كتب فداء عيتاني: دخلت الانتخابات النيابية الى كل مفاصل وتفاصيل الحياة العامة في لبنان، واخترقت لوثتها كل الجهات والتيارات، وأدخلت معها المؤسسات والمشاريع الى ماكينات تركض بهوس نحو المجلس النيابي، وان كان الظاهر من هذه العملية حتى الساعة ليس اكثر من رأس جبل الجليد، الا ان كل الجهات قد تجندت فعليا وبدأت العمل انطلاقا من المصالح الانتخابية. ومؤسسة اعادة ترتيب الضاحية الجنوبية الغربية لمدينة بيروت »أليسار« ليست أفضل حالا من باقي المؤسسات والمشاريع التي تتعرض لغزو انتخابي حاليا. فهي دخلت حاليا، وحسب رأي بعض المهتمين لموضوعها، »مرحلة من الجمود« ستستمر حتى نهاية الانتخابات النيابية، وخاصة انها وقعت أسيرة تجاذبات انتخابية، ناتجة من عملها ضمن منطقة يقطنها حوالى 20 ألف ناخب، وتمسهم وتمس حياتهم بشكل مباشر، وانها لا توفر لهم حالة اطمئنان الى مصيرهم ومستقبلهم، والى التعامل معهم بشكل عادل. الخلاف بداية انفجر حول العقار 190 الشياح، جنوبي فندق »سمرلاند«، والذي يملك اسهمه 193 شخصا، ويقطن عليه المئات، وكان أساس الخلاف هو حول طريقة الاستملاك، وحول التخمينات التي خمنت القيمة الاجمالية للعقار (128،221 مترا مربعا) ب 000،680،549،68 ليرة لبنانية اي حوالى 200 دولار أميركي للمتر الواحد. وتحركت مجموعة من المتضررين حينذاك، وطوال اشهر امتدت من الصيف الماضي وحتى مطلع هذا العام، وطالت بتحركها عددا كبيرا من الوزراء والنواب ورجال الدين والشخصيات المعنية بالموضوع. ولاحقا انفجر خلاف آخر داخل مجلس ادارة المؤسسة، بين ممثل »حزب الله« نايف كريم، والذي يعتبر نفسه مراقبا في المجلس، وبين رئيس مجلس الادارة جوزف الحلو وممثل حركة »أمل« علي خليل. لا خلاف في العلن يصر الجميع على جو من التهدئة، والتطمين، خاصة بعد الهزة الشهيرة العام 93، والتي أدت الى تعديلات جذرية على مشروع ترتيب الضاحية الجنوبية الغربية، ويشيرون الى آلية العمل الروتينية للمؤسسة العامة، والتي تبدأ بخطوات تأسيسية وتليها الخطوات التنظيمية، ثم التنفيذ. الا انه لا يمكن إخفاء الخلاف، حيث تشتم رائحته في بيانات »حزب الله« المعلنة عن استقباله وفودا من منطقة الاوزاعي، وعن تطمينه لهم، وعن ربط مشاركته في المؤسسة بضمان مصير القاطنين في المنطقة. و»حزب الله« يرفض التطرق الى هذا الموضوع حاليا، »فالمهم هو طمأنة الناس، ثم اننا لسنا بوارد التأثير على المشروع، خاصة اننا مقتنعون بأن هناك ضرورة ملحة تفرض ترتيب المنطقة، ولا أحد يدعي انه يملك بدائل عن »أليسار« «. وهكذا ينطلق الحزب في رفضه الدخول بالموضوع من حدين رئيسيين يحكمان معادلة »أليسار«، الا وهما ضمان مصالح القاطنين واصحاب الاملاك، وضرورة ترتيب المنطقة. الا ان مقربين من الحزب يتحدثون عن خلاف حقيقي كان يمكن ان يؤدي الى تفجير المؤسسة من الداخل، لو لم يقع الاعتداء الاسرائيلي في نيسان الماضي. وفضلت مصادر »حزب الله« عدم التطرق الى الموضوع، من دون ان تنفي او تؤكد هذه المعلومات. وعلى الرغم من هذا الموقف يشير هؤلاء المقربون الى ان الحزب كان بصدد تحضير موقف يهز المؤسسة، فمحاولة التوفيق بين الضرورتين، مصالح السكان، وترتيب المنطقة، لا تسمح بالتخلي عن جزء (وقد يكون كبيرا) في مصالح السكان، لتمرير الترتيب، وترك القاطنين في المنطقة نهبا للقلق والخوف على مصائرهم ومستقبلهم. ويضيفون ان ما ادى الى تأزم فعلي هو تخلي مجلس ادارة المؤسسة (الذي يشارك »حزب الله« فيه بصفة رقابية) عن حق المؤسسة وواجبها بتلزيم وتنفيذ الوحدات السكنية البديلة، وإعطاء هذا الحق لوزارة الاسكان والتعاونيات. واعتبر الحزب حينها ان ذلك جزءا من تقاسم الحصص والمكاسب ما بين اصحاب النفوذ في السلطة، على حساب ضمان مصير السكان وأصحاب الاملاك في المنطقة. فان كان لا مشكلة فعلية لدى الحزب مع رئيس مجلس الادارة جوزف الحلو، ويسود التفاهم المتبادل العلاقة معه، »الا ان المشكلة انهم يتفقون معه على موضوعات عدة ثم تنقض هذه الاتفاقات بعد ان يلتقي الحلو برئيس الحكومة«، كما يعبّر المقربون. ويلمحون الى ان »أليسار« واقعة ضمن المؤسسات التي يتشارك مغانمها طرفا السلطة، رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، وبالتالي فان موقف الحزب موجه ضد أسلوب الادارة والتعامل مع الملفات المطروحة. ويقول المقربون ان الحزب لا يمكنه ان يقف مكتوفا امام اعتراضات السكان، وقلقهم، خاصة ان لا شيء واضحا أمامهم، وهم مهددون بأن يسلموا الى وزارة الاسكان بعد ان انشئت المؤسسة لتفعيل العمل والتهرب من روتين الوزارات. الانتخابات وحلو ويرى المهتمون ان »أليسار« قد دخلت الانتخابات عبر اكثر من باب، ومن هذه الابواب لجنة الاشغال النيابية، التي لم تغير موقفها العنيف من مسار وتفاصيل مشاريع المؤسسة، ومطالبتها الدائمة بالاطلاع على الخرائط، والتي يشوب إعلانها عدم رضى من اعمال وتصاميم ونقض معلومات، وغيرها من النقاط والمآخذ المعلنة، والتي يعود البعض ويؤكد امام المراجع المعنية مباشرة أنها لا تعدو كونها »دعاية انتخابية«. ويؤكد حلو ان ما يحصل في مجلس ادارة »أليسار« هو »بعض المنازعات وليس دائما داخل مجلس الادارة، وحتى ممثل »حزب الله« لم يقاطع وله بعض العتب على طريقة عمل المؤسسة«. مقللا من اهمية الحديث عن خلافات، وإمكانية توقف المؤسسة نهائيا عن العمل. ويضيف الحلو ان »اعتراض اصحاب الاملاك ليس على التخمين الذي قامت به لجنة قضائية مختصة، والذي ثبت سعر الارض الرائج، وليس طبعا السعر الافتراضي للارض بعد ترتيب المنطقة. وانما الاعتراض على حصول الشاغلين بشكل غير شرعي على مبالغ اكبر من اصحاب الاملاك«. ويقول الحلو انه كان هناك ضرورة لإخلاء السكان وبسرعة من بعض المناطق، كالمنطقة التي يقام عليها المستشفى الحكومي، والطريق البديل لخط السفارة الكويتية، وبعد استنفاد كل الحلول لم يبق الا ارض السكان »مما أثار امتعاض اصحاب الاملاك«. مصالح ومصالح وردا على مقولة غبن اصحاب الحقوق في العقار 190، ان »من واجب الدولة ومؤسساتها حماية مصالح السكان واصحاب الاملاك. والعقار 190 بوضعه الحالي يشكل ضررا على العقارات المحيطة به، وعلى اسعار هذه العقارات، اضافة الى ان المنشآت الموجودة على هذه العقارات هي منشآت سياحية قد تتضرر مصالحها المباشرة من جراء الوضع القائم، وكل ذلك يجبرنا على استملاك العقار 190«. ويقول الحلو ان »المخطط التوجيهي ل »أليسار« أقر بمخطط توجيهي، وهو يلحظ مناطق لبناء مساكن لذوي الدخل المحدود، ومناطق لاعادة تنظيمها وتخطيطات طرق مع إلغاء تخطيطات قديمة، وفي نهاية أيلول (من العام الحالي) تنتهي كل المخططات ويبدأ التنفيذ، وفي طليعة أولويات التنفيذ الوحدات السكنية التي زيدت من 1300 وحدة الى 1420 وحدة سكنية، يتم نقل السكان اليها، وعلى فترات، بحسب مسار العمل بالبنى التحتية وغيرها، اضافة طبعا الى المتاجر والوحدات السكنية«. ويؤكد ان أول ما تم مناقشته في مجلس الادارة كان كيفية تفسير التعاون مع وزارة الاسكان والتعاونيات. »وتم تفسيره بان الوزارة هي التي توقع العقود، وان »أليسار« تجهز الملفات، وتتسلم الوحدات السكنية وتوزعها، وتقود مجمل المشروع وتشرف على التنفيذ«. ويقول ان »جميع اطراف مجلس الادارة وافقوا على هذا الطرح، وهذا كان جوهر الحديث عن مسؤولية الوزارة في بناء المجمعات السكنية، ومنذ 29 حزيران 1995 (يوم صدور مرسوم إنشاء »أليسار«)، وكانت الموافقة معلنة وموجودة. ويشير الحلو الى ان المؤسسة تمول نفسها عبر الاستملاكات وعبر المتاجرة العقارية، وانه من الصعب على المؤسسة اجراء تلزيمات الوحدات السكنية بالاسعار التي تؤمنها الوزارة، التي يمكنها ايضا ان تعثر على شركات لبنانية عاملة في الخارج تبني الوحدات السكنية على سبيل الغرض بزيادة نقطة او اثنتين عن الفوائد العالمية المعروفة«. ويرى ان »الغاضب الآن هو ذاك الخائف من الا يحصل على التزام في المشروع، والذي يحاول ان يبدل صيغة تلزيم الوزارة لشركات كبيرة لبنانية لديها فروع عالمية يمكنها اخذ الالتزام بمجمله وتطبيق مواصفات الجدران والسقوف الجاهزة، وبالتالي تسليم الوحدات بأسرع وقت، بالتزامات لشركات صغيرة«. الا ان الحديث عن »أليسار« سيجمد الآن عند هذه الحدود، بانتظار انتهاء مرحلة الانتخابات، على ان تنتهي في هذه الفترة التعديلات على نظام العاملين وإحالته على مجلس شورى الدولة، وإنجاز دار الهندسة للمخططات التفصيلية.