As Safir Logo
المصدر:

التفاحات البعيدة(راجعته عناية جابر)

المؤلف: حبايب حزامة التاريخ: 1996-06-12 رقم العدد:7410

الكاتب: حزامة حبايب الكتاب: »التفاحات البعيدة« الناشر: دار الكرمل عمان »التفاحات البعيدة« مجموعة قصص صادرة عن دار الكرمل عمان، للكاتبة حزامة حبايب، عنوان المجموعة يتوج عناوين تسع قصص قصيرة، ضمتها دفتا الكتاب منها: »بعد الاحتراق« و»تخاريف كاتب مغمور« و»رائحة... وأشياء اخرى« و»مأساة شيء لعله كان نافعا«.. الخ. مجموعة الأردنية حزامة حبايب القصصية، تفاجئ القارئ منذ لحظة القراءة الاولى، لتميزها واكتنازها في أشكالها ومضامينها تلك الشجاعة، وذلك الاخلاص للمادة في شكل أدبي جميل. ثقة في »التفاحات البعيدة« أولى قصص المجموعة، وعنوانها، ذلك الأسلوب المهاجم، الذي لا تردعه التفاصيل، ولا يهاب الغوص في توصيفات محرمة. »التفاحات البعيدة« علاقة حب غريبة، بين امرأة وزوجها الذي يكبرها ب 30 عاما، وكانت في العشرين حين زواجها منه، لما كان في الخمسين من عمره. وها هي الآن في الخمسين من عمرها، بعد زواج دام سنوات ثلاثين، كانت فيها المرأة مثال الصابرة، المتحفظة على رغباتها الحقيقية، الماثلة لأهواء زوجها الغيور، الأناني، الخائف من حبه لها ومن فقدانها في الآن عينه. لازم المرأة إحساس مترجرج تجاه زوجها طوال فترة حياتهما الزوجية. فهي احيانا تحبه حبا فيه ذلك الشعور بالاستقرار، الذي يترسخ مع معاشرة روائح ثابتة، ومخالطة موجودات وان تبدلت في هيئتها الا ان مضمونها ثابت في قوالب لا تتزحزح مواقعها او تتغير احجامها، وهو ليس حبا بمعنى الحب، وانما قبول او رضى او ارتياح. كما انها تكرهه احيانا كثيرة، كرها ممزوجا بنقمتها على ضعفه، ونقمتها ايضا على ضعفها. هي تكرهه وتقرف منه احيانا، وتشفق عليه بلا رحمة. الى ان تقرر مغادرة البيت اخيرا بعد سنوات عذاب طويلة، لكي تمارس حياتها خارج هذا المناخ المظلم، والظالم. غير انها لم تفعل في مغادرتها، سوى تحقيق رغبات قصيرة، وقاصرة، وعائدة الى سنوات الطفولة الأولى، لتعود عصر اليوم نفسه، طائعة مختارة الى البيت والزوج اللذين ارتضتهما جحيما أبديا. علاقة تبرع حزامة حبايب في وصف علاقتها بالزوج المريض، غريب الاطوار والرغبات، ثم في وصف مساحة حريتها المشتهاة، التي تتلطى خلفها رغبة عميقة، وودا ثابتا بالزوج وكيفية ممارسة حياتها معه، لتتبدى هنا، حالة مرضها هي، وولعها الدفين في ممارسة طقوس الحياة هذه، التي تتذمّر منها الكاتبة في العلن، وتعشقها سرا. اكثر ما يميّز لغة حزامة حبايب، عدا طواعيتها، وامتلاكها حرفتها، تلك الثقة التي تتقدم بها جملتها، فهي تلعب على الجملة فتحيلها من عاديتها الرتيبة، إلى جملة تدرك الذائقة الحداثية. فحبايب في كتابتها، الى تناولها سيرا ذاتية او متخيلة، تشعل اجواء سردها، بذلك السحر الخاص، وهي جريئة، جرأة من لا يتهالك على عالم لا يملكه، بل تسرد خصوصياتها ورغباتها هي، بلغة جعلت فيها شبها كاملا، بين القص وأدائه اللغة. صوغ تمتلك حبايب حسا معمقا بالعلاقة، ليس فقط بالمفردة، بل بطرق صوغها بما يلائم معنى الكتابة، من زاوية تحررية. وهو تحرر لغوي أولا، يحيد عن الإنشاء بطريقة عادلة. التوصيف هنا، لا يقع في الرتابة، كما انه لا يلعب دورا برانيا في قيادة السرد الى التطويل. ذلك ان وظيفته جزء أساس من آلية كتابة القصة القصيرة، بما تفترضه الكتابة الواعية. ثمة ما يحيل الوعي هنا، الى دفقان شعوري مضبوط في قواعد، لم تقع أسيرة دفتر شروط كتابة القصة القصيرة الدارجة. فالحرية اللغوية التي تمارسها الكاتبة، تُكمل هوى الحرية الأكبر، الذي تحاكيه حبايب في قصصها هذه، المتنوعة والمضمومة بذلك الخيط السري العجيب، الذي ينهل من معين الثقة على مداراة المعيش، وتصفيته من خلال مكنة غير مستدركة، بل جوهرية الحضور. كتابة حزامة حبايب في »التفاحات البعيدة« ليست تلقائية، وان كانت هذه، لا تغيب عنها، حين تمتزج بقوة الأسلوب المحصل من وجهة نقدية للقصة القصيرة، في راهنيتها. فلسنا أمام أفكار وتداعيات، يجري تطويلها او فلشها، او تسوية وضعها، بإدراج مجموعة من الحوارات في متنها، بل على العكس، لمّا يتفتح الوعي لدى الكاتبة، على صور ترد الى الاجتماعي الماثل، فتكثفه في سياقات غير مدّعية، تلعب فيها عناصر وأدوات وتفاصيل القصة القصيرة، دورا في تخطي البنية التقليدية لها، من كتّاب هواة. كأن حزامة حبايب تدرك تماما، ان القصة بنيان، وان الحداثة لا تتجاوز الشكل بمجرد تجاوزه فقط، بل انها اولا، قراءة للموجود، بالحرص عليه، واحتضانه وانتشاله من بلادته، التي يراوح أمامها. »رائحة وأشياء اخرى« تصلح نموذجا لقراءة معنى اندغام الكاتبة في تجديد كتباتها. اذ انها لا تبدو نافرة هنا، بل منسجمة مع ما يمكن ان يركن في خانة التقليدية. انها تنشد الى توتير الكتابة بتوقيعات داخلية، لن تكتفي بنبرتها الخبيئة حين تعلي صوت الشكل، بوضوح اصطفاف العبارات والجمل، بما يحملها الى معان محددة، في تشكيلات رصينة. عناية جابر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة