لا تزال عقدة صلاح الدين تلاحق حسن الأمين في حلّه وترحاله، في ليله ونهاره. فبعد ان جمع شتائمه المعروفة ضد صلاح الدين وضد كل الذين كتبوا التاريخ على غير ما يشتهي حسن الأمين في كتاب سماه »صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين «. لا يزال حسن الأمين يعتبر انه احدث »صدمة« خالطا بين الصدمة التي تحدثها الحقائق العلمية وما يظن انه »صدمة« مما تحدثه الشتائم والتطاول على التاريخ ورجالاته. وهكذا أصبح حسن الامين أسيرا لهذه »الصدمة« المزعومة بالاضافة الى كونه أسيرا دائما لعقدة صلاح الدين. للتذكير بكتابه الشتائمي، وآخر مقابلاته كانت في »السفير« (عدد السبت 22/6/1996) أجراها معه السيد حسّان زين. المؤرّخ الحكواتي يحاول حسن الأمين تغطية أهدافه وغاياته بأن يوهم القارئ بأنه يكتب تاريخا، ولكنه في الواقع لا يخرج على نطاق »الحكواتي«. فكتابة التاريخ لا تكون بالنظر اليه عبر نظارات مذهبية وشخصية ضيقة تكبّل التفكير وتطلق العنان للغرائز، ولا تكون ببتر الروايات والنصوص التاريخية والأخذ بما يلائم نزواتنا منها وترك ما دون ذلك، ولا تكون بتأويل النصوص من خلال حدس الكاتب ورغباته لا من خلال الوقائع والمنطق. فحسن الأمين عنده عقد من التاريخ غير قابلة للشفاء لأن التاريخ لا يرجع القهقري، وعقدته الأصعب تكمن في أن صلاح الدين أزال الدولة الفاطمية المهترئة وبعض الدويلات الهشة في المشرق العربي لمواجهة الخطر الكبير الذي يهدد الأمة بكاملها من زحف الفرنجة واحتلالهم لبلادنا، وبذلك استطاع صلاح الدين ان يوحد جهود الأمة وطاقاتها وكان هذا شيئا لا بد منه لمن يفهمون التاريخ بشمولية ومسؤولية. هذا ما لا يمكن ان يغفره حسن الأمين لصلاح الدين فيقلّب كتب التاريخ لعله يجد مثلبة هنا او ثغرة هناك ليأخذ من ذلك حججا أوهى من بيت العنكبوت للتهجم على القائد الاسلامي الذي قصم ظهور الصليبيين وأعوانهم. وهكذا وبمعايير حسن الأمين يصبح (عمارة اليمني) الذي تواطأ مع الصليبيين ليقوم بفتنة في مصر ضد صلاح الدين شخصية »تمثّل الخلق الكريم في أعلى مراتبه« بينما يصبح (القاضي الفاضل) أحد أنشط رجال صلاح الدين وأحد اكبر الكتّاب العرب، يصبح في نظر حسن الأمين »شخصية تمثل الخلق اللئيم في أحط دركاته، وهي الغدر« (كتاب صلاح الدين، ص59) وليس لذلك سبب عند حسن الأمين الا ان الأول (عمارة اليمني) تواطأ مع بقايا الفاطميين ومع الصليبيين، بينما الثاني (القاضي الفاضل) »وضع نفسه في خدمة السلطة الجديدة خدمة صلاح الدين عبداٍ من أخسّ عبيدها« حسب تعبير حسن الأمين، مع لفت الانتباه الى الألفاظ الشديدة في توترها واهتزازها. وليس ذلك غريبا على حسن الأمين وهو الذي اعتبر في كتابه عن المغول الخائن ابن العلقمي الذي امر لإدخال المغول الى بغداد وتهديم صروح الحضارة الاسلامية بطلا مخلصا ومرشدا حكيما. المؤرخ الشتّام كلام حسن الأمين في »السفير« هو تكرار لما جاء في كتابه ولما قاله في مقابلات في صحف ومجلات اخرى. وكتابه في الحقيقة ما هو الا مجموعة الشتائم التي كالها حسن الامين المبرز في هذا الميدان لصلاح الدين وللمؤرخين والكتّاب الذين اشتركوا في الندوة التي أقامتها جمعية المقاصد الاسلامية ببيروت سنة 1993 بمناسبة مرور ثمانمئة سنة على وفاة صلاح الدين. هذه الشتائم تشكل تحديدا القسم الثالث بكامله من الكتاب المذكور، في حين تشكل الروايات العنترية عن نشأة دولة الفاطميين وبطولاتهم القسم الأول منه. كل كلمة عند حسن الأمين تنضح بالحقد على صلاح الدين حتى يتحوّل هذا الرمز الاسلامي الى كتلة من العيوب والمثالب ليس فيها أي ملمح إيجابي. ويكفي للدلالة على حقده انه اختار لكتابه الشتائمي رسما يشرحه على الجهة الثانية للغلاف بما يلي: »الصليبيون بقيادة ريتشارد قلب الأسد يهزمون المسلمين بقيادة صلاح الدين على أبواب يافا«. لقد فتش حسن الأمين في المراجع العربية عن صورة يشفي بها غليله فلم يجد فسلخ صورة من كتاب أجنبي حول معركة يافا سمّاها هو من عنده هزيمة المسلمين (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر). اختار حسن الأمين في الفصل الثاني من كتابه أسلوب الدسيسة. هكذا أراد ان يشوّه العلاقة بين القائدين الكبيرين نور الدين وصلاح الدين وبين صلاح الدين والخليفة في بغداد. ولا أظن حقد حسن الأمين على نور الدين أقل منه على صلاح الدين، وان حاول إظهار غير ذلك. فاذا كان صلاح الدين يبدي الرفق بالخليفة الفاطمي فان نور الدين لم يكن يعرف مع الفاطميين غير سياسة كسر العظم. ويجمع مؤرخو هذه الحقبة من ابن الأثير الى ابن شداد والعماد الأصفهاني وغيرهم على ان الفتور بين الرجلين العظيمين بدأ عندما طلب نور الدين من صلاح الدين الإسراع في قطع الخطبة للعاضد الفاطمي وإحلال اسم الخليفة العباسي محله، ولم يكن صلاح الدين يرى غير هذا الرأي، إلا انه وبحكم وجوده في مصر واختباره للساحة المصرية كان يتبع »سياسة الخطوة خطوة« وذلك بالتهيئة النفسية والروحية وبأخذ الاستعداد لكل طارئ. هذا بالاضافة الى الناحية الانسانية اذ أراد أن يراعي وضع العاضد الذي كان على فراش الموت. وأثبتت الأيام انه كان على حق، اذ سرعان ما بدأت مؤامرات بقايا الفاطميين وأعوانهم بالتواطؤ مع الصليبيين لزعزعة حكم صلاح الدين. ان محاولات حسن الأمين التركيز على الفتور الذي نشأ بين بطلي الاسلام الكبيرين نور الدين وصلاح الدين مكشوفة الأهداف والغايات. وقد شاءت حكمة الله تعالى ان تحرم حسن الأمين وأمثاله لذة التشفي بصراع لم يحدث والحمدلله بين هذين القائدين المجاهدين. ثم ان هناك حقائق يذكرها التاريخ والمؤرخون ويلتزمها المنطق السليم يجهلها او يتجاهلها حسن الأمين لأنها لا تخدم غاياته. 1 ان الاختلاف في أسلوب التعاطي بين قائدين أمر وارد، حتى ولو كانا يعملان لهدف واحد وتحت راية واحدة، فالقادة هم في النهاية بشر. لقد اختلف أسلوب الخليفة عمر بن الخطاب عن أسلوب خالد بن الوليد رضي الله عنهما، وعزل عمر خالدا في مرحلة ليست عادية. فهل نشكك في نيات أحدهما او نتهمهما بما ليس فيهما؟ اكثر من ذلك، فقد يتخذ الخلاف بعدا مأسويا. لقد قتل بيبرس سلطانه تورانشاه ثم قتل أميره قطز بطل معركة عين جالوت التي تقف في التاريخ الاسلامي الى جانب القادسية واليرموك وحطين، قتله غدرا أثناء رحلة صيد، فهل نذكر لبيبرس هاتين الفعلتين وننسى تاريخه البطولي في مقارعة المغول والإفرنج؟ ان مصلحة الأمة فوق العواطف الشخصية، او على الأقل هكذا يجب ان يكون. 2 ما لا يريد ان يعرفه او يعترف به حسن الأمين هو ان المدرسة الأيوبية هي امتداد للمدرسة الزنكية مثلما كانت المدرسة المملوكية امتدادا للمدرسة الأيوبية. واذا اختلفت الاساليب او طرق التعاطي احيانا فان الغاية كانت واحدة وهي: تحرير بلاد المسلمين من الافرنج والمغول وتوحيدها تحت راية الاسلام الحقيقي البعيد عن البدع والأباطيل. 3 ان الامم تقوى برجالاتها، ودولة نور الدين رحمه الله كانت تقوم بالدرجة الاولى على أكتاف رجال مثل نجم الدين وأسد الدين شيركوه وصلاح الدين. كان يثق في هؤلاء ويوكل إليهم المهمات الخطيرة. هكذا كلّف نجم الدين والد صلاح الدين بتشكيل خلايا داخل دمشق قبل ان يدخلها نور الدين فقام بالمهمة خير قيام. وعندما رأى ان بلاد النيل مهددة من الافرنج والوضع فيها مضطرب في الداخل سيّر إليها أسد الدين شيركوه مع ابن شقيقه صلاح الدين ثلاث مرات ليوطدوا فيها السلطة الاسلامية، وهكذا كان بعد تضحيات ومشقات كبيرة. اما ادعاء حسن الأمين بأن صلاح الدين لم يقاتل الصليبيين الا بعد وفاة نور الدين فتدحضه كل كتب التاريخ. فصلاح الدين إنما جاء مصر مع عمه أسد الدين شيركوه ليبعد عنها خطر الافرنج بعد الاستغاثة الشهيرة التي أرسلها العاضد الى نور الدين وأرسل معها شعور نسائه قائلا له: »هذه شعور نسائي يستغثن بك لتنقذهن من الإفرنج«. هذا مع العلم ان العاضد كان قد تحالف مع ملك القدس الصليبي آموري ليأتي عليه ويحميه من خطر متوقّع من نور الدين، غير ان المجزرة التي ارتكبها اموري ورجاله في بلبيس أثارت الهلع في قلب العاضد فأرسل الى نور الدين يستغيث به. ومن أكثر آراء حسن الأمين تهافتا ادعاؤه بأن صلاح الدين رفض عرضا من الخليفة الناصر في بغداد بإرسال جيش قوي لمساعدته ضد الافرنج، وتحالف بدل ذلك مع هؤلاء ضد الخليفة العباسي. من أين جاء بهذه الترهة بأن صلاح الدين رفض نجدة الخليفة وتعاون بدل ذلك مع الصليبيين، في أي كتاب او سفر وجدها غير سفر الضغينة والتكهنات الدفينة! صلاح الدين، كما تذكر كل كتب التاريخ، كان في طليعة اهدافه إعادة البلاد الاسلامية الى سلطة الخلافة في بغداد ونجح في ذلك الى أبعد الحدود وعادت الخطبة لخليفة بغداد في كل أرض مكّن فيها سلطانه. ثم ان كل المؤرخين من المعاصرين لصلاح الدين او المتأخرين (من ابن الأثير وابن شداد والعماد الاصفهاني وأبي شامة الى ابن تغري وصولا الى ابن خلدون) يجمعون على ان الخليفة الناصر الذي حكم لأكثر من ست وأربعين سنة كان مشغولا بالدرجة الاولى بحروب الرّي وهمذان واصفهان وخوزستان وان اهتمامه بالجبهات ضد الصليبيين كان للأسف ضئىلا. واكثر ما وردنا في كتب التاريخ انه كان يرسل الى صلاح الدين ليتوسط له بين أميرين متنازعين او ليشكو له واليا او ليوصيه بوال آخر. د. هاشم الأيوبي