As Safir Logo
المصدر:

كتب.بهاء الدين العاملي إثر الغزالي وإبن عربي العلاقة الملتسبة بين الشريعة والحقيقة(صورة)

المؤلف: حيدر محمود التاريخ: 1996-06-21 رقم العدد:7418

الكتاب: التديّن والنفاق بلسان القط والفأر. المؤلف: بهاء الدين العاملي. ترجمة وتحقيق: دلال عباس. الناشر: رياض الريس للكتب والنشر بيروت. نقد المحجوبين ذهب العلامة الشيخ بهاء الدين العاملي مذهبù نادرù في معاركه الفكرية والفلسفية في عصره. لم يكتفِ بمساجلة ما راح علماء الكلام المسلمون يجتهدون فيه، أو يدعون إليه، ورأى هو فيه شطحù أو انحرافù أو تشييئù للنص. إنما كانت له طريقته وأسلوبه في المشافهة والكتابة، شكل الرمز والإشارة والإيحاء طابعهما الخاص. فإلى ما اشتهر به في »المخلاة« من أقاصيص وخبريات ذات أبعاد رمزية عميقة الدلالة في الاجتماع الإنساني كانت له واحدة من أخطر كتاباته في جانب حاز قسطù عظيمù من السجال بين العلماء والفقهاء والفلاسفة، عنينا العلاقة الملتبسة، والمعقدة، والمثيرة، بين الشريعة والحقيقة. تعيينù: العلاقة بين اتجاهين شكّلا لزمن مديد، ولا يزالان، مصدر تجاذب، وتنابذ، وانقسام، داخل المذاهب الإسلامية وبينها على اختلافها وتنوعها، هما: المتصوفة، وأهل الشريعة. لعل هذين الاتجاهين، هما الوحيدان اللذان لم يثبتا على قرار. فإن عناصر الخلاف التي يشتركان فيها، ويعتركان على أساسها، لا منتهى لها على ما يبدو. ذاك أنها عناصر خلافية وجودية تمس جوهر العلاقة بين الإنسان الفرد والوجود، كما تمس العلاقة الإيمانية بين الإنسان وا"، وطريقة صوغها على نحو يفضي إلى الغاية القصوى. إلى التحقق والطمأنينة في الرحاب الإلهي اللامتناهي. يتوسل الشيخ البهائي (اللقب المختصر للعاملي) لسانية القط والفأر، لجلاء حقائق النزاع على جبهتي التدين والنفاق. ولسنا ندري ما الذي حدا بالشيخ إلى محاكاة الحيوان لاستنتاج الحقائق على لسانه مثلما فعل ابن المقفع. ربما حملته على ذلك سلطة معرفية كانت الغلبة فيها إذاك لمجتمع الفقهاء وأهل الشريعة البحتة، أو ما يسمى »أهل الظاهر«. وهي سلطة لا تقبل الحياد بين نصها وما يعارضه. وربما دعاه إلى الأمر سعة معارفه، وشغفه بإبداع طرائق جديدة ومبتكرة لبيان ما في عقله الموسوعي. فكان مراده إظهار الحكمة في ما يريد، على لسان القط والفأر. الفأر والقط على أن البهائي لا يدع موضعù للحيرة في شأن هذا المنهج الكتابي؛ فخاطب أقرانه ومنتقديه بالقول: »أيها الأعزاء: لا تظنوا أن حوار الفأر والقط بلا جدوى. الفأر هو نفسكم الأمّارة بالسوء، التي تريد أن تتخلص بالحيلة والخداع من سلطة العقل، وأن تفسد صاحبها باقتدائها بالشيطان، وبعد ذلك تسخر من العقل وتهزأ منه وتضيّع عليه نعمة الاختيار الصحيح. أما القط أيها الأصدقاء فكان قد سيطر، بما يملك من صولة وشوكة على الفأر ووضعه في تصرفه، ولكنه بعد أن سمع من الفأر حديث الشواء والحلوى لانَ وتراخى وقد أعمى الطمع بصيرته فخُدع وأفلت الفأر من يده، وأنت إن لم تفلت عنانك وتسلمه إلى النفس الأمّارة فلن تتأخر في نيل مطلبك«.. خلاصة ما يريده البهائي من كتابه أمران أساسيان: أولهما في الشكل ويرمي كما تقول محققة الكتاب الباحثة دلال عباس إلى تبسيط مذهبه الفكري وتقريبه من أذهان الناس. وثانيهما في المحتوى ويرمي إلى توخي المزيد من تعميق هذا المذهب الذي يدعو إلى التوفيق بين الشريعة والحقيقة. وهذا المذهب يلخصه صاحبه في مقدمة كتابه »الخبز والجبن« فيقول: »من تفقه ولم يتصوف فقد تفَيْقَه، ومن تصوّف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق«. نقرأ في مقدمة كتاب »التدين والنفاق« ما يفصح عن التوازن في فكر البهائي الصوفي. فقد انتقد في شعره الفارسي، تحديدù في مثنويات: »الخبز والجبن«، »الخبز والحلوى« و»الحليب والسكر« أتباع الظاهر من رجال الدين الذين سماهم »علماء الرسوم« المنكرين للحكمة ولطائفها، الذين لا يميزون بين الرأي وبين الاجتهاد، والذين ينتقدون الحكمة وهم لا يعرفون ماهيتها، ويقفون عند ظاهر الأحكام ولا ينفذون إلى بواطنها، كما انتقد في المقابل أدعياء التصوف الذين غلّبوا الطريقة على الحقيقة. على أن مزية البهائي في حواريته هنا، هي نقد السلطة. السلطة بأوجهها وحيّزاتها المختلفة، معرفية أو سياسية أو قضائية. بذلك يكون قد وضع نظامù نقديù متكاملاً لمذهبه الفكري. ويكون أيضù قد حقق في مساجلته مذهبي التصوف المحض والتفقه المحض مبدأ التوازن الضروري لمذهبه الخاص في وحدة الوجود. لئن كان الهدف الأول والأساس لكتاب البهائي هو الجمع بين الشريعة والحقيقة كشرط للتحقق المعرفي في الوجود، فإن أهدافù أخرى ينطوي عليها الكتاب وتلخصها الباحثة عباس على النحو التالي: الدعوة إلى الزهد الترغيب في العمل من أجل الحياة الأخرى السخرية من العوام الذين يتعلقون بالأوهام والخرافات نقد واضعي الأحاديث ورواتها نقد الحكام والقضاة ورجال البلاط نقد الحكم نقد مباشر للقضاة الذين يستغلون منصبهم الديني لخداع الناس واستغلالهم نقد رجال البلاط الذين يراؤون الحكّام نقد الوعّاظ الذين يقولون ما لا يفعلون«... انتقد الشيخ في شعره الفارسي »أنصاف المتعلمين الذين وقفوا عند ظاهر النص، وأعرضوا عما هو جوهر الإسلام، عِلمهم قليل، وقلوبهم خالية من العرفان، وادعاؤهم أكبر من علمهم، يستغلون منصبهم ومعرفتهم من أجل مآربهم الخاصة«. إن العالِم الحقيقي في نظر البهائي هو الذي يجمع إلى علمه الزهد في الحياة الدنيا، لذلك فهو ينتقد على لسان الفأر رجال الدين الذين لم يجمعوا الزهد والتصوف إلى علوم الدين. في هذا نقرأ: يقول الفأر للقط: »إن الزهد والتصوّف من خصائص المتدينين، وأنا لا أرى ذلك فيك«... ثم يبيّن »أن الصوفي الحقيقي ليس ذلك الذي يمارس دينù خاصù قائمù على الشعوذة، أو يقول كلامù لا يؤيده عقل ولا نقل، وإنما هو مبني على التقليد وهوى النفس وخداع الشيطان. إنه أثر الشراب والترياق، الذي يشعر الجاهل بسببه بجذبة يشمئز منها العلماء والعقلاء، مثَلُ أولئك المجذوبين كمثل رجل في بحر عميق بعيد القرار، وهو بلا يدين ولا رجلين، ولا يعرف السباحة، فهو إما سيغرق حتمù، أو سيكون طعمù للتماسيح وبهائم البحر. إن أدعياء التصوف أولئك ألقوا بأنفسهم في بحر الفكر العميق والخيال البعيد من دون أن يستعينوا بسفينة الشريعة، أو قارب الحقيقة، وبدون ملاّح العلم والربان المرشد، وهم يجهلون السباحة، فوقعوا فريسة تمساح الشيطان، في دوامة بحر البطلان، وإبليس يغريهم ليُضلّهم كل آن، بأسلوب وطريقة مختلفين الى أن يصلوا إلى درجة يظنون أنهم نجوا من البحر العميق وتخلصوا من الدوامة، واصطادوا من الأعماق جوهرù براقù... إن كل من اتبع هوى النفس وأهواءها، واتبع الشيطان مستحق للعقاب (من »التدين والنفاق« ص 20). بين الشطح والسطح ينتمي الشيخ البهائي إلى تيار الجمع بين أهل العرفان. وهو في هذا يخوض أحد أصعب ميادين السجال الفكري والفلسفي وأقساه. تمامù كما فعل الغزالي وابن عربي وسواهما من خواص العرفان الإسلامي. فعلى الرغم من أن أبا حامد الغزالي بلغ في رد فعله بعد الفرار من المدرسة حدّ التنكر للعلوم الفقهية عندما قال »ضيّعنا عمرنا كله في البطالة، فيا خيبة مسعاي في تلك الأيام«، فلم يفته التوكيد على وجوب المصالحة الدقيقة بين الشريعة والحقيقة. يُروى أنه عندما قيل للغزالي: ألست قد صرت بعلوم الفقه والشريعة حجة للإسلام؟ أجاب: دعوني من هذه الترهات، أما بلغكم قوله (ص) »إن ا" يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر«.. كذلك كانت حال الشيخ محيي الدين بن عربي فيلسوف الصوفية وعارفها. انه بنى جل نظريته في وحدة الوجود على تكامل الشريعة والحقيقة وعدم انفصالهما بأي حال؛ هذا على الرغم من اتخاذه مساحة واسعة جدù من الحرية في التعاطي مع أحكام الشريعة والفقه وعلوم الأحاديث. فكان يرى إلى كل ذلك رؤية باطنية تأويلية متخطيù جمود النص عند ظاهره. كان يدعو إلى طريق لبلوغ الحقيقة بواسطة الشريعة، ليجتنب الشطح باتجاه العدم. مثلما دعا إلى الإبحار في المعرفة وعدم البقاء عند سطوح النصوص وصولاً إلى قاعها اللامتناهي. وفي هذا سنسمعه يردد: تركنا البحار الزاخرات وراءنا فمن أين يدري الناس أين توجهنا. المتصوف الكبير ابن علوية المستغانمي أضاء على ثنائية الحقيقة والشريعة ووجوب تكاملهما، لتتكامل شخصية العارف وتنضح بالعلم الإلهي. لقد بيّن أن الحقيقة هي عين الشريعة. الحقيقة عين والشريعة أمرها. فمن تحقق ولم يتشرع فقد تزندق. ومن تشرع ولم يتحقق فقد تفسّق، ومن جمع بينهما فقد تحقق. وينقل المستغانمي عن أهل الجذب الغالب عليهم الحال، قولهم: الحقيقة باطنة في الشريعة كبطون الزبد في اللبن، فبخضّ اللبن يظهر الزبد (...) الحقيقة جسد والشريعة أعضاؤها ولا يمكن أن يكون الجسد بغير أعضاء. ويقول بعض المتصوفة إن الحقيقة شجرة والشريعة أغصانها. وكانوا في ذلك يتمثلون النبي (ص) في قوله: »الشريعة مقالي، والطريقة أفعالي، والحقيقة حالي«. ويروون عن أحدهم أنه رأى النبي (ص) في منامه فقال له: يا رسول ا" إني متطفل في هذا العلم فقال: »إقرأ كلام القوم، فإن المتطفل على هذا العلم هو الولي، وأما العامل به فهو النجم الذي لا يُدرك«. ربما حمل الشيخ البهائي في قرارة ذاته ما حمله سواه من شيوخ الصوفية، لجهة التشدد في توصيف أهل العرفان، وهذا ضروري لوضع حدود فاصلة وواضحة بين النفاق والمعرفة الإلهية الحقيقية. وحسبي ان الشيخ البهائي واحد ممن رأوا إلى »القوم« على أنهم أولئك الذين زينوا ظاهرهم بالشرع، وجمّلوا باطنهم بالجمع، وأخذوا من الشرع ما لا يقتضيه الطبع، ولا يسبق إليه السمع، فمن أجل ذلك صار جميع ما يفهمونه عن ا" في سائر أحوالهم مأخوذù من الكتاب والسنة، وقلما تجد قولاً من أقوالهم في الشريعة إلا ولهم فيه جميع مراتب الشريعة، والطريقة والحقيقة. إنهم بخلاف من عداهم، الذين لا يأخذون من القول سوى الظاهر من غير التفات لما له والباطن من الأسرار القدسية والمعاني الغيبية.. إن كلام البهائي في ما تنتهي إليه حوارية القط والفأر، هو كلام راهن، له صفة الديمومة والإثارة. ذاك أنه يخترق نوافذ »المحرم« التي نصبتها سلطة النص في كل اتجاه. ثم انه يفتح على أسئلة محجوبة لنا من شواهدها القريبة ما يكفي..

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة