As Safir Logo
المصدر:

أدب أجنبي.سيرة زولاكما كتبها فريدريك براون:مشكلة الإبداع في»الأناجيل الأربعة«(صورة)

المؤلف: الخوري ميخائيل التاريخ: 1996-07-02 رقم العدد:7427

ان اميل زولا، كما يقول فريدريك براون في هذه السيرة الرائعة يتمتع برجولة سليمة، معافاة، صديقه بول ألكسيس قال انه كان »يقدم بشجاعة على اية مهمة« حتى ولو ان هذه المهمة تدمر صحته، وتؤدي الى وفاته، لقد ثبت لنا الآن بدون اي نزاع ان اميل زولا قضى اغتيالا. لقد مات اختناقا بنتيجة انسداد بابور فحم، ثم تبين من اعتراف احد العمال لأحد اصدقائه انه لعب بالبابرو، مع انه لم يكتشف آنذاك ان البابور كان معطلا. نشر هذا الاعتراف، لا بل عرض، في صحيفة »ليبراسيون« في سنة 1953، وهو يعد غير موثوق به. على انه من الملائم الى حد ما ان تكون حياة زولا انتهت الى مثل هذه النهاية المظلمة التي كان يمكن لها ان تكون ظهرت في إحدى رواياته. ومثل هذا المنطق الجنوني المريب الذي يأسر، وفي الوقت ذاته يقوي، روايته روغون ماكار يمكن له ان يسيطر على حياة وموت هذا الرجل الاستثنائي الذي وصفه أناتول فرانس بأنه »لحظة الضمير الانساني«. الحرمان وأميل زولا هو الإبن الوحيد لأرملة فقيرة، كان منذ مطلع حياته شاعرا بالظلم الذي أنزلته بلدية أكس بوالده حين امتنعت عن التعويض عن عمله في سد محلي. وكان من شأن هذه الخبرة الاولى ان شكلت له طابعه، ومكنته، في سنواته اللاحقة، من ان يقف ويشجب المحسوبية والحرمان حين يتوزعان بصورة غير عادلة. ثم ان أيامه الاولى التي صرفها في الريف حول أكس، الى جانب صديقيه بول سيزان وجان بابتستين باي تأثرت بشعوره بالبؤس. وفي باريس، حيث اضطر للنزوح برفقة والدته، عرف الجوع، لكنه جمع حوله أصدقاءه، وحث سيزان المتردد ان ينضم اليه وان يكرس حياته للفن. ان العلاقة بين زولا وسيزان، وهي التي سيصار الى مناقشتها بشيء من التفصيل أثناء معرض سيزان الفني، ظلت متميزة بالولاء وبسوء التفاهم، الا انه يجدر بنا ان نذكر في البداية ان تقدير الواحد منهما للآخر ظل قائما، لم يفقده اي منهما نحو الآخر. بدأ زولا حياته المهنية كزوج من الدرجة الاولى غير انه أنهاها كشخصية أبوية متسلطة تجاوزت بشهرتها حياة فكتور هوغو. وتخلى عن نظم الشعر بتخيلاته الرومنطيقية أثناء شبابه، واعتمد النثر باعتباره أكثر انسجاما مع الزمن الذي يعيش فيه. ومن الناحية الخلقية لم يكن يتردد أبدا، لقد كان ثابتا كل الثبات. اما من ناحية الذوق فكان أقل ثباتا. تلك الرؤية الحادة الواضحة التي مكنته من الدفاع عن »مانيه« والانطباعيين الاولين سنة 1868 خانته في سنوات غناه. وبكبر حجمه زاد نزوعه الى النوافذ ذات الزجاج المبقع، وواجهات المذابح، والخزائن الثقيلة غير الرشيقة من خشب السنديان، والتحف الكنسية. تلك كانت تزين منزله في »ميدان«، بالاضافة الى رسوم عديدة من صنع سيزان. والظاهر ان شهيته الجبارة لم تلحظ اي فروق. الانتاجية والثروة التي أتاحت له الحصول على ذلك كله تعود الى دخله من الصحافة والمبيعات الضخمة لرواياته التي كانت ضخمة كذلك. قليلون يقرأونها في الوقت الحاضر، وأسماؤها معروفة اكثر من نصوصها، مع ان الجهد الذي بذله في إعدادها يقارب الأسطورة. وأفضل ما يفهم به زولا كروائي، باعتباره نقيض غوستاف فلوبير الذي كان يطمح الى كتابة كتب يتجلى فيها الاسلوب لا الموضوع، ويكون المؤلف بارزا بغيابه. وبالمقارنة مع ذلك لا شيء بالنسبة الى زولا غير بارز، بالامكان تخيله ينكبّ على عمله، وبيده اوراقه بين الحمالين في السوق، وعمال المناجم، وعاملات الغسيل، وهو يعرض حالاتهم بطاقة لا نظير لها في الفن القصصي. السرعة والانتاجية هما بالنسبة اليه أشد إرضاء وأكثر عظمة من الجنس. وعنده ان الحديث عن القوى السوداء يكاد يكون شرعيا. لان قناعته بأن الوراثة هي التي تتحكم بالمصير، عائدة، على ما يبدو الى الخرافة اكثر مما هي عائدة الى العلم. هو نفسه كان شديد الايمان بالخرافات، بعد حجارة الممرات، ويؤمن بأعداد معينة. ولعدد من السنوات، ظل لا يستطيع ان ينظر الى النافذة التي ولّي منها نعش والدته، وتلك لمسة سوداء في هذه الحياة البالغة الصفاء والوضوح. وزولا كاتب ديموقراطي، الا انه كذلك كاتب عربيدي الطقوس. كل رواية من رواياته تحتوي على ذروة عظيمة، الاوضاع والظروف فيها، كما في المنجم في جيرمينال، والغسالة في لاسوموار، والمزاد العلني الأبيض في »أو بونير ديه دام«، والحديقة في »لافوت« للراهب موريه، كانت استثنائية. وهذه كلها، بالاضافة الى المقالات اليومية والاسبوعية والشهرية للعديد من الصحف والنشرات. تدل على حافز إبداعي هو بذاته استثنائي كذلك. وهي بواقعها الصلب ذاك، تمثل درسا ربما كان يجب اجتنابه، وليس على من يشك بعبقرية زولا الأدبية، كأولئك الذين رأوا فيه الداعية الشعبي الشيطاني، الا ان يقرأوا الرسائل التي نقل منها كاتب السيرة مقتطفات مطولة. الحقيقة هي انه كان، على ما يبدو، يفضل الرسائل على الروايات التي يتعامل معها بشيء من الفتور، كأن النقد هو محض هامش للعمل البطولي، في مسلسل روغون ماكار. والرسائل تكشف عن كاتب يسهل الوصول اليه، متحمس، مخلص لمثله العليا، تواق لمنزله حين يكون في اجازة، سخي باستمرار، صديق محب لجميع الفصول. رغبة طوباوية ثم ان الشخص الكئيب، الجليل الى ذلك، في رسم مانيه يكشف عنه بأنه غير هياب، يتجاوز الدعوة الى الواجب او الضمير. اما الفصل الذي يتناول فيه كاتب السيرة قضية درايفوس، فرائع ينبغي ان يكون مقنعا حتى لخصوم درايفوس، ومنهم من لا يزال موجودا حتى الآن. لقد دفع زولا ثمن شجاعته حين شجب المتآمرين على درايفوس بسنة في المنفى. وصل فندق غروفنر في لندن بدون ان تكون معه أية حقيبة، وهو لا يعرف اية كلمة انكليزية، ثم استقر بارتياح كبير، في وايبريدج، ففي نوروود اخيرا، حيث راح يكتب المزيد من الروايات. هنا جاءت »ليه كاثر ايفانجيل« الأناجيل الاربعة، آخر ما كتبه، تكرر اهتماماته أثناء حياته بعدالة وبإبداع. وكان هذا الابداع هو المشكلة بينه وبين سيزان. ان البطل العقيم في »ليفر«/ النتاج الادبي، الذي فيه رأى سيزان نفسه، ينبغي ان يفهم كجزء من صورة أوسع، كفارق في برنامج رغبة طوباوية. حقا ان هذا الحكم قاس، غير انه ليس غير منطقي. ليس في أناجيل زولا اي سمو او تفوق، الا انها أناجيل برغم ذلك. ان هذه السيرة الرائعة تتناول مختلف الفئات العادية، وقد جاءت القصة التي سردها فريدريك براون باتزان أمينة للتفاصيل من غير ان تفقد رؤية الصورة الشاملة. امانته للموضوع قوية عميقة ولو انه لا يتبجح بها. ميخائيل الخوري (الصنداي تايمز)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة