دخلت الشعارات مبكرة الى عالم المصوغات الذهبية، لكهنا كانت شعارات الايديولوجيا الرسمية. بمعنى ان اول ما كان يقوم به الملك لدى اعتلائه العرش كان صك النقود باسمه وضرب العملة الجديدة بشعاره، وكأنما بفعله ذاك كان يدمغ الوقت بخاتمه. ولعل البحّار الصوري علاّقة، صاحب الانتفاضة البحرية الشهيرة، كان من اوائل الذين ادخلوا فكرة ثورية ايديولوجية الى عالم المصوغات الذهبية. فلقد ضرب عملة بعد انتصاره وتسلمه للسلطة باسمه، نقش عليها عبارة »عز بعد فاقة الأمير علاّقة«. وهي جملة تحوي الكثير من الفخر المتأتي من الاحساس الطبقي ذي البعد الثوري. فليس من عادة الواصلين الى النجاح الاعتراف بأصولهم اذا ما كانت متواضعة، ذلك انهم يرونها وضيعة اذا ما شوهدت من علو الموقع الجديد. لذلك فان فخر الامير علاقه بما وصل اليه بالطريقة التي وصل بها (اي الانتفاضة) ونقشه لذلك على النقد الذهبي يعتبر فكرة ثورية. والصلة بين الايديولوجيا والمصوغات وثيقة منذ زمن بعيد، واذا تأملنا قليلا في لفظة »اعتنق«، سنعثر بعد قليل على المعنى الاصلي المضمر في اللفظة اي: وضع سلسلة حول العنق يتدلى منها شعار المعتنق الذي يدل »اعتناقه« على ولاء الشخص المعتنق الى العقيدة التي يمثلها الشعار. وقد تكون السلسلة او الميدالية المعتَنَقَة من معدن أقل نبلاً من الذهب، فلا يتضرر جراء ذلك ولاء الشخص وإيمانه بمعتقده. لكن صبّ ذلك ذهبا بما يتضمنه معنى الذهب الذي لا يحول جماله ولا تزول قيمته بمرور الايام، يضفي بعدا إضافيا على شعار المعتقد وكأنه حرارة التأكيد على الايمان. ولأن التاريخ هو تاريخ المنتصرين الاغنياء اصحاب السلطة والنفوذ، فان الذهب لا شك يؤرشف للمعتقدات المنتصرة عبر التاريخ من خلال الشعارات المنقوشة على المصكوكات والمصوغات التي نجدها في الحفريات والمتاحف. كان ذلك في العالم اجمع حتى منتصف القرن العشرين. الا ان تسارع إيقاع الزمن بعد ذلك، وتكاثر الناس وسبل الاتصال بينهم على سهولتها، جعلت من دوام الأيديولوجيات في الزمن اقل من ذي قبل. وأخذت هذه الايديولوجيات تتبدل بتسارع متزايد حتى أصبحت (في الغرب على الاقل) أشبه بالموضة التي »تفور« ثم لا تلبث ان تهمد لتختفي بعد قليل. فخفتت لذلك حرارة التأكيد على الولاء للشعار نظرا لقناعة الجميع بان الامر لن يطول بعد استهلاك احتمالات الفكرة وتوليد فكرة اخرى منها. وبما ان اغراء الاعلان عن الانتماء ظل قائما على الرغم من ذلك (او لذلك) فلقد أخذ الاوروبيون يلجأون بشكل أقل الى الذهب لمصوغاتهم الايديولوجية واستعملوا مواد اخرى لا يكلف رميها عند انتهاء الموضة او الفكرة، كثيرا، وتكون في الوقت نفسه بمتناول جميع الطبقات لمساعدتها على استهلاك الموضة. وهكذا، راجت الفضة لتمثيل شعارات »الهيبيز« المفضلة من مثل »الحب والسلام«، والعودة الى الطبيعة عبر عناصر الازهار والاوراق الشجرية، ورمز مهرجان وودستوك، ورمز الروح والنيرفانا الخ.. بعد ذلك ولد البينس PINصS او الزر الذي يمثل الشعار. ونستطيع بسهولة اليوم ان نجد على الصدر ذاته عدة أزرار تمثل تفضيلات الشخص الواحد وأذواقه وليس معتقداته، فيجتمع شعار فريق كرة القدم المفضل (على زر طبعا) والبرنامج التلفزيوني المفضل على قدم المساواة مع شعار الحزب الذي يصوّت له وشعار نوع الموسيقى المفضلة (راب، جاز، بلوز، كلاسيك) الى شعار بطل الرسوم المتحركة المفضل (ميك، لوكي لوك، تان تان، دونالد داك.. الخ). اما عندنا أهل الشرق، فلقد ظلت الشعارات المذهبة الرائجة هي الشعارات الدينية وأضيفت اليها في الخمسين سنة الاخيرة الشعارات الوطنية التي ظلت رائجة في لبنان حتى.. بداية الحرب. سيف الإمام علي يقول الصائغ حركة حركة في شارع السادات لدى سؤالنا له عن امكانية ربط موضة المصوغات الذهبية بمراحل الحرب اللبنانية، بأن ذلك ممكن جدا: »قبل الحرب كانت هناك المصوغات الدينية الرئيسية اي القرآن والصليب، اما الأرزة وخريطة لبنان، فلقد كانت تباع للمغتربين الذين يأتون في الصيف الى هنا. لا يشتري اللبناني المقيم الأرزة والخريطة، فقط المغترب يفعل ذلك وهذا نوع من الحنين الى الشيء المفقود«. »اما الخريطة الفلسطينية، فلقد استمر سوقها مزدهرا منذ بدايات الحرب وحتى بعد 1982 بسنة ثم اختفت من السوق. وأول الحرب انتشرت شعارات الاحزاب خاصة الحزب القومي الذي كان عناصره يشترون الزوبعة شعارهم. انا كان لدي محل في منطقة برج ابي حيدر، حيث كانت للمنطقة صبغة حزبية وكنت أبيع شعارات احزاب، اما بعد 83 84 فلقد بدأت أبيع الرموز المذهبية اي النجمة الخماسية لأخواننا الدروز ذات الالوان الخمسة وسيف الامام علي، ذو الفقار. لان لكل شخص نقطة داخله تحركه يلعب عليها من يريد اهداءه قطعة ذهب. انا مثلا تتحرك عواطفي بالنسبة لسيف الامام علي لانه يعني لي الكثير لأنني شيعي »عرفت كيف؟««. والرموز الغرامية؟ يقول: »هذه موضة دائمة، مثل القلب وقطعة فالنتاين المكونة من جزءين يمثلان وجهين متقابلين يحتفظ بكل جزء احد العاشقين علامة التواصل والتكامل مع الآخر. واليوم هناك الفكرة نفسها منفذة بطريقة محلية: يعني قلب مقسوم الى قسمين على الجزء الاول عبارة لا إله إلا الله وعلى الجزء الثاني عبارة محمد رسول الله. يعني تستطيعين القول انها غرامية مذهبية«. وما هو هوى السوق اليوم؟ يرد الصائغ: »انت ادرى بالحالة اليوم، الاتجاه الوحيد في السوق اليوم هو بيع الذهب الرخيص الثمن. قبل الحرب كانت الناس تشتري الذهب الفخم، لكنها اليوم لا تؤاخذيني متضايقة«. وهل طلب منك احد شعار بيروت الذي صمّمته »السوليدير«؟ يقول: »أبدا أبدا.. لم يطلبه احد«. خارطة فلسطين اما حمزة شاتيلا، الذي يملك ثلاث فروع ومعملا للصياغة فيقول ردا على الاسئلة نفسها: »قبل الاحداث كانت الناس تطلب القطع الذهبية الفنية الفريدة. اما بالنسبة للشعارات فلقد طلبت خارطة فلسطين كثيرا قبل خروج الفلسطينيين من بيروت. اما خارطة لبنان والأرزة فلا يطلبها اللبنانيون المقيمون بل المغتربون في الصيف. وفي فترة الحرب الاخيرة طلبت الشعارات الدينية مثل السيف ذي الرأسين (سيف الامام علي) والنجمة الخماسية ذات الألوان الخمسة«. والرمزان الرئيسيان للأديان؟ يجيب شاتيلا: »القرآن والصليب أقل بكثير في السنوات الاخيرة، يعني المذاهب أكثر من الأديان الرئيسية، حتى ان الطلب عليها أقل من 1$ من مبيعاتنا«. وماذا يشتري الناس اليوم؟ يقول: »في السنتين الاخيرتين لم تعد هناك مواسم محددة »ضاعت الطاسة« حتى المناسبات الغرامية. انتظرنا في عيد العشاق الماضي بيع رموز الحب لكن الطلب كان لا يذكر«. المصوغات التقليدية هي التي عادت تطلب كالعقود والأساور (الخواتم التي لا ترمز لشيء وهي لمجرد الزينة. لكن الطلب اصبح كبيرا على المصوغات الرخيصة التي في حال عاد شاريها فباعها لا تخسره الكثير«. وهل حصل ان تلقى طلبا لنقش شعارات غريبة؟ يحمّر وجهه محرجا ويقول بعد تردد: »يعني شو بيخطر ببالك؟ لا شيء مستغرب. لم نعد نستغرب شيئا، خذي مثلا بدايات الاحداث، لقد طلب إلينا مرة شعار حزب ولقد وجدنا الأمر »عجيبة« وقتها، وبعد زمن لاحظنا ان »هيدا اللي ماشي« فأخذنا بتصنيعها ووضعها جاهزة في الواجهة بعد ان كنا نصوغها على الطلب«. وبأي فترة راج الطلب على هذه الشعارات الحزبية؟ يرد: »من اوائل الثمانينيات قبل الاجتياح وحتى حرب عون، ثم انطفأت بعدها«. وما هي الاحزاب التي كانت تصب شعارها ذهباًٍ؟ يجيب شاتيلا: »الحزب القومي في المقام الاول وكانوا يطلبون الزوبعة، ثم الحزب الاشتراكي وشعاره الريشة والمعول، اما الحزب الشيوعي فقليل جدا. اليوم هناك توجّه اكبر نحو المذاهب، وأكثر ما يطلب السيف ذو الرأسين والخماسية الدرزية«. نقول له بعد ان شاهدنا خريطة فلسطين في الواجهة: لكن عندك خريطة فلسطين؟ يجيب ضاحكا: »موجودة، ولكنني قلت للشباب منذ يومين: هذه القطعة ستقعد في وجهنا لعشر سنوات على الاقل. لا أحد يطلب اليوم خريطة فلسطين، من سيطلبها؟«. الزوبعة والنجمة المخمّسة جان وانسيان صاحب محل »أوميغا« في الحمراء أيضا، يقول ان خريطة فلسطين لم تعد تطلب منذ اتفاق أوسلو! اما اكثر ما كان يبيعه اثناء الحرب فرموز الاحزاب من غير الشيوعية، ويضيف: »يأتي الحزب القومي في المقدمة ثم النجمة المخمّسة لإخواننا الدروز!!«. وهل نستطيع القول بأن سوق المصوغات الايديولوجية هابط اليوم؟ يجيب: »جدا. لانه لم يتبق له معنى اليوم. عندنا هذه الفترة السيف الذهبي مثلا. ما معناه؟ هو مجرد نفور (يريد ردة فعل) هيدا بيحط صليب كبير، الثاني شو بيحط؟ قرآن؟ لأ. السيف له معنى آخر«. وما معناه؟ ضرب الأعداء بالسيف؟ يرد ضاحكا: »أكيد«.. وهل طلبت اليه صياغة رموز غريبة؟ يرد: »من زمان كان طلبة الجامعة الاميركية المتخرجون يطلبون بعض الرموز الخاصة بهم. لكن بطلت هذه الموضة منذ أكثر من عشر سنوات. بعض الاحيان يأتي الماسونيون ويطلبون خواتم تمثل رتبهم، ويأتون معهم بالرسم لان رموزهم غير معروفة من الناس، ولقد كفوا عن المجيء منذ زمن الينا، ربما يذهبون اليوم الى صاغة ماسونيين. اما موضة اليوم فهي في نوعية الذهب، والطلب كبير على الذهب السعودي والخليجي المزخرف واللامع«. لا نبيع للماسونيين ومن الحمرا الى برج حمود حيث سوق الذهب الكبير، وكما في »الغربية« كذلك في »الشرقية و يؤكد صاحب محل ديكران للمجوهرات ان المغتربين هم جمهور الأرزة والخريطة اللبنانيتين وان موسمهما هو فصل الصيف. اما بالنسبة للشعارات الدينية الرئيسية فهي تباع ، لكن الزبون اليوم يحدد طلبه في بعض الاحيان فيطلب صليب روم او موارنة. ثم يستدرك: »إلا انهم قلة فالصليب في النهاية هو الصليب«. وهل باعوا شعارات احزاب مذهبة اثناء الحرب؟ يرد ديكران بالنفي، فنسأله »وخريطة فلسطين؟« فيجيب بجفاف: »لا جبناها ولا بعناها«. ويقول صاحب محل روما جورج محروق: »كل فترة هناك موضة. وموضة اليوم هي شعار الفيرساتشي »VERSACI«. وما هو هذا الشعار؟ يرد: »هي ماركة ايطالية، لكن شعارها جميل يمثل شمسا ذات وجه انساني. كما نبيع علاقات مفاتيح مذهبة لسيارات المرسيدس وال ب.أم«. وكيف كانت الموضة أثناء الحرب؟ يقول محروق: »قبل الحرب كان هناك »صليب« و»الله«. بعد حرب عون صار هناك شعارات المذاهب: صليب الروم او الكاثوليك لكن ليس بكثرة. لدينا ايضا سيف الامام علي. في أوائل الحرب كانت شعارات الاحزاب مثل أرزة الكتائب، بعدها بعنا شعار القوات اللبنانية في الدائرة وداخلها أرزة«. والأرزة اللبنانية ؟ يجيب: »للمغتربين من الاول حتى الآخر وكذلك الخريطة«. وهل هناك شعارات اخرى؟ يقول: »الطاشناق والماسونية. الآن يأتي الماسونيون من وقت لآخر ويطلبون بعض شعاراتهم، فنقول لهم لا يوجد«. يقولها وقد بدا الحزم على وجهه، فنسأله: »هل هذا موقف؟« يرد بحزم: »نعم، موقف، حتى ولو أوصونا. أصلا ممنوع ان نعمل لهم شعاراتهم لأنها ممنوع ان تباع في السوق. كل واحد يأخذ رتبته من المحفل التابع له، لكي لا تباع في السوق لأي كان«. وما هي نسبة المصوغات الرمزية من المبيع العام؟ يقول: »ما من نسبة لأن البيع عاطل في هذه الايام، ما من تركيز على أشياء محددة. في الحرب كانت تشكل حوالى 10$ من المبيع اما اليوم فالتركيز على نوع الذهب. هنا في المنطقة نبيع الذهب عيار 18 المشغول محليا او الايطالي، اما عيار 21 وبصراحة فالمسلمون يحبونه لان صياغته لامعة ومزخرفة كثيرا. لا نصوغه هنا ويأتينا من الخليج«. جاره، هاغوب دمرجيان، فله الملاحظات نفسها. »قبل الحرب كانت الخارطة اللبنانية والأرزة اجمالا للمغتربين ولا تزال كذلك حتى اليوم. في الحرب درجت رموز حزبية للقوات ثم يأتي بعدهم الكتائب. هناك ايضا الماسونيون، لكنهم فهموا أخيرا انهم لن يجدوا طلبهم في السوق. او ربما وجدوا قطعة او اثنتين في كل السوق«. وآخر موضة؟ يرد: »لا شيء محدد. هناك تركيز على نوعية الذهب. عندنا نبيع عيار 18 وفي سوق النويري عيار 21«. تحقيق: ضحى شمس