ومسرحية صلاح عبد الصبور أو بالأحرى قطعته المسرحية »الأميرة تنتظر«، 1970، استجابة بمعنى من المعاني لهذا التيار من المسرح المعاصر: محاولة الرجوع بالمسرح الى الطقس من خلال أكثر الوسائط المسرحية أصالة: الشعر والأقنعة والبانتوميم والمحاكاة. في وادٍ جدب لا ينبت فيه غير أشجار السرو »مثل تصاوير الرعب«، وداخل كوخ خشن فقير، تبدأ المواجد الليلية للأميرة ووصيفاتها الثلاث، بعد أن تُعد المائدة الفقيرة يبدأ دور الضحك المفضي الى البكاء. من وسط الضحكات تنمو خطى رجل قادم نحو الكوخ، يبدو فقيرù رث الثياب، يقول إن إسمه القرندل (وإن كان اسمه لا يعني شيئù)، وأنه مدعو الى أن يلقي أغنيته التي لم يكمل نظم كلماتها بعد، يجلس مواجهù باب الكوخ بعد أن عمّق الإحساس القائم عند النسوة بأن هذه الليلة مختلفة عن سواها، ويبدأ دور الوليمة: تتمدد الأميرة على المائدة في إغراء، وتؤدي الوصيفات بقية الأدوار: يتقدم العاشق من الأميرة فتلقاه بشوق طاغٍ لوليمة الجسد، لكنها تحس أنه منصرف عنها، وأنه يطلب إليها أن تعطيه مفتاح القصر حتى لا يتسلل إليها كل ليلة مثل اللص، تقوده الأميرة الى مخدع أبيها النائم فيقتله ويستولي على خاتم ملكه. وحتى لا تفقد الأميرة رَجُلَيها في ليلة واحدة تستدعي كبير الحراس وتنبئه بأن أباها الملك قد مات، وأنه أوصى بملكه وخاتمه لحبيبها (السمندل) قبل أن يموت. ثم تنصرف هي ووصيفاتها للبكاء على الملك المقتول. المثقلات بالشبق ويأتي الملك القاتل من جديد. باسم الحب من جديد. يأتي يُذكِّر الأميرة بلياليهما المثقلة بالشبق، ويطلب منها أن تعود إليه ليبدآ دورة الأيام من جديد. كاذبù كان. تنفجر الحقيقة كلمعة النصل: جاء كما جاءها من زمان وهي طفلة، يرفع في وجهها بيرق الحب يخفي وراءه شهوة الحكم: السمندل: أنا مقهور يتشقق ملكي من حولي كلحاء الشجرة. أنكرني الحراس/ الأميرة: والقادة والجند؟ السمندل: هجروني/ الأميرة: ماذا لو عدت معك؟ السمندل: قد يصفو الأمر/ الأميرة: لك؟/ السمندل: لنا. وحتى لا تتردد في المدينة كذبة أخرى فتهوي ميتة »أنهار وتلال ومنازل« ينهض القرندل التاريخ والضمير والفن وشاهد العصر (حين يُسأل عمن هو يجيب: أحيانù أتأمل في الشمس إلى أن تغرب/ أو في الليل إلى أن تشرق/ أرقص أحيانù في أفراح الخلان/ أحيانù أكتب (..) ما يحدث) ويغمد سكينه في قلب الملك القاتل. اكتملت أغنيته وهو يتوجه الى الأميرة بمقطعها الأخير: يا امرأة وأميرة/ كوني سيدة وأميرة ليكن كل الفرسان الشجعان/ ممن يحلو مرآهم في عينيك/ لك خدامù لا عشاقù/ أو عشاقù لا معشوقين. التقى الماضي والحاضر، واكتمل طقس الحب والخيانة، طقس الحكم بالخديعة. هل من الضروري أن نشق صدر الطائر الجميل بحثù عن قلبه؟، فلتكن الأميرة المنتظرة وطنù أو فكرة، فلتكن حقيقة في النفس أو في العالم، فإن شيئù واحدù يبقى بعد كل تفسير: إن الملك القاتل هو الملك المقتول، والتاريخ شاهد تدعوه الريح كي يغمد خنجره في صدر الكاذب كي لا يُنبت في المدينة مزيدù من الأكاذيب. قطعة مسرحية نموذجية، استطاع صلاح أن يقدمها مركزة مصفاة، تزاوج فيها الشعر والمسرح، فبلغت صوره الشعرية مستوى رفيعù من الجمال والتأنق، ووظف وسائله المسرحية توظيفù جيدù، ونجح في أصعب شيء قبل هذا وذاك: أن يخلق لها عالمù منتظمù له رموزه وعلاماته، وذلك هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه المسرحية الشعرية الجديرة بهذه التسمية. بذخ نبيل الألفي قبل خمسة وعشرين عامù في 71 وعلى خشبة »مسرح الطليعة« نفسها، شهدت عرضù لهذا النص من إخراج الأستاذ نبيل الألفي، وأذكر أنني كتبت يومذاك: »وقد حشد نبيل الألفي لإخراج هذه القطعة المسرحية إمكانيات كثيرة، وأغدق ببذخ على تشكيل إطارها المادي، وتوافرت له عناصر فنية على مستوى جيد في فنونها المختلفة: صلاح طاهر لتصميم الديكور والملابس، شعبان أبو السعد لوضع الموسيقى والألحان، مايا سليم لتصميم رقصات الباليه، بالاضافة الى إمكانيات عدد من الممثلين (بينهم عبد ا" غيث وأحمد زكي)، برغم هذه الإمكانيات كلها فإنني أعتقد أن المخرج قد مضى في اتجاه موازٍ للنص لا يلتقي به، فالمسرحية لم تكن في حاجة الى هذا كله، بل لعلها على العكس كانت في حاجة الى إطار مادي بسيط أميل للخشونة والعنف، يفجر ما في الطقس من إمكانيات داخله لا خارجه. (..) ويبدو لي أن الطابع العام للإخراج قد استبدل متعة سهلة بذل فيها جهده كله، هي متعة الإبهار بالإطار المادي وتكويناته الجمالية المختلفة بمتعة أخرى أعمق وأكثر أصالة هي متعة التطهر «. أما العرض الذي قدمه المخرج الشاب ناصر عبد المنعم وهو لم يشهد العرض القديم على وجه اليقين فقد جاء أكثر بساطة وسلاسة، ومن ثم أكثر إفساحù للكلمة والأداء، فالديكور (الذي صمّمه محيي فهمي) لا يتجاوز قطعù قليلة: مائدة في مقدمة المسرح، هي مائدة الطقس، وهي سرير الأميرة، وهي مخدع الملك الأب، وهي ما يتمدد عليه السمندل قتيلاً في النهاية، ومقعدان هزازان او ثلاثة للوصيفات، ودرج صغير تهبطه الأميرة اول ظهورها حين تلاقيها وصيفاتها بترانيم الإعجاب والمحبة. والاضاءة مناسبة تمامù، تتراوح بين الاعتام والخفوت، ولا تعلو درجتها الا حين يبلغ الحدث ذروته. والمقطوعات الموسيقية مُعتنَى باختيارها وتوظيفها: في الافتتاح وفي لحظات الشجن والبوح والفجيعة، والراقصتان تؤديان رقصاتهما التعبيرية فتؤطران المشهد وتضيفان اليه. وأقول من دون مبالغة ان الأداء كان متعة خالصة. تعاون على تقديمها حماسة الشباب وحسن تفهمهم للنص: الوصيفات الثلاث: جيهان الفرماوي وأماني يوسف وجيهان سرور، ثم خالد العيسوي (القرندل) وشريكه أمجد عابد (السمندل). والبطولة معقودة للأميرة بطبيعة العمل ذاته، وقد كانت معتزة ابنة الشاعر الراحل موفقة في أدائها، لديها إحساس مرهف بكل كلمة تنطقها، من دون لحن أو عوج، وتألقت بوجه خاص في لحظات الاشتعال بالشبق، وتعبيرها عن الحيرة والتمزق بين يقينها بكذب حبيبها، وتوقها الى لياليهما المثقلات في الوقت ذاته. ان معتزة التي درست المسرح في الجامعة الاميركية، وقامت بدور »أوفيليا« في إعداد المخرج جواد الأسدي لنص »هاملت« فأدته أداءً جيدù جديرة بأن تصبح ممثلة مجيدة لو انها بقيت على هذا القدر من الجدية، والقدرة على الرفض اكثر من القبول. نعم. استطاع ناصر عبد المنعم ومجموعة الشباب ان يجلو جوهرة صلاح عبد الصبور، وأن يعرضها امامنا في وجوهها المتعددة المشعة، ببساطة ومن دون حذلقة إخراجية من أي نوع. فاروق عبد القادر (القاهرة)