I نقد الأصوليات المفكر الفرنسي روجيه غارودي، عوّدنا على المفاجآت، سواء في مؤلفاته وطروحاته، أو في خياراته العقائدية وطريقة تعامله مع هويته الفكرية. وكانت أولى مفاجآته خروجه من الماركسية، التي قضى شطرù كبيرù من حياته بين صفوفها وقادتها مناضلاً ومنظِّرù. وهو لم يغادر معقله الماركسي ليتبنى المذهب الليبرالي، أو ليعود إلى الصف المسيحي، بل ليختار الإسلام ويتبنى شريعته الأولى، كمشروع حياة أو كدعوة لخلاص البشرية، الدنيوي قبل الأخروي، كما عبّر عن ذلك في كتابه، وعود الإسلام، الذي صدر في مطلع الثمانينات. وهكذا فقد تنقل غارودي بين المسيحية عقيدته التوحيدية القديمة، والماركسية أدلوجته الاشتراكية الحديثة، والإسلام الذي كان عنده نهاية المطاف، مع اعترافه بأن اختياره للإسلام، لا يعني إنكاره للمسيحية ولا للماركسية، بل هو نوع من التركيب أتاح له أن يستبقي من كل دعوة خلاصتها ومن كل عقيدة صفوتها. وهذا ما أكده بقوله جوابù عن سؤال طُرح عليه بشأن سيرته الفكرية المتقلّبة: لو أتيح لي أن أبدأ من جديد، لما غيّرت مساري، بل كنت عاودت الكرة نفسها، وانخرطت في نفس التجارب العقائدية متمثلة في المسيحية والماركسية والعقيدة الإسلامية. من هنا تبدو علاقة غارودي خلافية وملتبسة، مع كل من العقائد التي آمن بها وانتسب إلى أهلها. إذ هو يدافع، في ما يخص كل عقيدة أو أدلوجة عما يسميه تعاليمها الأساسية وقيمها الأصلية وأبعادها الإنسانية، كما تجسدت في نصوص الوحي وأعمال الأنبياء وعصور التأسيس. ولكنه ينتقد بشدة توظيفاتها السياسية والإيديولوجية، ويحمل بعنف على المؤسسات والحركات التي تدعي النطق باسمها، معتبرù أنها تخون تعاليم المؤسِّسين الأول وتحوّل الشرائع الحقيقية إلى خرافات وأضاليل أو إلى أنظمة للهيمنة والتسلط والاستعباد. فمن المعروف أن غارودي طُرد من الحزب الشيوعي الفرنسي، لأنه أول من تجرأ وقال: إن الاتحاد السوفياتي ليس بلدù اشتراكيù. وهكذا فهو لم يخرج من الحزب لكي يلعن ماركس أو يعلن توبته عن الاشتراكية، بل خرج على ماركسيته لأنها تطعن الاشتراكية التي هي علتها ومسوّغ وجودها. كذلك فهو لم يخرج على المسيحية لأنه فقد الإيمان بها، بل يهاجم الكنيسة لأنه يعتبر أنها أقامت »تيولوجيا للسيطرة« ولم تكن وفية لتعاليم السيد المسيح، كما يهاجم البابوات لأنهم، برأيه، يدعمون الديكتاتوريات العسكرية ولا يقفون إلا الى جانب الأغنياء والأقوياء. وهذا أيضù موقفه من العقيدة الإسلامية: فهو يعتبر أن النزعات الإسلامية الأصولية، تخون الإسلام وتشوّه تعاليمه، على ما يظهر ذلك لدى من يدعوهم »الفقهاء الذين تجذبهم سفاسف الأمور، الآتين من خارج الإسلام، إذ يدّعون أنهم حراس الاستقامة ويعتبرون أنفسهم موظفي المطلق«، كما جاء في كتابه: الإسلام. من هنا يدعو غارودي إلى »إحياء الشريعة في حقيقتها«، بقدر ما يحمل على »فقه الماضي« وعلى أصحاب النزعات الشكلية والطقوسية والحرفية الجامدة، معتبرù أن »الفكر النقدي« وحده ينقذ الإسلام من مرضه الرئيسي: قراءة النصوص المقدسة بعيون الموتى. وهكذا يعلن غارودي الحرب على الأصوليات الدينية، باسم الوفاء للشرائع الحقة والبدايات العظيمة المنتهكة فكرù وممارسة لدى الأتباع، سواء من قبل الحركات والأحزاب الدينية الإيديولوجية والسياسية، أو من قبل القيّمين على المؤسسات الدينية الرسمية من فقهاء وبابوات، خصوصù على جبهة الأزهر وعلى جبهة الفاتيكان. الفكر النقدي على أن الأرجح عندي، هو أن غارودي يمارس قدرù من الوفاء لمهنته الأصلية كمفكر وفيلسوف، إنه وفاء لعقلانيته الفلسفية أكثر مما هو وفاء لقناعاته اللاهوتية وهمومه النضالية. ذلك أن الفكر النقدي الذي يدعو إلى ممارسته في قراءة الإسلام، هو موقف مفتوح من الحقيقة لا نجده عند أهل الديانات وأصحاب الإيديولوجيات الذين ينحون إلى الوحدانية والانغلاق، ما يجعلهم يستبعدون بعضهم بعضù، باسم وحدانية الحقيقة والديانة كما يتجلى ذلك لدى أئمة الكلام وأرباب اللاهوت، أو باسم أحادية النظرية والنموذج كما يتمثل ذلك لدى مذاهب الماركسية وفصائلها المختلفة. ولا عجب. فمبنى الفكر العقائدي، والإيديولوجي عمومù، هو الرؤية، المعلنة أو المضمرة، التي ترى إلى الحقيقة كأصل نقي أو كمرجع قدسي أو كنموذج تام أو كنظرية نهائية، أو كطريق واحد ووحيد يملك أسراره ومفاتيحه حراس العقيدة لدى كل طائفة ومذهب. وهذا الموقف المثالي والأحادي من الحقيقة، يتعارض مع الفكر النقدي الذي يشرِّع الأبواب على النسبي والحادث، أو على التاريخي والمحايث، أو على النسخة والصورة، أو على الفرع والخَلَف، أو على التنوع والتعدد. وهكذا، فإن الفكر الديني والعقائدي محكوم بسلطة الأصل والنص أو التقليد، ما يجعل علاقة العقائديين، بأصولهم، مجرد علاقة »اجتهادية« معيارها القياس على الأصل والإحالة إليه. وإذا كان ثمة نقد يمارسه أهل الفكر الديني والعقائدي، فإنه نقد تهافتي يرمي إلى تبيان مدى الابتعاد عن الأصل أو تحريف العقيدة أو مخالفة النموذج. أما في الفكر النقدي، فإن المرء يحاول التحرر من سلطة الأصل والنموذج، ويتخلى عن موقفه اليقيني والدغمائي من الحقيقة، لكي يقيم مع أفكاره علاقة إشكالية تحويلية، تتيح له تفكيك الأصول والنماذج والنصوص، لإعادة ترتيب علاقته بها، وبصورة تؤدي إلى مواجهة الواقع المعقد وتركيب العالم من جديد. بالطبع لا أريد أن أعزو مفهومي للحقيقة، لما يفهمه غارودي من هذه اللفظة. ولكني أود القول إن الفكر النقدي ليس »بُعدù« من أبعاد الفكر الديني، بل هو يمارس بفضح دنيوية السلطات الدينية وتفكيك الأبنية اللاهوتية. وفي أي حال، يبقى استخدام الفكر النقدي محدودù في إطار الفكر الديني، وربما آل إلى عكس ما يراد منه، على ما يحاول توظيفه غارودي في مشروعه الرامي إلى محاربة الإيديولوجيات الأصولية، وهو مشروع قد بدأه بكتابه المسمى: أصوليات، ثم فصّله في ثلاثية نقدية صدرت تباعù بالفرنسية، ومعù بالعربية، كل جزء منها مخصص لإحدى الديانات التوحيدية الثلاث: »الإسلام«، وهو في نقد الأصولية الإسلامية؛ »نحو حروب دينية« وهو في نقد الأصولية المسيحية؛ »الأساطير المؤسِّسة للسياسة الإسرائيلية« وهو في نقد الأصولية اليهودية. II أسطورة المحرقة والكتاب الأخير: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، هو آخر ما صدر من الثلاثية بالفرنسية، والمفاجأة تكمن هنا، إذ لم يعمد غارودي إلى تحييد الأصولية اليهودية من مشروعه النقدي، بل هو تجرأ على ما لم يجرؤ عليه سواه. وإذا كان يتطرق في كتابه إلى الأساطير التي تتأسس عليها العقيدة اليهودية كأسطورة »الشعب المختار«، فإنه يتطرق بشكل خاص إلى قضية أوشويتز المتعلقة بالمحرقة التي تعرّض لها اليهود إبان العهد النازي في ألمانيا، مشككù بالرواية اليهودية المعتمدة، سواء لجهة الأرقام أو لجهة سرد الوقائع أو لجهة تفسير الحدث وتأويله. ففيما يتعلق مثلاً بأرقام الضحايا، يعتبر غارودي أن الكلام على الستة ملايين لا أساس له من الصحة، بل هو رقم خيالي تحول إلى أسطورة وظفها العقل الصهيوني في التأثير على الرأي العام العالمي، من أجل تحقيق مشروعاته. مع اعتراف غارودي بأن قتل إنسان بريء، واحد، يعد جريمة بحق البشرية جمعاء. ومن المعلوم أن قضية أوشويتز باتت عند اليهود من المحرمات التي لا يجوز المساس بها، تحت طائلة الإدانة والتأثيم والإقصاء وكل أشكال العنف الرمزي. فالعقل الصهيوني قد أسدل الستار على القضية رافضù بتاتù أية إعادة نظر فيها أو أي تفسير جديد لها، معتبرù أن كل تشكيك، بما قيل، أو كل قول مخالف لما هو مقرر ومسموح به، يعد صاحبه معاديù للسامية ويوصم بأنه »منكر« جاحد (Nژgationniste)، وهي الصفة التي يطلقونها على كل من يحاول نبش الملف وفتحه أمام النقاش من جديد. هنا أيضù يعمد غارودي إلى الفصل بين الديانة اليهودية ورموزها من جهة، وبين الأصولية اليهودية المعاصرة متمثلة في المشروع الصهيوني من جهة أخرى. ولهذا فهو يتحدث عن »عظمة أنبياء بني إسرائيل«، ويمتدح »تقاليدهم النبوية الرائعة«، بقدر ما يحمل على السياسة الإسرائيلية، وبقدر ما يعمل على فضح ما تمارسه من التعمية الإيديولوجية بتحويلها التاريخ إلى أسطورة، وجعلها الدين الأصلي، أداةً لسياسة تنبع من »قراءة حرفية واصطفائية للنصوص«. هذا النقد الفاضح للأصولية اليهودية وخرافاتها التأسيسية، كان غارودي قد عبَّر عنه، غير مرة، منذ عام 1983، قبل تأليف كتابه: الأساطير المؤسِّسة. وكان من الطبيعي أن يثير ذلك غضب الأوساط اليهودية، التي شنت أعنف الحملات على غارودي متهمة إياه بالتهم المعروفة نفسها: المعاداة للسامية وإنكار المحرقة اليهودية، وذلك من أجل محاصرته وحمله على التراجع عن مواقفه. وهذا ما جعله ينشر كتابه على مسؤوليته الخاصة، نظرù للإرهاب الذي مارسته ضده مجموعات الضغط اليهودية، ذات النفوذ القوي في الإعلام الفرنسي. ومع ذلك فقد خرق غارودي الحصار الذي حاولوا فرضه عليه، إذ لاقى تأييد بعض الشخصيات الدينية والثقافية في فرنسا، ممن بدأوا يتحرّرون من الاستعمار الصهيوني للعقل الفرنسي والغربي عمومù. من هذه الشخصيات الأب بيار الذي تعرض هو الآخر للضغط والارهاب على نحو دفعه إلى مغادرة فرنسا وإيثار العزلة في أحد الأديرة في إيطاليا، ولكن بعد أن فعل تأييده لغارودي فعله في قطاعات واسعة من أوساط الرأي العام الفرنسي، تثق بنزاهة الأب بيار وعدم تحيّزه، وتتماهى معه بوصفه »ضميرù« لها. من الشخصيات التي أيّدت غارودي، أيضù، مارك سوتيه صاحب مقهى: من أجل سقراط، وهو مقهى افتتح خصيصù لإجراء المناظرات الفلسفية. ولا يمكن لمثقف هذه مهمته، أن يقف موقف الحياد واللامبالاة من قضية تتعلق بحرية التفكير وحق النقاش، بصرف النظر عن موضوع القضايا التي تناقش، وأيù كانت ملابساتها ومخاطرها. بل إن الملابسات والمحاذير المتعلقة بقضية ما، تعطي مبررù أقوى لإعادة النظر فيها وطرحها على بساط البحث من جديد. ولا عجب في أن ينال غارودي التأييد من بعض مواطنيه. ففرنسا قد عُدَّت عاصمة التنوير، وتصدّرت لواء الدفاع عن حريات التعبير، خصوصù في الملفات المغلقة والقضايا المشبوهة أو المسكوت عنها، وأخصها بالذكر قضية الضابط اليهودي درايفوس، التي انفجرت في فرنسا عند نهاية القرن الماضي، والتي دارت حولها سجالات حامية كانت وراء ولادة »المثقف« كمفهوم ومكانة ودور في المجتمع الحديث. من هنا فإن الكثيرين ممن وقفوا مع غارودي في محنته، لا يؤيدونه بالضرورة في آرائه ومواقفه وإنما هم يدعمونه في مواجهة الارهاب الذي يمارس ضده، ويدافعون عن حقه، الذي لا يناقش، في نشر أقواله وسجالاته حول القضية المطروحة. III المثقفون العرب والأساطير المؤسِّسة من الطبيعي أن يلقى غارودي الترحيب والتأييد أو المؤازرة من قبل الأوساط الثقافية في العالم العربي. ليس لأنه كاتب يتعرض للإرهاب الفكري وتُصادر حريته في التعبير، في المطلق؛ بل لأن المعركة هي بينه وبين اللوبي اليهودي في فرنسا، ولأن كتابه يشكل مادة دسمة يمكن توظيفها على جبهة الصراع، الإيديولوجي والسياسي، مع المشروع الصهيوني. فضلاً عن مواقف أخرى لغارودي لا يمكن إغفالها. فهو أولاً معادٍ للمشروع الثقافي الغربي من أساسه، فلسفةً وحداثة، عقلانية وتقنية؛ وهو ثانيù معادٍ للإيديولوجية الليبرالية القائمة برأيه على »وحدانية السوق والمال«، التي يحمّلها وزر ما تعاني منه البشرية والأرض، اليوم، من المفاسد والجرائم والشرور والدمار. وأخيرù فهو مناهض أشد المناهضة لسياسة الولايات المتحدة الأميركية التي يعتبرها »ناشرة للنظرية الليبرالية، وزعيمة نظام الهيمنة والتسلط والاحتكار في هذا العالم«.. وهذا النضال الذي يخوضه غارودي ضد الغرب على غير مستوى وجبهة، يلقى هوىً لدى المثقفين المناضلين في العالم العربي، قوميين أو ماركسيين أو إسلاميين، إذ كل فريق يجد وجهù لغارودي يتماهى معه من خلاله. وعلى كل فنحن من آليات تفكيرنا أننا نضع دومù الملامة على الغير في ما يلحق بنا من هزائم أو في ما يصيبنا من الانهيارات والكوارث. ولهذا يستهوينا الكلام على فضائح الغرب ومساوئه وظلمه.. شاهدين بذلك على قصورنا وجهلنا ازاء مجريات العالم ووقائعه. غير أن للأمر وجهه الآخر: إذا كان لكتاب غارودي حول فضائح الصهيونية أو العالم الغربي، أهميته لدى العقل الإيديولوجي والسياسي في العالم العربي، فإن أهميته في نظري هو في ما يثيره من القضايا التي يغفلها أو يتغافل عنها أصحاب العقل المذكور. نحن ازاء ثلاثية نقدية تطرح علينا أكثر من سؤال، لمن يحسن قراءة النقد: هل تبرأ النخب الثقافية عندنا من محاربة الإرهاب الفكري الذي تدّعي محاربته؟ كيف نفسر، إذن، ما تشهده الساحات الثقافية في العالم العربي مما يسميه بعضنا الآن »الحروب اللفظية« التي تتجلى في طغيان موجات التحامل والتخوين وحجر الفكر وإلغاء الآخر؟ فليستيقظ المثقفون من سباتهم لكي يتساءلوا عن الأساطير التي تتأسس عليها السياسات العربية، أو عن الأوهام التي تتغذى منها المشاريع الإيديولوجية المختلفة التي أحدثت ما أحدثته من التمزق والتراجع والخراب على غير ساحة من ساحات العمل العربي. أليست السياسة هي بوجهها المخادع والمقنّع تاريخ الأكاذيب والأضاليل؟ أليست الإيديولوجيات، في ما تسكت عنه، هي تاريخ إنتاج الصور والتصورات والهوامات التي تحجب علاقات القوة والسيطرة في المساحة الاجتماعية بما فيها المساحة الثقافية نفسها؟ هذه أسئلة يهرب من مواجهتها المثقفون الذين يغلبون إرادة العقيدة والتعمية على إرادة الكشف والمعرفة. وهي أسئلة تتعدى المستوى الإيديولوجي للصراع، بوصفه صراعù بين أفكار ومشاريع؛ كما تتعدى المستوى العرقي للصراع، بوصفه صراعù بين ثقافات وهويات؛ لأنها تتعلق بقضية الحريات كما تثيرها الضغوط والممارسات الإرهابية التي يتعرض لها عدد من الكتّاب والمفكرين في العالم العربي والإسلامي. إن قضية غارودي الناشئة عن إقدامه على فتح الملف الذي طوته الحركة الصهيونية ومارست التعتيم بصدده طويلاً، تثير عندنا كل القضايا المرجأة والملفات المطوية والممارسات المعتمة، التي يصر حراس العقائد وشرطة الفكر الأحادي، على إبعادها عن دائرة الضوء والنقاش. والنقاش الحقيقي والجدي، يوقد الفكر بأسئلة توقظ المرء من سباته وتزعزع البداهات المستقرة، بقدر ما تنزع القداسة عن الروايات والخطابات، أو عن المؤسسات والسلطات، أو عن الولايات والسياسات. وهكذا فالذي يقرأ ثلاثية غارودي النقدية، يمكن أن يرتد على نفسه سائلاً: هل بإمكان المرء عندنا أن يمارس هويته القومية أو الدينية بالطريقة التي يشاء؟ هل بوسعه مثلاً أن يدخل على إسلامه ناقدù له من خارجه أو من منافيه وهوامشه، أو من أساطيره ومناطقه المعتمة؟ هل ثمة مجال لظهور غارودي عربي يجعل الكلام على »حقوق الإنسان« عندنا ذا معنى أو اسمù على مسمى؟ أي هل ثمة إمكان لأن يلقى الواحد، والمسلم تحديدù، في ما يخص حريته في التفكير وحقه في النشر، تأييد الذين يعارضهم أو الذين خرج عليهم، كما هو شأن غارودي الفرنسي الذي حظي في هذا الخصوص بتأييد رجال دين مسيحيين بعد خروجه على الكنيسة واعتناقه الإسلام؟ إن أسماء مثل صادق جلال العظم وفرج فوده وأدونيس ونصر حامد أبو زيد، تدل على أن موقفنا من الحقيقة يصدر، في الغالب، عن ذهنية التحريم وعقلية الارتداد أو عن منطق الإقصاء والإلغاء. مفاعيل النقد مثل هذه الأسئلة تتعدى بيانات التأييد والمؤازرة لروجيه غارودي في محنته، لكي تفتح المجال، الرحب والخصب، أمام نقد الذات فكرù وممارسة، عقيدة وأدلوجة، مؤسسة وسلطة، وعلى نحو يطاول البنية الغائرة للسلوكات أو الأصول الخرافية للمشاريع أو الأسس المتوارية للأفكار؛ وذلك للكشف عن آليات الإقصاء والإلغاء التي تمارسها النخب الثقافية، أو لفضح العجز الذي تؤول إليه الخطط والسياسات، أو لتعرية الأوهام التي تستوطن العقل وتؤسِّس لوجود عربي يسير دومù نحو التراجع والانحدار. والنقد ليس إضعافù للموقف وللذات. بالعكس: إن النقد بما هو كشف وتعرية وفضح، يؤول إلى خروج المرء من عجزه، باختراق حاجز نفساني معيق، أو كسر قالب معرفي ضيق، أو تفكيك جهاز مفهومي قاصر، أو تغيير شرط وجودي قاهر.. بهذا المعنى يفضي النقد إلى امتلاك إمكانيات جديدة للوجود والحياة، تتغير معها علاقات القوة بين المرء ونفسه، وبينه وبين الغير والعالم. وأما الذين يقفون ضد حرية النقد والنقاش، ويمارسون الضغط على الكتّاب والمفكرين، فإنهم لا يريدون سوى تأبيد الأوضاع القائمة والتستر على السياسات العاجزة أو الممارسات الفاضحة. وهكذا نجد أنفسنا مع غارودي، إزاء قضية تتجاوز الحدود المنصوبة بين اللغات والشعوب والثقافات، هي حق الفرد، أيù كان انتماؤه، في أن يمارس حريته في التفكير النقدي والعقلاني لكل ما يجري في هذا العالم، وذلك لهتك الأستار عن كل ما يلبس لبوس التعالي والإطلاق والواحدية، من الهويات والتراثات أو من المشاريع والسياسات، في أي مكان من الأرض، ما دمنا نعيش في عصر باتت تتشابك فيه المواقع والمصالح والمصائر. بهذا المعنى يعد غارودي صاحب مشروع عالمي وكوسموبوليتي. ولهذا فقد أراد لكتابه أن يكون »مساهمة جديدة في التاريخ النقدي للعالم المعاصر«، تفضح التعمية الإيديولوجية للأصوليات على اختلاف جذورها، وتحارب »الوحدانية« على اختلاف أشكالها، أكانت هوية أم سوقù، عقيدة أم مالاً. فالأصولية تولّد العنف والإرهاب، والوحدانية تنتج التسلط والاحتكار. IV العودة إلى أساطير الأولين بعد هذا العرض التأويلي لمشروع غارودي في نقد الفكر الأصولي، أخلص الى النهاية النقدية لأقول إن لهذا المشروع مأزقه ومطباته. ذلك أن غارودي يعمد إلى تحييد الأسس والأصول والبدايات المتمثلة في نصوص الوحي وتجارب الأنبياء، لكي يركز نقده على التفاسير والتأويلات أو على الممارسات والتطبيقات، كما يتجلى ذلك في موقفه من الإسلام على نحو خاص. فهو قد فبرك لنفسه صورة مثالية ونموذجية عن العقيدة الإسلامية، لم تترجم في يوم من الأيام أو في عهد من العهود، وذلك بقدر ما تعامل مع الإسلام كحقيقة متعالية أو كمعنى أحادي أو كأصل في غاية الصفاء والنقاء، أو كنموذج في غاية الاكتمال والتمام. ثم راح انطلاقù من هذه الصورة الخرافية ينتقد القراءات والممارسات الأصولية، لكي يتهمها بالتشويه والتضليل وعدم الأمانة للشريعة الحقيقية والتعاليم الأساسية. وهذا أيضù موقفه من المسيحية واليهودية، فضلاً عن الاشتراكية، فهو يتعامل معها كماهيات متعالية على الأحداث والمعايشات، أو كنماذج كاملة لا صلة لها البتة بمجريات التاريخ الحي ووقائعه. بهذا يكاد غارودي ينسف مهمته من أساسها، أو هو يتراجع عنها، فيما هو يدعو إلى الاضطلاع بها. ذلك أن النقد، بما هو فاعلية تنويرية فضائحية، لا يقوم على تبيان الخطأ أو الخلل في فهم الأصول وتطبيق النظريات، ولا هو مجرد تبيان لما تمارسه التفاسير على النصوص المقدسة من آليات الحجب والتحوير، بل هو أيضù وخاصة كشف للمحجوب أو المكبوت أو المهمَّش أو المستأصل من قبل الأصول المقدسة والبدايات العظيمة. وهنا بالذات يكمن مأزق المشروع النقدي عند غارودي. فهو يؤسِّس لأساطير جديدة بقدر ما يريد لنا العودة إلى أساطير الأولين. ولهذا فإن نقد الأصوليات، القديمة والمعاصرة، باسم الدفاع عن الأصل الإلهي أو الشريعة الحقة أو الاشتراكية الحقيقية والإنسانية، لن يفضي في الواقع إلا إلى مزيد من الطعن والانتهاك والتحريف للبدايات والأصول، ذلك أن الأصول لا تترجم إلا على نحو ما تُرجمت عليه. فهذا شأن المبادئ المتعالية والنماذج الكاملة والشعارات السامية، لا تترجم على أرض الممارسة إلا بعد انتهاكها وتحريفها. وإنها لخدعة وأسطورة آن فضحها أن نعتقد بأن اليهودية والمسيحية والإسلام والاشتراكية، يمكن أن تطبق بصورة أفضل مما طبقت عليه، سواء في التاريخ القديم أو في التجارب المعاصرة. آن لنا أن نتحرر من وهم الفصل بين الأصل وفروعه، أو بين العقيدة وترجماتها، أو بين النظرية وممارساتها. فإن هذا الفصل الذي يجريه أهل العقائد والمذاهب، تنزيهù لعقائدهم ومذاهبهم، أي هربù من إعادة النظر في الأصول والأسس، هو الذي يؤسِّس للحروب الدينية، وذلك بقدر ما يحول التجارب التاريخية والممارسات الفكرية إلى سلسلة من البدع والتحريفات والهرطقات، لا تؤول إلا إلى الإدانة والنبذ والإقصاء أو الإلغاء. فإذا كان بولس الرسول هو أول من صاغ »لاهوت السيطرة« (وهل ثمة لاهوت من دون سيطرة؟) وأول من حرّف رسالة المسيح، كما يقول غارودي صراحة في كتابه: نحو حروب دينية؛ وإذا كان خلفاء محمد هم أول من خرج على شريعته وظلم أهل بيته، كما يقول غلاة الشيعة؛ وإذا كان ستالين هو أول من حرّف تعاليم المؤسِّس لينين، أو كان لينين أول من أساء تطبيق نظرية المعلم ماركس، كما يقول بعض الماركسيين؛ وبالإجمال إذا كانت الأصوليات السائدة لا تحسن سوى طعن الأصول الدينية كما يرى غارودي، فمعنى ذلك أن الأصول والتعاليم والنماذج لا تطبَّق إلا على سبيل الطعن والتحريف والتشويه. هذا هو مآل الاعتقاد بإمكان التماهي مع الأصل الأول في ماهيته وصفائه ووحدانيته: انتهاكه مع أول تطبيق له. من هنا لا يجدي نفعù أن ننتقد الوحدانية الأصولية التي تمارسها الأصوليات اليوم، باسم وحدانية أخرى أكثر تعاليù، أو لمصلحة أصولية أخرى أكثر صفاءً ونقاءً، على ما يفعل غارودي، لأن مآل ذلك هو حروفية أكثر جمودù، وأحادية أكثر استبدادù، وأصولية أكثر تطرفù وإرهابù. الأجدى أن نعيد النظر في التعامل مع الأصول والنماذج والطرق، بحيث نقرأها »قراءة جديدة«، لا تقوم على نفيها والقفز فوقها، إذ ذلك جهل وعبث؛ ولكن لا تقوم في المقابل على استعادتها والتماهي معها، إذ ذلك وهم وخداع. فالممكن النقدي هو أن نقرأ ما تقدم من الأعمال والتجارب أو من النصوص والنماذج، بطريقة حرة ومفتوحة، خلاقة ومنتجة، فاعلة وراهنة، بحيث يتاح لنا: أن نتقدم بها لئلا تتقدم علينا؛ أو أن نزحزح معانيها عن مركزيتها حتى لا تعمل على إقصائنا وتهميشنا؛ أو أن نقوم بتفكيك أبنيتها المتشابكة حتى لا تقوم هي بأسرنا والتحكّم بنا؛ أو أن نعمل على تغيير علاقتنا بها حتى لا نجمد في مكاننا ونخرج من زمننا. باختصار: أن نبيّن أوجه قصورها ومكامن ضعفها حتى نمارس فاعليتنا ونضاعف إمكانياتنا. بذلك نمارس الاختلاف الخلاّق عن الأصل، بدلاً من الكلام على التحريف والتشويه؛ ونعترف بأننا نبتكر ونختلف، بدلاً من ممارسة الاستبعاد المتبادل؛ ونتغير عما نحن عليه، حتى لا نمارس هويتنا على نحو اصطفائي عنصري. مثل هذا التعامل مع الأصل والنموذج والنص، يجنّبنا ما تنطوي عليه نزعات التأصيل والتأسيس والتقديس من الحجب والكبت والتهميش والتحوير.. فالأصول النقية والماهيات الصافية والطرق المستقيمة، لا تنتج سوى الأصوليات، أي المماهاة والأحادية والانغلاق والتطرف والإقصاء والعنف، كما هي المشكلة مع الأصوليات، أكانت قومية أم دينية، أم مركبة من الوجهين. هذا ما شهده الناس ويشهدونه: من محنة روجيه غارودي في باريس إلى محنة عبد الكريم سروش في طهران؛ ومن نفي نصر حامد أبو زيد من القاهرة إلى نفي تسليمة نسرين من بلاد البنغال. وبالإمكان القول أيضù: من محرقة أوشويتز في ألمانيا إلى محرقة قانا في جنوب لبنان؛ ومن ذبح الكتاب في الجزائر كما تذبح النعاج في الأضاحي إلى جحيم الأصوليات في أفغانستان؛ ومن قتل المصلين في المسجد الإبراهيمي إلى ترويع الآمنين وضرب الأمن في الرياض والظهران. كلها وجوه وأعمال للأصولية نفسها وللوحدانية ذاتها. مختصر النقد، أي نقد النقد: لا جدوى من نقد الأصوليات بحجة أنها تطعن الأصول الأولى، أو دفاعù عن أصول لا وجود لها إلا على نحو خرافي، إذ بذلك نمسي الوجه الآخر للأصوليات التي نواجهها، وربما الوجه الأخطر والأسوأ.