الى الأفلام الثلاثة التي بدأت عروضها المحلية مع نهاية الأسبوع الماضي، والتي نُقدّم لها اليوم في »عروض الاثنين«، شريط رابع هو »الرائد باين«، الذي تعرضه صالات مُجمّع »بلانيت«. لم ندرج الفيلم ضمن »العروض«، كالعادة، فهو ينتمي الى نوع من الكوميديا السيئة الصنع، على مستويات كتابته السينمائية ومناخاته الدرامية وأدائه التمثيلي. حكاية ضابط في البحرية الأميركية، عاشق كبير للقتل، يُنقل الى مدرسة لتدريب بعض الصبية. الممثل الذي جسّد هذا الدور مزعج للغاية: بصوته وأدائه وحضوره. باختصار، لا يمكن القول أكثر من ذلك عن فيلم يبدو أنه أقل من العادي، ولا يستأهل سوى اشارة عابرة وسريعة. من ناحية أخرى، ثمة تنويعات لافتة في عروض الأسبوع الجاري: من فيلم بول فرهوفن »الحارّ« جدا، الى كوميديا الأسطورة المعروفة مع د. جايكل وتوأمه الشرير، وشريط الرسوم المتحرّكة المسلّي. »استعراض الفتيات« ان من يلقي نظرة سريعة على بعض أبرز المحطات التي مرّت بها أعمال المخرج السينمائي الهولندي بول فرهوفن (مواليد أمستردام، 1939)، يمكنه القول ان تجربته الفنية تنقسم الى مرحلتين: الأولى، سلسلة أعمال أنجزها في بلده، بدءا من »ما الذي أراه؟« عام 1971، ولغاية العام 1980 حين حقّق "SPETTERSس، راسما فيه لوحة انتقادية (من دون تنازلات، كما في تعريف صحافي لاعماله) حول شبيبة بلاده، الى »ملذات تركية« (1973 رُشّح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي) وسkeetje tippelس (1975)، و»اختيار القدر« (1977) عن المقاومة الهولندية خلال الحرب العالمية الثانية. أما المرحلة الثانية، كما يبدو، فقد تميّزت ليس فقط بانتاجات بعضها الهوليوودية، بل أيضا بمقاربتها البصرية مختلف أنواع العنف: من النفسي مع »الرجل الرابع« (1983) الى الشهواني مع »غريزة أساسية« (1992)، مرورا بالقروسطي (المتعلق بالقرون الوسطى) مع »اللحم والجسد« (1985)، والمديني مع »الشرطي الآلي« (1987)، والمستقبلي مع »توتال ريكال« (1990). لا يمكن تقديم قراءة نقدية مختصرة لمسار بول فرهوفن السينمائي، بشكل يفي نتاجاته حقها. فثمة العديد من أعماله لم تُعرض محليا، خصوصا وأن شهرته انبنت على »الشرطي الآلي« و»توتال ريكال«، قبل أن يُنجز »غريزة أساسية«، الذي أحدث صدمة فعلية في المجتمع الاميركي، كما في أوروبا. قد تكون هذه الصورة غير دقيقة. المهم أن بول فرهوفن، القادم من هولندا، تميّز في قدرته على اعطاء العنف دلالاته المختلفة، من دون أن يبرزه بكل معانيه على حساب الصورة البصرية والمناخات الدرامية، كما انه عرف كيف يخترق المستقبل، مقدما رؤية خاصة به، عنفيا ودمويا. حين أنجز فرهوفن »غريزة أساسية«، جامعا فيه مايكل دوغلاس بشارون ستون وكان الفيلم تحوّلا جذريا في مسار ستون السينمائي، من ممثلة لم ينتبه اليها كثيرون، رغم العديد من الأفلام المتنوعة التي شاركت فيها، الى نجمة يُحسب لها ألف حساب قامت قيامة الرقابة الأميركية عليه بسبب كميّة العنف الجنسي التي فيه، وهي على الأرجح مزيج فني متكامل من الجنس والعنف، فتمّ حذف بعض المشاهد، ومُنع من هم دون السادسة عشرة (باعتباره سن الرشد »الأميركي«) من دخول الصالات التي تعرضه، كما احتل مكانة نقدية وجماهيرية، حوّلت ستون الى »نجمة الاغراء« لعقد التسعينات، قبل أن تبدأ بخلع هذا الرداء تدريجيا، من خلال قبولها أدوارا مختلفة. تكمن أهمية »غريزة أساسية« في المشهد الدرامي القادر على إعطاء الحيّز البوليسي التشويقي حضوره الفعّال، الى جانب الجريمة والجنس: شارون ستون جسّدت دور كاتبة تحوم حولها شبهات القتل، مع انها كاتبة بوليسية لامعة، تبني علاقة جنسية بصديقة لها، قبل أن يتولى مايكل دوغلاس، التحري، قضيتها، بحثا عن القاتل الحقيقي، ومتورطا أكثر فأكثر في هيامه العشقي والجنسي فيها. ثلاثية الجنس الجريمة المنحى البوليسي، تدافعت في سياق دراماتيكي بقدر ما قدم معطيات كادت تكشف هوية هذا »القاتل الحقيقي«، كانت نهايته أكثر التباسا. اليوم، ينتقل فرهوفن، مع السيناريست جو استرهاز (الذي كتب سيناريو »غريزة أساسية« أيضا) الى كواليس لاس فيغاس، حيث أماكن اللهو والعربدة والتسليات المتنوعة، من القمار الى الجنس، من دون تناسي الجريمة المنظّمة ومناطق نفوذ العائلات المافيوية، أي تلك المدينة التي تحمل كل تنويعات المجتمع الغارق في ملذّاته المتنوعة. طبعا، لا يشبه جديد فرهوفن استرهاز »استعراض الفتيات« (SHOWGIRLS) الذي بدأت عروضه المحلية يوم الجمعة الماضي، في الثاني عشر من تموز الجاري، في صالتي »اسباس« (جونيه) و»امبير« (الاشرفية) ما رسمه مثلا مارتن سكورسيزي عن المدينة نفسها، في »كازينو« (عرض مؤخرù في بعض صالاتنا المحلية)، اذا لم نستعد العديد من الاعمال التي صوّرت هذه المدينة أو أرّخت تكوينها المديني، أو روت حكايات منها، عاكسة حياتها الليلية وعوالمها وكواليسها. هذا الجديد يروي عالم الاستعراضات النسائية التي تتكامل في جماليتها الفنية، على امتداد خشبة المسرح، وصولا الى عمق الغريزة الشهوانية في الذات البشرية، من خلال لوحات راقصة، لكنها اغرائية، تلهب المخيلة، وتفجر المكنونات الداخلية لمن يقف (أو يجلس بالأحرى) مدهوشا أمام مرأى الفتيات العاريات اللواتي يتمايلن ملذات وشبقا مفتوحا على كل الاحتمالات الممكنة، وهن في ذروة ابداعهن الجسدي، المفرط في لغته الخاصة، وصورته الأبهى. ليس الفيلم نظرة خاصة بلاس فيغاس ليلا، كما يقول فرهوفن، بل »بالأحرى كتابة درامية لما هي عليه هذه المدينة، حقيقة. ركّزنا على كل شيء كي نُبرز طاقات الاستعراضات بحد ذاتها، وحيويتها. هذا الاستعراض الراقص لا يدوم أكثر من سبع دقائق في الفيلم«. ويضيف (مجلة »بروميير« الفرنسية، آب 1995. يمكن مراجعة »السفير« 7/8/1995): »كثيرة هي المشاهد التي نتجت من الحوارات التي أجريناها مع عدد من الفتيات: الطريقة التي من خلالها يحصلن على أمكنتهن، مواقفهن ازاء الرجال. لا شيء متخيلا، بل هو بالضبط مكثف. مزجنا حكايات مختلفة للفتيات، كي نُغني المناخ العام للفيلم، والخلفية السوسيولوجية. لكن الفيلم ليس وثائقيا«. ويتابع المخرج الهولندي: »حين أعدت قراءة بعض الحوارات التي أجريناها، اكتشفت الى أي مدى كانت هذه الحوارات قريبة من الحقيقة والواقع. (يمكن القول) ان لاس فيغاس تشبه قليلا ديزني لاند، حيث ثمة اشياء كثيرة للاطفال. لكن ليس هذا ما أُظهره في الفيلم. ركّزت جهدي على المزج بين الرقص والجنس«. كل التبريرات التي ساقها المخرج دفاعا عن فيلمه، الذي عرف انتكاسة قاسية في عروضه الأميركية (والأوروبية الى حد ما)، لم تنفع في ايجاد المدى الابداعي الفني الجمالي، لفيلم أُريد منه انعكاس شيء ما من حياة الليل في لاس فيغاس؛ فاذا به يسقط ضحية »الفوضى« الكتابية والتصويرية المشهدية لتلك العوالم والشخصيات والاحداث. أهمية الفيلم أنه »قريب من الحقيقة والواقع«، في مادته العامة. لكن النص السينمائي لا يُقدّم أكثر من تكاثر المشاهد الراقصة والجنسية، وفيها بعض العنف المبطن في العلاقات. تأتي نومي مالون (اليزابيت باركلي) الى لاس فيغاس كي تعمل راقصة في أحد الملاهي. بداياتها اللامعة في ملهى للتعرّي، تفتح الأبواب أمامها سريعا لتصل الى تلك الاستعراضات الكبيرة، ولتُغرقها في عالم حيث الغيرة والطموح هما القاعدتان الاساسيتان للحياة: فالغيرة من طموحاتها الكبيرة، تدفع ببعض الراقصات الى مواجهتها بعنف واضح. والمواجهة تُرغمها على ردّ »الصاع«، ربما بأكثر من »صاعين«. جنس واستعراضات راقصة عارية، وصراعات لا تنتهي، وصداقات تتحكم بها الأهواء الشخصية. فاذا كان النص السينمائي يكتفي بهذه الفكرة، فان الفيلم (ساعتان واحدى عشرة دقيقة) لم ينجح في اعطاء المشهد البصري جماليته الفنية المطلوبة، لا على صعيد السياق الدرامي، ولا في البنية الداخلية، وأيضا على مستوى الاداء التمثيلي الفاشل، تحديدا لاليزابيت باركلي التي لم تبرع الا في المشاهد الجنسية الحارة؛ أو على مستوى المناخات العادية. كمية الجنس فيه قليلة قياسا الى الاستعراضات الراقصة. وهذه الأخيرة تبقى أقل من سيرة نومي مالون التي تتعرض للسرقة فور وصولها الى المدينة، قبل أن تسعى جاهدة في الوصول الى القمة. »جايكل وهايد« أكثر من فيلم سينمائي اقتبس مادته الكتابية من حكاية أسطورة الدكتور جايكل والسيد هايد. آخر هذه الأعمال، شريط المخرج البريطاني ستيفن فريرز، »ماري رايلي«، الذي روى ثنائية الخير والشر، من خلال عينيّ الخادمة التي طالما عرفت العذاب والقهر، ماري رايلي (جوليا روبرتس)، وهما اللتان شاهدتا تحوّل السيد (هذا التحوّل الرائع فنيا وبصريا وأدائيا) بين الصورتين (أحد أجمل أدوار جون مالكوفيتش). الكاتبة فاليري مارتن ابتكرت شخصية الخادمة هذه، لتعالج الموضوع نفسه، من زاوية مختلفة (راجع »السفير« 27/6/1996). ولكن، هناك من قرّر أن يُمزّق تلك الهالة السحرية المليئة بالطروحات التي حلّلت الكيان الانساني وعالجته نفسيا: روبرت لويس ستيفنسون كتب قصة بعنوان »الدكتور جايكل والسيدة هايد«، كان أن تحول الى نص سينمائي ساهم في كتابة السيناريو الخاص به أربعة أسماء: تيم جون، اوليفييه بوتشر، ويليام دايفيز وويليام اوزبورن. فأنجزها دايفيد ف. برايس (مواليد كاليفورنيا، 17 تشرين الثاني 1961)، بطولة سين يونغ، تيم دالي، ليزيت انتوني في الأدوار الأساسية، الى جانب ستيفن توبولوفسكي وجيريمي بايفن وليز لارسن وآخرين. تتحوّل المناخات الدرامية، الموغلة في الذات البشرية وتفاعلاتها الداخلية وصراعاتها المأسوية بين الخير والشر، الى مشهدية كوميدية، تمحورت حول الصراع الثنائي نفسه، لكن بقالب محشو بالمعطيات الضاحكة، التي يمكن أن يُستشفّ من بعض محطاتها وخلفياتها العامة، نوع من السخرية المبطنة لتلك الاسطورة. فبدلا من أن يولد من الدكتور جايكل توأمه الشرير السيد هايد، كما هي الحكاية الأصلية، تتفتّق من داخل هذا العالِم، الذي يعمل هنا في مجال تصنيع العطور، في زمننا الراهن، سيدة ساحرة وفاتنة، تُجسّد الجمال والشر في كيان انساني واحد، كأن ثمة اشارة ما الى انغماس الشر في الجمال الأقوى. أي إن الرجل يتحوّل الى امرأة (هل هي استعادة اسطورة آدم وحواء، حين المرأة تُغري الرجل فتوقعه في الخطيئة؟ بمعنى ان الرجل هو الخير، والمرآة هي الشر؟)؛ والمناخات السوداء التي طالما سيطرت على الانتاجات السابقة، تلوّنت بمفردات عصرنا الحالي؛ والعالِم المنزوي في مختبراته بحثا عن مزيد من التطورات العلمية، يخرج الى الدنيا، رغم عشقه البقاء داخل مختبره (ثمة مشهد يثير بعض الضحك، لكنه يحمل دلالات ساخرة، حين تسعى سارا، خطيبة العالِم، الى اخراجه من المختبر، فيقول لها أمام شاشة التلفزيون التي تعرض فيلما عن أحد العلماء القدماء، لعله الدكتور جايكل نفسه في أحد الاقتباسات السينمائية، أن العالِم الحقيقي هو الذي يبقى طوال حياته هناك، أي في المختبر)؛ وصورة المختبر العلمي، المرسومة باللون الرمادي المائل الى حلكة الليل، كانعكاس دراماتيكي لابداع اللغة السينمائية في نقل حقيقة هذا العالم الذي يعيش فيه د. جايكل، تحوّلت الى أخرى فاقعة بالبياض والتطورات والعطور. واذا شئنا الاسترسال، نقول ان موت الطبيب العالِم، بثنائيته في »ماري رايلي« مثلا، أصبح انتصار الخير على الشر في شريط برايس. والخادمة تختفي لتظهر مكانها الخطيبة التي تساعد العالِم على معركته ضد السيدة هايد. حتى الأسماء تغيّرت: د. جايكل هو ريتشارد جايكس، والسيد هايد يبدو كأنه أرسل امرأته هلن. (بدأت عروضه المحلية يوم الجمعة الماضي، 12/7/96، في صالات »امباساد« جونيه و»لاساجيس« الاشرفية). اذا، يعمل ريتشارد جايكس (والي) في مختبر للعطور، ويعيش مع خطيبته سارا (انتوني). يتوفى جده، فتجتمع العائلة لقراءة الوصية: الجميع حصل على بعض المال والعقارات والسيارات، باستثناء ريتشارد الذي حصل على المدونات العلمية، التي سمحت له باجراء اختبار علمي، فاذا به يتحول الى امرأة، هلن هايد (يونغ)، بكامل انوثتها وجمالها وفتنتها، ليبدأ الصراع بين اثنين، في اطار كوميدي عادي، مع بعض المؤثرات الناجحة في اظهار التحول. »فيلم غوفي« تنتمي شخصية »غوفي« السينمائية، المعروفة بسذاجتها وطيب قلبها، الى أشرطة الرسوم المتحركة »الكلاسيكية« (اذا صح القول). فهي، الى جانب دونالد داك وميكي ماوس وغيرهما، قدمت مجموعة من الاعمال التي لا تزال تحتل مكانتها المميزة في الذاكرة الجماعية. أقول انها تنتمي الى هذا النوع من الاشرطة وأُضيف »بامتياز«، لانها وسمت تاريخ الرسوم المتحركة بمسحاتها المختلفة، وطبعت الفن السابع بشيء من التكامل الفني بين حضور كوميدي لا يعرف الادعاء او التصنع، وبين تقنيات هذا النمط التعبيري النوعي. كما انها نجحت في تغذية مخيلتنا »الطفولية« بالكثير من المواقف الكوميدية والانسانية اللافتة للنظر. ومثلما أنجب زملاؤه الآخرون أولادا (وأحفادا أيضا)، انضموا بدورهم الى هذا العالم الشفاف والمتميز والساحر؛ هكذا غوفي، مع ولده ماكس في »فيلم غوفي«، انتاج شركة »والت ديزني« الرائدة في هذا المجال، واخراج كيفن ليما. وبات يمكن للمشاهدين اللبنانيين، صغارا وكبارا، متابعة أحداثه الطريفة على مدى نحو ساعة وربع الساعة، في صالة سينما »فاندوم« (الأشرفية). بمزيج من الاستعراض الغنائي والراقص، بعيدا كل البعد عن استعراض فتيات بول فرهوفن؛ ومن تدفّق المشاعر العاطفية والمحطات الانسانية »المؤثرة«، تدور أحداث هذا الشريط المسلي، الذي لا يخلو من بعض »القفشات« الضاحكة (أغنية »البقاء حيا« للبي جيز، مثلا، حين يستمع اليها وحش المستنقعات »بيغفوت«)، حين نتابع حكاية ماكس (صوت جايزون مارسدن) العاشق المتيّم بروكسان (صوت كيلي مارتن)، لكن المتردد والمرتبك دائما امام اعترافه لها بحبه هذا. يفعل »المستحيل« كما يقال في لغة العشق، وحين يكتشف انها هي ايضا تميل اليه، فيدعوها الى تمضية سهرة راقصة معه، يقرر والده غوفي (صوت بيل فارمر) ان يقوم معه برحلة لاكثر من اسبوعين. يفشل ماكس في التنصل من هذه الرحلة، لكنه عبرها يعثر على معنى العلاقة الانسانية والحسية بوالده، قبل أن تعود المياه الى مجاري حبه الكبير لروكسان. نديم جرجوره