنني سألتها عن هذا الإهداء، فتحدثت الأستاذة عن الإلحاح والابتزاز والخلاص من موقف مربك!). لكن البطلة استوت نموذجاً رائعاً لفتاة مصرية تنتزع حريتها وحقها في اختيار من ترتبط به. وهي تخوض معركتها، كانت مصر تخوض المعركة ذاتها (فاتت عليك الصفحة الأولى من الرواية عن أحداث 46، كانت البطلة في الحادية عشرة، وهي في السادسة عشرة، وفي أتون الكفاح المسلح في القناة العام 51، عرفت حبيبها، وفي أوج أحداث 56، وعلى أرض بورسعيد، وسط الدم واللهيب والصمود والميلاد والموت حققت ليلى حريتها: شاركت في الكفاح وألقت بخاتم خطيبها الزائف فؤاد رمزي، وانتزعت مصر استقلالها من جديد وقد لا يستطيع قارئ »الباب المفتوح« أن ينسى لقاء ليلى بحبيبها بعد الغياب الطويل.. »وعلى عتبة الباب المفتوح وقفت ليلى تواجه حسين، رفعت رأسها إليه وهي تتلقى نظراته التي انصبت على وجهها، وقفا هكذا بلا كلام، وعيناها في عينيه، وفي عينيها انفجرت العاطفة التي طال كبتها، والفرحة المزهوة بهذه العاطفة.. الخ«. كان هذا اللقاء أثمن ما في »الباب المفتوح«، آية صدقه أن لا يبدو ناتئاً، أو ملصقاً بالعمل من أجل تحقيق »نهاية سعيدة«، لكنه ملتحم بصميم نسيجه وصياغته، ووضحت قدرة الكاتبة على الربط بين مشاعر الداخل وتفاصيل الواقع، ربطاً يبدو من إحكامه أنه جاء عفواً بغير تعمد، وفتحت رؤيتها للخاص والعام معاً، للجزئي والكلي معاً، للداخل والخارج معاً، في جدل حي متصاعد نحو الأرقى والأشمل. القصص القصيرة بعد »الباب المفتوح« ليس ثمة سوى مشروعات ناقصة لا تكتمل. غير أن الدكتورة لطيفة فاجأت قارئيها في 86 بعد رحيل زوجها بثلاث سنوات بتلك المجموعة النفاذة من القصص القصيرة »الشيخوخة وقصص أخرى«، ويرتبط بها أوثق ارتباط كتابها الذي تسعى فيه الى »تفنين« سيرتها الذاتية »أوراق شخصية حملة تفتيش« في 92. أثمن ما في العملين معاً ما أشرت إليه أول هذا الحديث: ان الكاتبة تطالعنا بمستوى باهر حقاً من التجرد وفحص الذات ومراجعة التاريخ الشخصي، ممزقة كل صور خداع النفس (هي التي قالت لنا إن حبل هذا الخداع طويل، وإنه مهما طال لا بد من أن يلتف حول العنق!)، ملقية أضواء الحاضر وخبرة السنين على أحداث الماضي واختيارته. ولهذا التجرد وظيفة أخرى غير وظيفته »السيكوترابية«: ان الكاتبة قد نفضت عنها صراعاتها وعذاباتها حين »أخرجتها« على الورق وقيّدتها في حروف وكلمات، تتمثل في تلك الدروس التي تقدمها لنا جميعاً، للحيارى والتائهين والواقعين في أوهام الذات والضاربين في سكك الحياة على غير هدى، والذين يعانون زيف العلاقات وتقنعها، ورغبات التسيد والتملك تتخفى وراء ستر الحب. في »الشيخوخة« تقول لنا بحكمة الستين قولاً هو جوهر درسها الأول وفحواه: في إطار الرغبة في الموت تنضوي الكثير من صور الحب، أو ما نسميه حباً، بين الرجل والمرأة، ونحن نسمي هذه الصور من الحب توحداً، والمحبان يستحيلان واحداً.. »وما من توحد يواتي ندَّين من بني الإنسان، التوحد يعني وأد الذات لحساب الآخر، أو وأد الآخر لحساب الذات..«، وقد تعجز الكلمات عن نقل سخونة هذا الدرس وحميميته، هو عند الكاتبة تكثيف وتقطير لخبرة السنين، هو الجرح والسكين، هو الذات الفاحصة وهو موضوع الفحص. وفي العملين أيضاً مرة من وراء قناع الفن الخالص، وأخرى على نحو أقرب إلى الوضوح والمباشرة تبدو تلك التجربة المعذِّبة، أعني تجربة زواجها الثاني، التي انتزعت عنها ثلاث عشرة سنة من أزهى سنوات العمر وأخصبها (بين التاسعة والعشرين والثانية والأربعين)، وهي لا تني في العملين تتفحصها وتعيد تفحصها، وفي كل مرة تزيح وهماً وتمزق ستراً وتنقض أكذوبة. أكتفي هنا والآن بالإشارة إلى قصتها الرائعة، جارحة الصدق »العشاء على ضوء الشموع«: تبدأ وصاحبتها في ذروة أزمة من أزماتها، تلح عليها الرغبة القديمة المتجددة في الإفلات من الشقة العالية المطلة على النيل، ومن زوجها ودائرة نفوذه، والطقوس التي تشكل حياتهما معاً: السهرة في »كافيتريا سميرامس«، وحضور حفلات الافتتاح في المسارح والمعارض، وتناول العشاء في ضوء الشموع في المطاعم الأنيقة كالعاشقين، وما من عشق تبقّى.. »بينهما تفصل الشموع وأنصاف الحقائق ومرارة الحقيقة وقسوة الخديعة والرفض المتبادل لماهية الآخر والخوف من الاصطدام والحرص على الصورة الاجتماعية والتظاهر بنجاح مشروع أفلس منذ زمن طويل..«. ولكن لماذا نسيت العهد الذي قطعته على نفسها بأنها لو ملكت القدرة على إكمال روايتها لواتتها القدرة على التحرر من زوجها ومن هذا الأسلوب في الحياة؟ إنها أتمت الرواية. وفي حومة نجاحها نسيت العهد، وبدلاً من أن تشارك قدر ما تستطيع في تغيير الأوضاع، هي الثائرة القديمة، أدمنت البكاء في ظلمة السينما والمسرح والسرير.. دموع التكفير أم دموع التطهير؟، ليس هذا فقط ما فعله بها، في الفراش أيضاً حوّلها إلى أداة إشباع.. »يوم لم يكن لقاؤهما في السرير طقساً صرخ فيها: »أنت تحتقرينني، جسدك يرفضني ويحتقرني. لم تكن تعرف أن خداع العقل لا يجوز على الجسد، وأنه أحياناً يكون أذكى من العقل وأفصح تعبيراً، وتوقعت أن يكف عن العملية الجنسية لكنه لم يتوقف، وتحولت العملية لطقس مدمر، وتحولت هي كلها لأداة إشباع!«. لم هذا كله؟ وكيف بلغت قرار الهوة؟ ها هي تعترف، وتقدم لنا درساً ثميناً آخر من دروس حياتها: إن سفح الجبل هو السفح نفسه، وأن لا قرار للتنازل، وتنازل صغير يُسلِم لتنازل أكبر، ويفيق الإنسان يوماً ليجد نفسه في هوة بلا قرار. لكن شيئاً حدث في مساء ذلك اليوم أنهى هذا العالم لغير رجعة. شيء حدث في العالم الخارجي جعلها تستعيد لحظة ماضية بكل ضراوتها وبقدر الخزي والمهانة فيها: أن ينهار بها السرير وهي عارية، وهي أداة إشباع تُمتع ولا تستمتع.. ينتهكها رجل كريه، يرفضه الجسد ويراوغ العقل في قبوله. تلك كانت النهاية: اجتازت المرأة الصراط الوعر، ورعت غضبها كما ترعى الحامل الجنين. »يتأتى على المرأة، وقد انتهت اللعبة، أن تقف على قدميها، أن تؤوب إلى نفسها، إلى أهلها وناسها، إلى بيتها بعد غيبة عشر سنين« (راجع كذلك تنويعين آخرين على النمط نفسه من العلاقة في قصتَي »البدايات« و»الشيخوخة«). وفي »أوراق شخصية« تعود الكاتبة الى تفحص التجربة نفسها بعمق أكثر. إنها لا تقدم »سيرة ذاتية« معنية بتتابع الزمن وتعاقب الأحداث، لكنها تنثر حبات عقد العمر كله، ثم تنتقي أكثرها تألقاً وتفرداً، تتفحصها بأناة، ثم تعود فتسلكها حيث يجب أن تكون. ولا ينتظم العقد ولا يكتسب جماله وتفرده إلا حين يلتقي طرفاه، وتجد صاحبته نفسها في سجن القناطر ذات فجر من خريف 81. كانت الأيام قد دارت بها صعوداً وهبوطاً، نضالاً واستسلاماً، فرحاً وأسى، حباً ولا مبالاة (لم تعرف إلا مؤخراً أن نقيض الحب ليس الكره، ولكن اللامبالاة!)، ذوباناً في حضن »النحن« والجماعة، ولواذاً بالتقية ومطاردة وهم السعادة الفردية، فاعلة ومشلولة عن الفعل، متوهجة وخامدة، امرأة تنكر أنوثتها وينكرها الناس، وأنثى عارمة تنتقم لأنوثتها التي حُرمت من التحقق سنوات طويلة فتطيح بكل شيء، لكنها في كل أحوالها لم تتخلَّ أبداً عن تفكيرها الناقد: النواة الصلبة التي تشكل جوهر وجودها. فواصل في النضال وأبرز حبات العقد هي على نحو من الأنحاء فقط فواصل في تاريخ النضال المصري، لكن زيجتها الثانية هي واسطة العقد، هي البلورة التي تظل تقلبها وتمعن النظر في وجوهها واحداً بعد الآخر، وهي النافذة التي تطل منها قبل غيرها على الأعماق. لماذا قامت، ثم الأهم: لماذا دامت، كيف استمرت تلك السنوات المتصلة حتى انتهت في مشهد الطلاق الذي كتبت تفاصيله في »أوراقها« في 65؟ أزهى سنوات العمر وأخصبها هي في التحليل الأخير الذي تبلغه قطعٌ في مسار كان يجب أن يتم تصحيحه فور التنبه إلى أنها تدور في المدار الخاطئ، لكن الذي حدث أنها عاشت مشلولة أو كالمشلولة، حتى أصبح جوهر وجودها ذاته هو المهدد بالضياع. هي لم تفاجأ بأن هذا الشخص الكريه الذي ارتبطت به إنما هو النقيض الكامل لكل ما سبق لامرأة العشرينيات أن اختارت، كانت تعرف هذه الحقيقة من البداية.. »وكنت أعرف أن الرجل الذي أحببته وتزوجته مختلف عني، وكنت على مدى سنين قد ضعفت وسلّمت بالكثير.. (..) وأنني مارست طوال هذه الفترة خداعاً للذات كي تستمر الزيجة..« مرة ثانية: لماذا؟ (القاهرة)