»العودة« عنوان ساخر ومحرج لفيلم وثائقي فلسطيني لم يعش صاحبه في فلسطين. فقد ولد عمر القطان في لبنان من عائلة فلسطينية يافاوية، لجأت الى هذا البلد عام 1948. في الحادية عشرة هاجر المخرج الى أوروبا وهو يعيش حاليا في بريطانيا، البلد الذي ساهم في إنتاج هذا الفيلم الذي يستغرق مدة 48 دقيقة. العرض الاول لهذا الفيلم أتى ضمن مهرجان »رؤية على الوثائقية« في مرسيليا، وهو سيعرض في الأيام المقبلة في باريس ضمن إطار بينال السينما العربية. »العودة« إيماءة حيوية الى الفلسطينيين الذين هُجّروا عامي 1947 1948، والذين بلغ عددهم وقتها 750 ألف فلسطيني، توزعوا على مخيمات في الأردن ولبنان وأيضا في الاراضي الفلسطينية التي لم تدخل تحت السيطرة الاسرائيلية الا بعد حرب 1967. انهم الفلسطينيون المنسيّون بجدارة، الفلسطينيون الذين نستهم مفاوضات السلام، وصانعو السلام، والمنظّرون له. تذكّرتهم فقط الدول المضيفة، لينعتهم بعض المسؤولين فيها بنعوت أين منها نعت رفائيل ايتان للعرب بالصراصير.. الفلسطينيون مهجّرو الداخل واللاجئون الى جرح أقل اشتعالا كما هي الحال في مخيم »عقبة جابر«، الذي شاءت الكذبة الصهيونية (بين الاكاذيب والأساطير التي لا تعد ولا تحصى) له ان يكون خاليا من السكان، تمهيدا لضمه حيث لم تشر اليه الخرائط الموضوعة لمنطقة الحكم الذاتي الفلسطيني، انه ببساطة غير موجود وهذه قصة لم ينتبه اليها حتى المسؤولون الفلسطينيون. ربما علينا ان نحمد الله، كونه اعطانا مخرجا وثائقيا مثل إيال سيفان (مخرج ومنتج اسرائيلي شاب، يعيش ويعمل في باريس وهو كان من المساهمين في تنظيم هذه التظاهرة)، الذي اكتشف بالصدفة وجود هذا المخيّم، ووجود السكان فيه عكس ما روّج له الصهاينة وكانت النتيجة فيلمه الذي يحمل اسم المخيم »عقبة جابر«، هذا المخيم الموجود في أريحا، والذي يشكل لاجئو مدينة حيفا القسم الاكبر من سكانه. الكومندان و»العودة« ايضا هي عودة الكومندان الانكليزي ديريك كوبر، الذي خدم كضابط في الجيش البريطاني في فلسطين قبيل انسحاب بريطانيا منها مخلفة حربا بين اليهود والعرب، حربا تتجدد باستمرار، وتنتقل الى مطارح أخرى من الوطن العربي، مثل سرطان مستعص لا دواء له. »بريطانيا مسؤولة«، يقول أحد الفلسطينيين، ماذا كان حدث لو لم تنسحب بريطانيا الا بعد حلول الأمن!.. انها عودة الشاهد، العسكري الذي انسحب مع جيش بلاده، الجيش البريطاني، بعد ان كُلّف هذا الاخير حفظ الامن، على الاقل، امن المناطق التي أعطتها الامم المتحدة الى العرب وفق ما نص عليه قرار التقسيم الصادر عنها فيه عام 1947... لكن بريطانيا الواقعة في تناقض كبير، بين وعد بلفور البريطاني المعطى للصهاينة والرغبة الاوروبية العامة بالتخلص من عقدة الذنب تجاه اليهود من جهة، وبين ضرورة سهرها على حماية الامن بصفتها طرفا غير مشارك في العمليات العسكرية، اضافة الى ضرورة بناء بريطانيا الخارجة للتو من حمّى الحرب العالمية الثانية.. أسباب ذلك اوسع مما أسلفنا طبعا، واكثر تعقيدا، لكن المكان هنا يضيق عن ذكرها. المهم ان بريطانيا فقدت السيطرة على الوضع وانسحبت بشكل سريع (15 أيار 1948) مخلفة إثرها ويلات كثيرة. الكومندان ديريك عاد ليشهد على ما حدث في الأيام الاخيرة التي سبقت نهاية الاستعمار البريطاني، هذه التجربة التي عاشها. إحساسه المرير بالذنب وبالعجز، دفعه الى العودة، حيث عمل لمصلحة اللاجئين الفلسطينيين، عبر مؤسسات دعم ومساعدة دولية، مخصصا بهذا العمل الجزء الاكبر من حياته. حضور هذا الكومندان البريطاني، وشهاداته المتوالية، النابعة مما رآه وعايشه، تعطي فيلم »العودة« ثقله النوعي وقوته الكبرى على الرغم من ان المخرج استعمل الارشيف لتصوير مشاهد المعارك، النزوح، ومن ثم المخيمات، اجتماع الزعماء العرب، ووفود الاسرائيليين وعملهم في الارض وبناء المنازل. مشاهد للعرب واليهود معا قبل الاحداث في القدس... الا اننا سبق وشاهدنا هذه الصور، جميعها في فيلم الاسرائيلية الفرنسية سيمون بيتون (وثائقي أيضا يرتكز على الارشيف بشكل محض) الذي حمل عنوان: »فلسطين.. حكاية أرض«. كنا نأمل ان نشهد في فيلم عمر القطان مشاهد إضافية وجديدة تختلف عن تلك التي شاهدناها سابقا بالنسبة الى ما يتعلق بالأرشيف، حتى وان كانت تكلفتها مرتفعة والبحث عنها يتطلب وقتا طويلا ويفرض تقصّي مصادر مختلفة. فالمُشاهد يستحق هذا العناء وإضافة الى ان لا شيء يثري السينما الوثائقية ويضفي عليها أبعادا قيمة مثلما يفعل الأرشيف. استعمال عمر القطان الأرشيف كان خالصا، بمعنى انه استخدمه مصحوبا بموسيقى وأحيانا لعقد مقارنة بين الأمكنة في الأمس والامكنة ذاتها اليوم وما آلت اليه. استعماله اقرب الى الشاعري، في حين ان سيمون بيتون ترفق الأرشيف المستعمل بنص تحليلي يحمّل الصورة معنى آخر مقصودا، يضاف الى المعنى الخام الذي تعكسه أساسا، وهذا الاستعمال المحايد لعمر القطان فيه وجهة نظر محمودة. يقف الضابط البريطاني القديم، على عتبة قرية فلسطينية هدّمت وهجّر أهلها، وما اكثر تلك القرى، حوالى ثلاثمئة قرية بجوار يافا وفي الشمال راحت ضحية البلدوزر. بعد ان حصدت المدفعية الاسرائيلية جزءا منها. يقف الضابط القديم في المكان القديم ويتذكر، يتذكر قرية النبي دانيال حيث بقايا أشياء وبقايا حجارة كانت في الماضي بيوتا، بقايا حياة، لان الحياة حين ترتحل الى مكان آخر، يبقى عبقها، سرها وسحرها، ظلالها وعبير ابتعادها ملتصقا بالمكان، تماما كتلك الحجارة المهدومة بقيت معطلة، لكن الطريق القديم الذي يقود اليها بقي.. بقيت لتعزز شهادة الكومندان. يقف الشاهد ويقول: هذه المنازل تدل على أصحابها، فكيف يستطيع الصهاينة ان يزعموا ان المكان كان خاليا؟ البريطاني والهاغاني اللقاء المواجهة، بين الكومندان البريطاني والهاغاني الاسرائيلي (الذي انتهى بالشتائم والسّباب الذي لم يؤخذ طبعا في الفيلم)، تُبيّن الى اي حد، يمكن لهذا الاخير ان يتمادى في الاعتداء على الحق، في المهاترة، في الإصرار على الكذب حتى النهاية من دون حياء ولا أدنى شعور بالذنب.. »وحيفا. لماذا أصررتم على دخول حيفا مع علمكم السابق باننا سنخليها بعد أيام؟« يسأل الكومندان ليجاب فورا بصوت واضح عال، كأنه صوت خارج من شريط مسجل أعيد مئات المرات: »لم نكن نريد ان يدخل المصريون المدينة قبلنا«. في الخارج يمضي الارهابي في تبجحه، ويقول شارحا لعمر والكومندان بخبرة عالم بشؤون المنطقة: »هذه الحديقة، حلت محل منازل قديمة جرفها البلدوزر لأنها كانت خطرة ولا يمكن السكن فيها. بسبب القصف الذي أصابها جرفناها وحوّلناها الى حديقة عامة. طبعا لست مستاء من هذا الأمر«. طبعا لا يمكن لهذا الارهابي ان يذكر ان الصهاينة طردوا العرب الباقين من البيوت السليمة، لا يمكن له ان يذكر ان البلدوزر اصاب، كما يصيب اليوم وكل يوم، كل ما هو فلسطيني وكل ما يدل على الوجود الفلسطيني، حتى الموتى في قبورهم لم يتركوا بسلام. هل يجب التذكير بأن احد اكبر فنادق تل أبيب (الهيلتون) أقيم فوق مقبرة يافا، وهم (الصهاينة) أقاموا الدنيا وأقعدوها منذ خمس سنوات في فرنسا بسبب نبش بعض القبور اليهودية في كاربنترا. عمل لغاية الآن لم تتقدم فيه الابحاث خطوة وكأن الشهود والدلائل انعدمت فجأة، في عمل لا يستبعد ان تكون الموساد نفسها قد نفذته لتحصل إسرائيل مرة اخرى على تعاطف اكبر ولتتكرر الى الأبد صورة اليهودي الضحية. الاسرائيلي القاتل أبدا خطأ او عن غير قصد. سؤال الذاكرة يحتل سؤال الذاكرة في فيلم عمر القطان مكانا محوريا هاما تنسحب اهميته على طول الشريط. اية قيمة لذاكرتنا اليوم وأية ذاكرة نملك؟ سؤال مطروح بإلحاح. الذاكرة؛ هذا الشيء المعقّد والمكون ليس فقط من مشاهد وأشياء مسموعة، بل من احاسيس ومشاعر وطموحات وإيمان راسخ بشيء معين، بمكان ما. يطرح عمر القطان سؤال الذاكرة على جيلين فلسطينيين، أب وابنه. أب عرف يافا، لعب خلال طفولته في شوارعها وحواريها، بنى بيته فيها، عاش واشتم هواها.. يقول: »لو أراد الله مبادلتي بين الجنة وبين يافا، لاخترت يافا...« العودة بالنسبة الى الأب حتمية، ولو بعد موته، بينما الابن، الذي من جيل عمر تقريبا، الابن الذي لم يعرف يافا، بل ولد وعاش في المخيم، تماما مثل عمر المخرج الذي ولد وعاش خارجها، هذا الابن يقول لوالده: »الى حين مفاوضات السلام، احتفظت بمفتاح بيتنا الذي أعطيتموني إياه، لكني رميته اليوم، لم يعد للمفتاح قيمة«. رمي المفتاح يعني نوعا ما التخلي عن الذاكرة التي لا يمكن الا ان تكون معذّبة بعد التخلي عن الارض بالنسبة الى الشاب. عمر القطان يتبنى وجهة النظر هذه وينسى ان الذاكرة لا بديل لها. ربما امكن محاكمتها لكن لأجل ذلك تجب العودة اليها. الذاكرة ضرورية لاستقرار المستقبل. وكم يكرر التاريخ نفسه، كم يكرر الاسرائيليون انفسهم في التعامل مع الفلسطينيين. نعم الذاكرة وحدها لا تكفي، وربطها بالعمل والسعي امر لا بد منه، لكن اتهامها فيه خطورة كبيرة وتحوير. ذاكرة الشاب الفلسطيني عنصر إيجابي وفعّال ضد كل ما تتعرض له الذات الفلسطينية من قمع وعنف واستلاب. الذاكرة ملجأ، ونافذة دائمة مشرعة على الامل الذي لولاه لن تكون حياة.