يقدم كل من د. ابراهيم بيضون في »الحجاز والدولة الاسلامية دراسة في اشكالية العلاقة مع السلطة المركزية في القرن الاول الهجري« ود. هشام جعيط في »الفتنة جدلية الدين والسياسة في الاسلام المبكر«. كتابه بالاشارة الى المصادر. ما يعنينا هنا هو ما يتعلق بأنساب الأشراف للبلاذري. يصفه بيضون على النحو التالي: »هو من المصادر الاساسية عن الحجاز، لا سيما خلال الفترة الاموية، وقد استقى معظم رواياته من الأخباريين الكبار الذين أخذ عنهم الطبري... وعلى الرغم من ان البلاذري كان مقربا من البلاط العباسي فان مروياته اتسمت بالاعتدال، حتى ليعتقد البعض ان له ميولا شيعية... لكن هذا الكتاب القيم برغم علاقة صاحبه الوثيقة بالسلطة لا تبدو فيه نزعات سياسية خاصة، بل جاءت أخباره تحمل من الموضوعية ومن ثقة الاطراف المختلفة بها، ما جعله في طليعة المصادر الى جانب تاريخ الطبري التي اعتمدنا عليها في دراسة التاريخ الحجازي. اما جعيط فيحاول الاجابة على سؤال ينطلق منه وهو التالي: »لماذا تطرح مسألة المصادر الآن، والآن فقط وبحدة«؟ يجيب جعيط عن السؤال بالقول »لان التاريخ صار بشكل مرعب تاريخا داخليا، ولان حوادث كثيرة وكبيرة ستقع، لها مكانتها في الزمان ومحددة بالنسبة الى المستقبل«... وبعد ان يشير الى معركة الجمل وما تلاها... يقول وبالتالي كان تاريخ الحرب الاهلية الكبرى تاريخا رحما، اذ كان يشكل الحدث المميز الذي كان سياسيا والذي كان يتضمن مفاهيم الصراع والتمزق، وبالتالي كان من الطراز الداخلي«. بعد هذا التقديم، يحدد انه يعتمد مؤلفين أساسيين من القرن الثالث هما الطبري والبلاذري في أنساب الأشراف، ويصفه بأنه »عمل لا يقل أهمية عن الاول«. بعد قليل يرى جعيط ان كتاب الأنساب لا يختلف عن كتاب التاريخ، على صعيد النوعية التاريخية للكتاب، بل يختلف عنه بكيفية استعماله المصادر الاولى، كيفية نقلها وتنسيقها... يبدو البلاذري انتقائيا، انه يستند الى أبي مخنف مثلما يستند الى المدائني، ويعتمد على عوانة مثلما يعتمد على صالح بن كيسان. ونشعر وراء عبارة »قالوا« كل الرواة القدامى، ان هذه الانتقائية تجعل الرواية تتقدم بلمسات صغيرة خفيفة وتعطيها بكل مفارقة وضوحا اكبر... البلاذري... يتدخل اكثر من الطبري في استعمال مصادره، انه يوجزها، يختصرها او يؤلف بينها، يسكبها في رواية واحدة ولكن من دون ان يحرفها... ويبدو انه يعتمد اضافة الى رواياته المكتوبة روايات شفوية... ومع ذلك يظل السائد في كتاب الأنساب هو التوثيق المكتوب عندما يتعلق الأمر بظواهر تاريخية جماعية ومهمة، الأمر الذي يطرح هنا، كما عند الطبري، وكما في حالة أضيق عند نصر بن مزاحم، مسألة قيمة ومصداقية هذا التوثيق الأصيل، اي مسألة صحة كتابة الأخباريين الأوائل. يُنهي د. بيضون كتابه »الحجاز« مع نهاية الخليفة المتنور عمر بن عبد العزيز، »الذي حدث بصورة مفاجئة شأن ارتقائه سدة الخلافة«، اما جعيط فيختم كتابه »الفتنة« ببيعه الحسن لمعاوية »متبوعا من الكوفيين في الكوفة ذاتها«. اي ان بيضون يمد تاريخه هذا حتى العام 101 هجرية، اما جعيط فيتوقف عند العام 41 هجرية، هذا من حيث المدى الزمني الذي اعتمداه في تناول مرحلة متداخلة الى هذا الحد او ذاك. الا ان المهم هو ما يتعدى هذا المجال ويتعلق بالمصدر، فكلاهما متفق على اعتماده، وقد فعلا. لكن الهامش الزمني بين الكتابين، لا يعني خلافا كبيرا في مدى الافادة من هذا المصدر، الذي هو في الأصل »تاريخ أنساب« وليس تاريخ حوادث كما هو معلوم. بالطبع تشكل دولة الرسول في المدينة، ثم بيعة السقيفة، وقيام خلافة الراشدين يؤشر الى تحول جوهري، هو ذلك الذي يعنيه الانتقال من مرحلة القبلية الى مرحلة الدولة المدينة يثرب ثم مرحلة توحيد الجزيرة، والاطاحة بالامبراطوريتين المجاورتين. وعليه ممكن القول ان كلا المؤرخين يأخذ من المصدر ما يفيده في مضمار البحث الذي عقداه، على اختلاف كل منهما في زاوية تركيزه. بالطبع مثل هذا لا يمثل مطعنا البتة لما أنجزاه، الا ان المقصود هو التأثير الى تجزيئية ما، هذا مع العلم بان بيضون يبدأ كتابه بفصل يحمل العنوان التالي »التكوين الجغرافي« ثم يتبعه ب »التكوين السكاني« حيث يتطرق بالضرورة الى القبلية كتشكيلة ترتبط بالمؤسسة الوثنية او هذا المكان. اما جعيط فبعد مدخل قصير وتحت عنوان فرعي هو »الدين وحده« يتحدث عن الجاهلية، ليحسم ان دخول العربي في التاريخ تم من خلال المدن، مدن الشمال اولا: حواضر المعلا والحجر والبتراء وبصرى التي أنشأها التموديون والنبطيون وحواضر اليمن ثانيا: سبأ وشبوا وتمنع وظفار ونجران التي استطاعت ان تفاخر بتمايزها عن العرب البدو. كانت المدينة هي السائدة في المجال التاريخي بينما كانت البداوة هي المهيمنة في المجال الأنتروبولوجي. لقد كان الجمهور الأعظم من العرب لا يزال خاضعا للوجود البدوي الرعوي القبلي والحرب. من مراجعة هوامش الكتابين يتضح ان د. بيضون استعمل كتاب أنساب الأشراف 97 مرة، اما د. جعيط فقد أفاد منه في 109 مواضع. حدث بين تاريخين: كيف تعاطى كل من البلاذري وبيضون وجعيط مع حدث السقيفة الذي أعقب وفاة الرسول؟ ابدأ بالأقدم، اي البلاذري، ويرويها عن كثيرين منهم: ابراهيم التيمي، محمد بن سيرين، ابن عباس، القاسم بن محمد، عبد الله بن مسعود، ابن شهاب، الزهري، جابر بن عبدالله، ابو مخنف، محمد بن اسحاق، ابو نضرة، عائشة، عون، ابو صالح، عيد المسيب، الحسين، محمد بن المنكدر، عن ابي هشام بن عروة، الحسن، اسماعيل بن ابراهيم بن عفية، ابو عمرو الجوفي... والسند هنا واضح، اذ لا أثر لتلك الكلمات التي درج البلاذري على استعمالها: قالوا... حدثتني جماعة من أهل العلم وسواهما من عبارات. ويشغل حدث السقيفة في هذا المجلد الصفحات من 579 وحتى 594، وينتهي في الصفحتين الأخيرتين بمحراث للرسول عن السنة كل من: أبي بكر، عمر، علي، حسان بن ثابت وصفية بنت عبد المطلب. يبدأ البلاذري برواية تقول انه لما قبض الرسول أتى عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح فقال له: إبسط يدك نبايعك، فانك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله، فقال: يا عمر... أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين. بعد رواية ثانية بهذا المعنى ينقل ثالثة تقول ان الأنصار اجتمعت الى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم ابو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، قام حباب بن المنذر وكان بدويا فقال: منا أمير ومنكم أمير، فإنا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم ايها الرهط، ولكنّا نخاف ان يليه قوم قتلنا أباءهم وأخوانهم. فقال عمر: اذا كان ذلك، قمت ان استطعت، فتكلم ابو بكر فقال نحن الأمراء وانتم الوزراء... وفي رواية اخرى: قالت الانصار منا أمير ومنكم أمير، قال فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار الستم تعلمون أن رسول الله أمر أبا بكر ان يُصلي بالناس؟ قالوا: بلى: فأيكم يطيب نفسه ان يتقدم أبا بكر بعد ذلك. قالوا نعوذ بالله ان نتقدم أبا بكر... رواية خامسة ان معن بن عدي وعويم ابن ساعدة جاءا أبا بكر فقالا باب فتنة ان لم يغلقه الله بك فلن يُغلق أبدا، هذا سعد بن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يُريدون ان يبايعوه... فقال أبو بكر، نحن أول الناس اسلاما وأوسطهم دارا وأكرمهم أنسابا وأمسهم برسول الله رحما.. فنحن الأمراء وانتم الوزراء ولن تُدين العرب الا لهذا الحي من قريش... فبايعه عمر، وبايعه أسد بن حضير، وبايع الناس وازدحموا على أبي بكر. فقالت الانصار: قتلتم سعدا وقد كانوا يطئونه. فقال عمر: اقتلوه فانه صاحب فتنة... وسمع العباس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغا من غسل الرسول فقال علي: ما هذا فقال العباس »مارده مثل هذا قط، لهذا قلت لك الذي قلت«، قال: فخرج علي فقال يا أبا بكر ألم تر لنا حقا في هذا الأمر؟ قال: بلى، ولكني خشيت الفتنة، وقد قلدت امرا عظيما، فقال علي: وقد علمت ان رسول الله أمرك بالصلاة وانك ثاني اثنين في الغار، وكان لنا حق ولم نستشر والله يغفر لك، وبايعه. الروايات الاضافية التي يذكرها البلاذري تحوي اضافات تتناول رفض سعد بن عبادة بيعة ابي بكر، وموقف علي واعتزاله مع الزبير وموقف عمر من ذلك، وتأخر الاول في البيعة حتى ارتدت العرب، او بعد موت فاطمة بستة أشهر، وهو ما ينطبق ايضا على خالد بن سعيد، ثم موقف أبي سفيان وانكاره مبايعة »أذل قبيلة من قريش« وقول أبي قحافة عندما سئل عمن بويع: أرضي بذلك بنو هاشم وبنو عبد شمس وبنو المغيرة... يرى جعيط في وفاة النبي طرحا لمسألة حقيقية وحيدة: مسألة الحفاظ على انجازه من دين ودولة، وبالتالي مسألة الخلافة وكذلك مسألة ولاء القبائل المسلمة... وبعد عدة حوادث جرى الحفاظ على كل شيء... لكن الحفاظ على كل شيء لم يأت فجأة، وفي لحظة واحدة فقد »كادت النواة تنقسم منذ البداية« بالاشارة الى اللحظة البلبلة التامة لدى الاعلان عن وفاة الرسول واجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة... ويستدل جعيط على وجود فكرة الانتخاب، من دون ان يوضح مصدرها في بنية القبلية على وجود طريقة من الديموقراطية الجماعية المحصورة بالنخبة، كما تدل على ان الوظيفة النبوية، كانت تفهم كوظيفة قيادية تستلزم خلفا. الا انه برغم حصر الاجتماع بالأنصار من دون المهاجرين، فان جعيط لا يتبين السبب الكامن وراء ذلك، اذ على حد قوله »لا يمكن التعرف أبدا هل كان الأمر في نظر الأنصار يتعلق بانتخاب رئيس لهم وحدهم او لكل الامة الاسلامية، وهل كان ردهم ردا قبليا او كان حقا موقفا لإنقاذ الأمة والدين«. هذا السؤال لا يمنع جعيط من ان يعتبر انه من المحتمل ان تكون مبادرة الأنصار مبادرة قبلية او خصوصية تهم بلدهم فحسب، فقد كانوا أغلبية في مدينتهم وكانوا يرغبون في التصرف كأسياد، وان يستردوا سيادتهم التي تنازلوا عنها للنبي في حياته. على قاعدة الاسئلة والاحتمالات هذه يصل الى ايضاح رأيه على النحو التالي: في رأيي، كان ذلك سلوكا انفصاليا لا يأخذ في الاعتبار مجموع الأمة بل يأخذ فقط الثنائي القبلي الأوس/الخزرج... وبالتالي كان من المشكوك فيه أنهم كانوا يطمحون الى ادارة الأمة كلها ومن ورائها مجمل الجزيرة العربية. يتعاطى جعيط مع موقف الثلاثي أبي بكر، عمر وأبو عبيدة باعتباره يمثل وحدة الأمة، انطلاقا من ان الأولوية تتحدد بالأقدمية في الاسلام، وعليه يأتي جهاد الأنصار في المرتبة الثانية. اذاً كانت السابقة هي المقياس ثم يأتي الانتماء الى قريش في المحل التالي، لان الوراثة في جهتهم... وهكذا تأثر الأنصار بحجج ابي بكر، زد على ذلك انهم كعرب كانوا مفعمين بمفهوم الوراثة ضمن قبيلة، عشيرة، او عائلة... ويروي الاخباريون ان شوارع المدينة كانت تغص بأفراد قبيلة أسلم، وبالتالي كان هناك ضغط عسكري من جانب عناصر خزاعة، تلك القبيلة التي كانت مرتبطة بالنبي بروابط شخصية فانتقلت الى ورثته الطبيعيين مهاجري قريش. يتوقف جعيط عند موقف أسرة النبي بني هاشم بالمعنى الضيق، او بالمعنى الواسع (بني عبد مناف) التي أبعدت عن الخلافة، وفي ذلك مفارقة بمعنى ان الوراثة كانت معتمدة في مستوى القبيلة القريشيين ، فمن البديهي ان يستظهر بها ايضا في مستوى العائلة وبعد ان يلحظ غياب البطون القريبة من الرسول عن الاجتماع، والتحفظ الذي أبداه هاشميون وأمويون من بطن عبد مناف الواسع، يحدد موقع الشيخين أبي بكر وعمر بأنهما »سيكونان، حالة استثنائية وتجسيدا للصحبة الاسلامية المحض، فوق اعتبارات قرابة البيت او الانتماء العشائري، ويتابعان على هذا النحو بارقة النبوة، اما بعدهما فتستقر السلطة نهائيا في بيت عبد مناف الواسع بشكل تعاقبي(؟) بين الأمويين والهاشميين. من جانبه يرى بيضون ان الأنصار كانوا يتأهبون لاتخاذ دورهم والنبي على فراش المرض، من دون ان يمتلكوا مقومات التخطيط للمجابهة الصعبة الا سرعة المبادرة التي فاجأت المهاجرين بكتلهم السياسية المختلفة. هذه المبادرة كان لا بد من ان تنطلق من السقيفة، وهو ما يحمل دلالتين؛ قبلية وإقليمية في وقت واحد، بديلا للتقيد الاسلامي الذي درج على اتخاذ المسجد محور الاجتماعات التي تبحث في الشؤون السياسية والعسكرية. يعقد بيضون ما يشبه »المباراة« بين موقفي الكتلتين الاسلاميتين؛ الأنصار والمهاجرين. فطرح الفريق الاول قضية الخلافة مبكرا لم يحدث صدمة كبيرة في المدينة، حيث وجد من له حساباته في هذا السبيل وهي حسابات اكثر دقة من حسابات الأنصار. وبعد ان يعرض بيضون لآراء كل من علي الذي يستبعد غير المهاجرين عنها، وأبي بكر »عشيرة الرسول« وعمر »رفض المداورة«، يصف اتجاه الثلاثة بأنه ينطلق من علاقة وثيقة بين قريش والسلطة في الاسلام، لكن الدائرة تختلف، ففيما لدى الاول تضيق حتى حدود الأسرة، تجاوز لدى الثاني والثالث الى العشيرة التي تأخذ مفهوم القبيلة كما الأمة. لكن هذا التوافق في مواجهة الأنصار، لا يلبث ان يبرز متخلخلا في موقف علي وموقف آخرين... وعليه فان مؤتمر السقيفة هل هو مؤتمر حقا شكل انطلاقا للخلافة في غير الاتجاه الذي ارتضاه الأنصار وأسرة النبي، حيث سيؤدي ذلك الى تقارب الطرفين نحو جبهة واحدة... فقد اقتنع الانصار بتلك الترضية المبهمة التي خرجوا بها من السقيفة، ولعلهم وجدوا في علي، من موقع العلاقة مع النبي والارتباط الأقل بالسيادة القرشية، السبيل الى استعادة دورهم في المدينة، فتعاطفوا معه. على ان بيضون لا يكتفي برصد هذه النتيجة، بل انه ينطلق من هذا الصراع بجوانبه المتعددة ليثير مشكلة الخلافة في حياة النبي وموقفه منها. ويصف الروايات المتضاربة بأن جزءا منها او اكثر قد وضع في وقت متأخر حاملا هذه الخلفية او تلك، مما يجعل البحث فيها انزلاقا في دائرة عقيمة من الجدل. وعليه يرى ان ما حدث في السقيفة يتناقض مع اصحاب نظرية النص المباشر او الوصفي ولا يتطابق ايضا مع نظرية الشورى التي اخذت تنتشر منذ إرفضاض المؤتمر محاولة »تشريع البيعة او »قرأنتها«... وقد طرحت هذه النظرية بعد تحول الخلافة الى أمر واقع، من دون ان تعبر فكرا او ممارسة عن أي مضمون تمثيلي حيث وضعها ذلك في إطار انقلابي، مع قيام ثلاثة من زعماء المهاجرين لم يتمتعوا آنذاك بالاجماع القريشي، بالتصدي لطموح الأنصار ووضع قانون عام تكرست معه قرشية الخلافة على مر أدوارها التاريخية. ملاحظات ختامية: بعد هذا العرض المكثف لما جاء في »الأنساب« و»الفتنة« و»الحجاز« لا بد من الخروج بملاحظات ختامية تتمحور حول طريقة التعاطي مع هذا الحدث السقيفة. يمكن ملاحظة الاختصار الذي عمد اليه البلاذري في نصه، اذ من أصل الصفحات الخمس عشرة التي خصصها له يمكن اقتطاع ثلاث صفحات تضمنت مرثيات للرسول. هذا مع العلم بان هذا التكثيف أحاط بالجوانب الاساسية من حدث السقيفة لجهة المواقف: الأنصار، الثلاثي أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، قريش. علما بان هناك جانبا لم يعره البلاذري اهتمامه وهو ورد عند الطبري حول الاستنفار العسكري الذي مارسته قبيلة بني أسلم، وأثبته جعيط. هذا الاختصار والتكثيف لا يضعان الحدث المذكور في سياق خطورته الفعلية، بما هو نهاية قيادة روحية سياسية وتجربة حكم، وانطلاقة اخرى تتأسس بصعوبة بالغة على قاعدة التناقضات التي سرعان ما تبرز وقبل ان توارى جثة النبي الثرى. مع هذا يقف البلاذري موقفا موضوعيا او محايدا إزاء الروايات ومن دون إضافات من عنده على غرار ما يورده من ملاحظات لا يتنبه اليها سواه. على ان الحدث السقيفة يظل واسعا للقول، ليس انطلاقا مما أرساه لاحقا، بل من حيثياته. لنعاود قراءة موقف الأنصار، آخذين بالاعتبار الجانب الاقليمي القبلي على حد تعبير بيضون، والانفصالي كما يصفه جعيط، يتبين ان هذا الفريق عندما طرح »منا أمير ومنكم أمير« لم يكن يستند الى ثنائية الأوس الخزرج، خلافا لما يذهب اليه جعيط، لانه عندها تتوجب ثلاثية ما. لا شك بان وفاة النبي حدث سياسي، والنبي يملك سلطة خاصة مصدرها الهي، وهي لا تبارى، يمكن هنا ان نستحضر قصة »المنافقين« كفريق خلال حياة الرسول، وبالعلاقة مع قريش. يمكن الذهاب في التحليل الى أبعد من ذلك، صحيح ان لمكة دورها وموقعها الدينيين القبليين الموروثين منذ ما قبل النبوة، ولكن للمدينة موقعها الديني القبلي المؤسس منذ الهجرة ايضا. وعلى قاعدة هذا الدور المستجد للمدينة، باتت امكانية تعديل الميزان في علاقتها مع الوافدين الذي غاب عنهم عنصر الترجيح الالهي. في الخطاب الذي ألقاه ابو بكر يمكن العثور على الكثير من الدلالات، تبدأ بالسابقة في الاسلام، لكن هذه لا تشغل سوى جملة واحدة مما هو مثبت لتليها مباشرة »وأوسطهم دارا وأكرمهم أنسابا وأمسهم برسول الله رحما«. هنا تدخل العوامل القبلية القريشية كعنصر مرجح حاسم، بما تعنيه من دار ونسب ورحم. لكن علاقة الرحم، لا تسير وفق المبدأ الأنثوي. وهنا يجب ان نتذكر ان ابا بكر هو صهر الرسول عبر عائشة، الوحيدة التي تزوجها النبي بكرا، كما ان عمرا هو صهره الآخر، عبر زواجه من حفصة ايضا. وكذلك عثمان »ذو النورين«. لكن ابا بكر يعود بعد حديث الرحم ليطرح مواصلة المشروع الذي حمله النبي عندما يقول »لن تُدين العرب الا لهذا الحي من قريش«، هذه الجملة سبقتها اخرى »فنحن الأمراء وأنتم الوزراء«... يمكن ان نقرأ العديد من المواقف على قاعدة القريشية. لكن القريشية، ليست متساوية متى تعلقت برابطة الدم، من هنا يمكن اعتبار مقولات كل من أبي سفيان وأبي قحافة والد الخليفة جد معبرة عن هذه التراتبية داخل قريش، خصوصا ان النبي لم يخلف وراءه ذكورا من صلبه يمكنهم وراثته، كما تقضي بذلك الأعراف العشائرية والقبلية، ولأنه توفي على هذا النحو فقد ثارت المشكلة... حول السابقة في الاسلام، ثار جدل كبير، وهناك روايات مطولة حول عمر علي لدى اسلامه أيضا، للوصول الى تبيان اسبقيته لأبي بكر... الا ان هذا جدل في المصادر، بينما يبقى الأصل، هو تلك المستجدات التي طرأت، بما هي تحولات أدت الى خلخلة تراتبية مفهوم الوراثة، لتسوغ في المحصلة شغل »أذل قبيلة من قريش« موقع الخلافة، من دون ان يعني ذلك ان تلك القبيلة لا تنتسب برباط الى الرسول، باعتباره المؤسس لمشروع السلطة الروحية والزمنية على حد سواء. النص الذي أثبته البلاذري اضافة الى نصوص اخرى من المصادر التاريخية، لا تنسحب بالتأكيد على كل من كتابي بيضون وجعيط. فالحدث، السقيفة ليس مجرد وفاة تعقبها عملية انتقال في السلطة، سواء كانت عملية الانتقال هادئة وطبيعية او تمتاز بصراع الكتل يصبح مجالا للتحليل، باعتباره لدى كل من المعاصرين نقلة مفصلية في بنيان السلطة، التي استمدت عصبيتها من الدور الديني القبلي السياسي الذي شغله الرسول، فاما ان ينهار كل شيء او تتم المتابعة اعتمادا على الركائز التي أرساها. وبين المؤلفين المحدثين نجد تباينات. ففيما نلمح ترددا ما لدى جعيط في البداية في قراءة الدلالات، يبدو بيضون اكثر حسما ومنذ السطور الاولى في الطابع الاقليمي القبلي لدى الانصار، مع ارجحية لدى الاول في استقراء عناصر لا ينتبه لها الثاني على صعيد التحولات التي طرأت على المدينة وموقع ابنائها فيها ودورهم السياسي، اذ انها اصبحت عاصمة السلطة، بعد ان كانت مدينة النبوة مع كل ما يرتبط بذلك من موقع سياسي في المحيط القريب والأبعد. الجانب القبلي اكثر حضورا في تحليل جعيط أيضا، ومع انه صيغ بداية على شكل أسئلة، الا انه سرعان ما يتحدد ليتناول، وإن كان باقتضاب على شكل صياغة لمفهوم الوراثة في القبيلة، العشيرة والعائلة، سواء بالمعنى الواسع او المعنى الضيق.. يشي النص الوارد في كتاب بيضون بالاستعداد لدى المهاجرين وتحديدا من له حساباته في هذا السبيل، وبذلك كان يؤشر الى الثلاثي؛ ابي بكر، عمر، ابي عبيدة بن الجراح.. بينما علي والعباس منشغلان في غسل الرسول... على ان بيضون لا يختلف مع جعيط حول »قريشية الخلافة«، بما يمهد لتحالف بين علي والأنصار لاحقا. تبدو القراءة المعاصرة كما في كتابي بيضون وجعيط مركبة على قاعدة رؤية مزدوجة للجانبين؛ السياسي العام والقبلي الخاص، الا ان هذه القراءة على اهميتها تبقى دون ما هو مطلوب على صعيد التحولات التي شهدتها المدينة، وان كان بيضون قد تناول ذلك في كتابه الآخر »الأنصار والرسول« الصادر عن معهد الإنماء العربي 1989. وهنا لا يقدم البلاذري الكثير من المعلومات، كما قد لا يقدمها الآخرون. وهو ما يتوجب سد فراغه عبر التحليل الذي يعيد استقراء الأحداث، خصوصا ان هناك الكثير من المفاتيح التي يمكن الاستناد اليها في هذا التوجه، سواء من خلال المصادر كالبلاذري او المراجع الحديثة.. يبقى القول ان حدث السقيفة الذي اخترناه، انما تم اعتماده باعتباره تكثيفا للاشكاليات التي أشرنا اليها في المقدمة، وهي اشكاليات لا يجيب عليها هذا البحث، وانما يحاول طرح الاسئلة بشأنها، او دفعها الى احتمال النقاش.