آخر أمنية رغب صلاح أبو سيف في تحقيقها، كانت: »سأعود باذن ا" لأواصل مشواري الفني«. كان ذلك منذ أسابيع قليلة، حين نُقل الى لندن لاجراء عملية جراحية دقيقة وخطرة، في الكلية الوحيدة التي تعمل في جسده. لكن الامنية لم تتحقق. فالموت كان حاضرù، كي ينتزع من المشهد الثقافي العربي، ومن الذاكرة الجماعية، واحدù من كبار عمالقة السينما المصرية والعربية. رغم أن أبو سيف نفسه كان أعلن منذ أكثر من سنة بقليل، بأنه لن يتراجع عن قرار اعتزاله العمل السينمائي، الا اذا وافقت الرقابة على مشروع فيلمه »تزوج وعش سعيدù«. ومنذ ثلاث سنوات، أنتج له التلفزيون المصري لأول مرة آخر أعماله المنفذة »السيد كاف«، مع عبد المنعم مدبولي وسناء جميل. هي خمسون عاما من الحياة الفنية، أنتجت سلسلة أعمال وصلت الى واحد وأربعين فيلما. يقال بأن هذا الرقم يبقى قليلا، نظرا الى تلك الخبرة السينمائية الطويلة التي اكتسبها المخرج. لكنه يرد على ذلك معتبرا نفسه »فنانا يعالج ويختار ويجهز ويدرس. وكل هذا يستغرق وقتا«، وليس مجرد مقاول. فمنذ بداياته الاولى، وضع نصب عينيه ضرورة انجاز الاعمال »ذات القيمة«، فجاءت النتيجة أن احتلّ هو مكانة بارزة وأساسية، بفضل انجازاته الابداعية، جعلته واحدù من أبرز السينمائيين المؤسسين والمطورين للتيار الواقعي في مصر، وبالتالي في العالم العربي. ويرى الناقد السوري سعيد مراد، أن أبو سيف شكّل مع يوسف شاهين وتوفيق صالح ثلاثيا ارتبط ظهوره »بظهور وتطور التيار الواقعي في السينما المصرية، بل والعربية«، مضيفا أن ما كان يُقلق هذا الثلاثي »القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية والوطنية نفسها. وان اختلف التعبير عنها، لدى كل واحد منهم«. وعلى الرغم من كل ذلك، فان ابو سيف يعترض على تصنيفه مخرجا واقعيا للمكان، كما يُطلق عليه، اذ انه كما يقول هو لم يتخصص بأفلام الشارع أو الحارة، بل »أُقدّم رؤية شاملة للواقع الذي أراه أمامي«. وفي واحد من أحاديثه الاخيرة، قال ابو سيف انه يندهش عندما يشاهد بعض أفلامه الآن، مثل »الفتوة«، »أنا حرة«، »شباب امرأة«... »أندهش كلما شاهدتها، وأتعجب كيف استطعنا تقديمها بهذا الشكل«. سيرة ولد صلاح ابو سيف في العاشر من ايار 1915، في القاهرة. اتجه الى حقل السينما الذي استهواه قبل نحو اربع وخمسين سنة، رغم حصوله على دبلوم في المحاسبة، وعمله لفترة في شركة »غزل المحلة«. فلقاؤه المخرج الراحل نيازي مصطفى، دفعه الى الالتحاق بقسم المونتاج في »استوديو مصر«، لينتقل بعدها، تحديدا العام 1935، الى العمل كمساعد مخرج (عمل مع سليم كمال في »العزيمة«)، قبل ان يحصل على بعثة لدراسة السينما في فرنسا العام 1939، ليعود بعدها الى الاستوديو نفسه، مترئسا هذه المرة قسم المونتاج. اتجه الى الاخراج، منجزا سلسلة من الافلام انتمت الى المرحلة التجريبية في حياته، مع انه نادرù ما كان يذكرها في حواراته: »طرق النقل في الاسكندرية« (1940)، »يوم في معسكر هندي« (1940)، »سمفونيات القاهرة« (1941)، »العمر واحد« (1943)، »زال السر« (1949)، »سوق بلدنا« (1953)، »بترول مصر« (1955)، الى ثلاثة افلام عن الحياة في السودان (1954)، وخمسة افلام عن الموسيقى المصرية (1969)، وعملين اثنين عن القرى المصرية (1967)، وأربعة عن الحياة والفن الفولكلوري في المملكة العربية السعودية (198584)، كما جاء في استعراض عام لسيرة ابو سيف الحياتية والمهنية في »كتاب السينما« لمحمد رضا. برز اسم صلاح ابو سيف في الاربعينات، مع اول فيلم اشتهر به وهو »دايما في قلبي« عام 1946. لكن معلومات تقول ان البداية الحقيقية كانت مع »نمرة ستة«، روائي قصير من بطولة اسماعيل ياسين، قدمه عام 1942: »لكن الرقابة اعترضت عليه، لانه يتحدث عن الموت والمتاجرة بالموت، وهو موضوع اعتبرت (الرقابة) انه لا يجوز عرضه في مجتمع متدين مثل مصر حينها«، كما رأى الناقد المصري طارق الشناوي، الذي اعتبر ابو سيف مخرجا ينتمي الى الجيل الثاني، بعد أحمد بدرخان ومحمد كريم وأحمد جلال ونيازي مصطفى، الذين بدأوا بتقديم أعمالهم في الثلاثينات. ثم كانت أعمال متنوعة، مثل »المنتقم«، »عنتر وعبلة«، »شارع البهلوان«، »الصقر« عام 1952، وكان أول فيلم مشترك بين مصر وايطاليا، »الحب بهدلة«... اما علاقة ابو سيف بالواقعية، فبدأت فعليا مع فيلم »لك يوم يا ظالم«، عن قصة لاميل زولا، شاركه في كتابة السيناريو الروائي نجيب محفوظ، الذي شكل معه ثنائيا وقع العديد من الاعمال، مثل »الاسطه حسن«، »ريا وسكينة«، »الوحش«، »شباب امرأة«، »الفتوة«. يمكن القول اذا، ان وراء اتجاه صلاح ابو سيف الى الواقعية، الى جانب دوافع اخرى، تأثره حين كان شابا بروايات الكاتب الفرنسي اميل زولا، وبنشأته في حي »بولاق« الشعبي. لكنه كان حريصا دائما على توضيح نقطة لطالما كان يراها اساسية: فهو لم يتأثر بالواقعية الايطالية في السينما، كما يظن البعض. عام 1957، دخل مرحلة جديدة أُطلق عليها اسم »مرحلة الافلام العاطفية«، التي كانت تعالج قصصا عاطفيا »من خلال نسيج واقعي«، مثل »الوسادة الخالية« (مع عبد الحليم حافظ)، »لا انام«، »الطريق مسدود«، »أنا حرة« وكلها لاحسان عبد القدوس، و»هذا هو الحب« لمحمد كامل حسن. ثم أنجز عام 1959 »بين السماء والارض«، الذي فشل عند عرضه، ثم اصبح واحدا من اهم الافلام التي لقيت رواجا كبيرا. من افلامه ايضا »البنات والصيف« في ثلاثة اجزاء، »لا تطفىء الشمس« لاحسان عبد القدوس، »بداية ونهاية« لنجيب محفوظ (1960)، »لا وقت للحب« ليوسف ادريس، الذي اختلف معه لان المعالجة السينمائية أغفلت الصفة السياسية لبطل القصة اليساري، كما في مقال نقدي (بطولة رشدي أباظة وفاتن حمامة). من المحطات المهمة في حياته ايضا: »القاهرة 30« (1966)، »الزوجة الثانية« (1967)، »القضية« (1968) عن قصة للطفي الخولي، أنجزه بعد حرب الايام الستة، لكنه لم يحقق اي نجاح، تماما مثلما حدث مع »ثلاث نساء« (1969) لاحسان عبد القدوس. »شيء من العذاب« (1969)، »فجر الاسلام« (1971) لعبد الحميد جودة السحار. »حمام الملاطيلي« مع شمس البارودي (1973) »القادسية«، »البداية« مع أحمد زكي ويسرا (86)، الذي كان متخوفا منه »لانه جديد تماما«، كما قال المخرج، مضيفا »لكني اعتدت المغامرة في كل اعمالي. لم اصدق نفسي عندما حصلت على جائزة عصا شارلي شابلن من مهرجان »فيفاي« للافلام الكوميدية، وسط منافسة 66 دولة«. آخر افلامه كان »المواطن مصري« مع عمر الشريف، وفيه ادانة لعهد أنور السادات. يشير أبو سيف الى ثلاثة مخرجين، رأى أنهم استمرار لاتجاهه الواقعي: المخرج الراحل عاطف الطيب، الى محمد خان ورأفت الميهي. لكنه قال ان الطيب هو الوحيد الذي »اتصور، عندما اشاهد افلامه، انها من انتاجي«. يُذكر أن الطيب، الذي درّسه أبو سيف في معهد السينما، كان مفاجأة للمخرج: »كنت فاقد الامل فيه، لانني كنت اشعر انه لم ينتبه لمحاضراتي، ولم يوجه لي سؤالا طوال سنوات دراسته. بل كان دائم النظر من نافذة القاعة الى الخارج، بذهن شارد. ثم فوجئت بفيلمه »سواق الاوتوبيس«...«. اعداد: ن.ج.