As Safir Logo
المصدر:

مسرح."متشائل"إميل حبيبي مسرحية في باريس السخرية سيدة الموقف(صورة)

المؤلف: كليب سامي التاريخ: 1996-06-11 رقم العدد:7409

لعل ما يميز مسرحية المتشائل عن غيرها من الاعمال المسرحية في العالم بشكل عام وفي الوطن العربي على وجه الخصوص انها تجعل الجمهور بطلا لها بحيث لا تقتصر اهميتها على النص المتقن فقط ولا على الممثل الوحيد والبارع محمد بكري. وليس المقصود هنا تفاعل الجمهور بما يشاهد وانما بتاريخه حيث تصبح السخرية سيدة الموقف ويضحك الجمهور على نفسه وكأنما حاضره ليس امتدادا لماضيه او انه هو نفسه ولد من العدم. فبقدر ما يصب الممثل الوحيد في المسرحية محمد بكري جام نقمته على العرب، الذين وعدوا بالعودة الى فلسطين ولم يعودوا، وتركوا أبناء الداخل اما يغرقون بدمائهم او يغرقون بالعمالة مع الدولة الاسرائيلية، بقدر ما يشعر الجمهور لا سيما القادم من المشرق العربي كم ان غربة الداخل الفلسطيني كبيرة حيث لا يذكر فلسطينيو الداخل عن اخوانهم من عرب ما وراء الحدود الا ما هو تخاذل وتخل وهجر وفسق وفساد وكأنما كل الشعوب العربية مسؤولة امام من بقي في الداخل. الداخل والخارج يكتشف الجمهور انه لا يعرف شيئا عن الداخل تماما كما يوحي محمد بكري انه لا يعرف شيئا عن الخارج الا ان العرب وعدوا بالعودة ولم يعودوا فاستحقوا كل هذه السخرية التي طالت شعاراتهم ووعودهم وحتى عاداتهم ومأكولهم والمشروب. هكذا يصبح اللوم سيد الموقف ويبدو الضابط الاسرائيلي يعقوب حنونا على سعيد ابن النحس، الذي بقي في حيفا، لانه، وكما والده، تعامل مع محتل أرضه وهجر أهله، وبقي يتعامل ويتآمر على ابناء وطنه، فيلاحق الشيوعيين، ويبث البلبلة في صفوف المتظاهرين، حتى أصبح ابنه شابا فحمل رشاشه وذهب الى المغرة ينتقم من المحتل وينتقم من ذل أهله. تقسم مسرحية المتشائل الى جزأين، يبدأ اولهما بنزول سعيد (محمد بكري) بين الجمهور على درج صالة معهد العالم العربي مرندحا اغنية »يا ماريا يا مسوسحة الشطآن والبحرية. جننتيني يا بنت يا سمرا جننتيني« ومكررا السؤال على الجمهور »كيفك دكتور« ومصافحا هذا مبتسما لذاك في حركات تبدو بالفعل عفوية وتعبر عن قدرة بكري على تجسيد تلك الشخصية ببساطة وشفافية على عكس شخصية »حيفا« التي لعبها في فيلم »حيفا« لرشيد مشهراوي حيث بدا ان المخرج أثقل الشخصية بما لا تحتمل فجاءت حركاتها مصطنعة بعيدة عن الواقع. ويروي سعيد ابو النحس كيف بقي في حيفا، بينما رحّل الاسرائيليون كافة من كان بقي في المسجد. وبقاؤه انما جاء لان والده كان صديقا ليعقوب الضابط. هكذا يتم بناء شخصية سعيد المتنازعة بين التفاؤل والتشاؤم، مع غلبة للتفاؤل. وذلك لانه كلما وقع حادث فان سعيد يعتقد كما كانت تعتقد أمه انه كان بالامكان حدوث ما هو أفظع منها. هذه القدرة على التكيف مع الواقع هي التي سمحت له بالبقاء كعربي في اسرائيل. لكن انضباط سعيد مع الواقع الجديد وقناعته بأن خدمة الضابط الكبير هي التي تضمن له حياة هانئة، لم يكونا دائما في صالحه، فسرعان ما يكتشف ان الاسرائيليين لا يثقون به بالرغم من الخدمات الجليلة التي يقدمها لهم من دسائس ومؤامرات خصوصا على الشيوعيين (هل هو تأثير اميل حبيبي الشيوعي؟)، فلا يجد له ملجأ إلا عند شيخ المرفأ الكبير او عند القادمين من كوكب ثان (اي عند الامل الموجود فقط في الخيال). الذروة وفي الجزء الثاني من المسرحية تصل الرواية الى ذروة تعقيداتها فبعد ان يزوج »الشين بيت« سعيد من الامرأة الثانية التي احبها، يرزقان ولدا. يقرران ان يسمياه فتحي، فتأتيه الاوامر من الضابط الكبير ان فتحي يذكر باسم فتح أبرز أجنحة منظمة التحرير، فيختار له »ولاء« اسما بكل ما لهذا الاسم من رضوخ وخنوع وقبول بالواقع. لكن ولاء سرعان ما يتحول الى فدائي يقارع العدو من احدى المغاور ساعيا الى الخروج من الذل والخوف والصوت الخافت، اي من الصفات التي تميز والديه. يأتي الاسرائيليون الى منزل سعيد ابو النحس يضربونه ويطلبون منه المساعدة في العثور على ولده. يذهب مع زوجته التي يتهمها بإثارة روح التمرد في ابنهما ولاء. تحاول الأم إقناع ولدها بتسليم نفسه الا ان اصراره على مقاتلة الاسرائيليين يدفعها هي الاخرى الى حمل الرشاش. يختفي ولاء وأمه في النهر. ولا يسعى سعيد لمعرفة ما اذا كانا لا يزالان على قيد الحياة، يفضل ان يعتقد بانهما آمنان في مكان ما خلف الحدود. يقال لسعيد ان ثمة اذاعة تبث أخبار الفدائيين. يراوده حلم عودة العرب. لكنه يسمع في الاذاعة دعوات الى ان يرفع عرب الداخل الأعلام البيضاء استسلاما. يرفع علمه. يؤنبه الضابط الكبير. يقول له اننا نقصد ابناء الضفة وليس حيفا. تنتهي المسرحية بإنشاد سعيد نشيد عيد الاستقلال الاسرائيلي. هل اللوم هو وحده المقصود؟ ان سيرة محمد بكري تقول العكس. فهذا النجم الفلسطيني المولود عام 1953 اي بعد نكبة عام 48 بخمس سنوات يقول »ان الامور في ذهني واضحة تماما. فأنا فلسطيني، هويتي فلسطينية ابي فلسطيني وأمي كذلك، اما ان احمل جواز السفر الاسرائيلي فهذا تفصيل، ان تراثي فلسطيني وفني فلسطيني والتزامي كذلك يحمل الاسم نفسه«. درس بكري في معهد الفنون في جامعة تل أبيب وبدأ حياته الفنية على خشبات مسرح حيفا البلدي، ذي الصبغة اليسارية، وكانت مسرحية »منظر من فوق الجسر« لآرثر ميلر أولى مسرحياته، ثم »هم« التي تتحدث عن حرب لبنان، وجهها ضد تلك الحرب، وخصوصا ضد وزير الدفاع الاسرائيلي آنذاك آرييل شارون، بالرغم من انه شارك فيها مع يهود وعرب ومع مخرجين اسرائيلي واميركي. كان الاميركي جوزف تشايكن اليساري مؤسس المسرح الحر في نيويورك. وكذلك لعب في »موسم الهجرة نحو الشمال« للسوداني الطيب صالح، ثم »روميو وجولييت« التي أخرجها الاسرائيلي إيران بانييل والفلسطيني فؤاد عواد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة