شهدت المنطقة في اليومين الماضيين، ما يمكن اعتباره انقلابù جزئيù في اجوائها، بعد ان نجحت قمة دمشق الثلاثية في بث شيء من الحياة في العمل العربي المشترك، وبعد ان بدأت الاستعدادات لعقد قمة عربية شبه كاملة دعت اليها القمة الثلاثية تكون في حال انعقادها في القاهرة في الواحد والعشرين من حزيران الجاري، الاولى من نوعها منذ قمة القاهرة في العام 1990، فيما تواصل الجمود في الموقف الاميركي بانتظار اللقاء بين الرئيس بيل كلينتون ورئيس وزراء اسرائيل المنتخب بنيامين نتنياهو في الخامس والعشرين من حزيران، والذي انعكس امس رغبة اميركية بتأخير صدور موقف عربي من التطورات في عملية السلام حتى تشكيل الحكومة الاسرائيلية وتكوّن اتجاه اميركي للتحرك المقبل. وفيما استمرت دمشق بعد يوم من القمة المصرية السورية السعودية، مركز مشاورات واتصالات بشأن المرحلة المقبلة، على مستوى المنطقة، تمثل ذلك في زيارتي وزيري خارجية ايران وقطر اللذين استقبلهما الرئيس السوري حافظ الاسد، بدأت القاهرة الاعداد للقمة العربية، التي لن يدعى اليها العراق بسبب اعتراض الدول الخليجية. وقالت مصادر مصرية ان احدى عشرة دولة عربية وافقت على حضور القمة التي تستمر حتى الثالث والعشرين من حزيران الجاري، واعلنت انه لم تتم دعوة الصومال بسبب الظروف الحالية التي تعيشها. وكانت القمة الثلاثية قد أكدت في بيانها الختامي التمسك »بتحقيق السلام العادل والشامل كخيار استراتيجي، مما يستوجب أيضا تمسك إسرائيل به بجدية ومن دون مواربة، حيث لا يجوز قبول التراجع أو التنازل عما تم تحقيقه واعتبرت ان أي نكوص من إسرائيل عن الأسس التي قامت عليها عملية السلام أو تراجعها عن الالتزامات أو التعهدات التي تم التوصل إليها أو المماطلة في تنفيذها يضعها في مواجهة المجتمع الدولي ويمثل تهديدا حقيقيا لعودة المنطقة الى دوامة التوتر والعنف تتحمل إسرائيل المسؤولية الكاملة عنه«. وطالب الرئيسان المصري حسني مبارك والسوري حافظ الأسد وولي العهد السعودي الأمير عبد ا" (الذي شارك في القمة نيابة عن الملك فهد) إسرائيل بالانسحاب الى خطوط الرابع من حزيران 1967، وأكدوا على توظيف كامل الطاقات لاستنهاض الأمة العربية ولمّ شملها ورعاية مصالحها واستعادة حقوقها المغتصبة«. وتضمن البيان موقف تضامن مع دولة البحرين في »مواجهة أعمال الفوضى والتخريب وأي تدخل خارجي من دون تحديد دولة بالاسم. إلا أن الزعماء الثلاثة اتبعوا أسلوبا مختلفا مع تركيا في إشارة واضحة الى القلق من اتفاقها العسكري الأخير مع إسرائيل، إذ طالبوها »بإعادة النظر فيه« و»ان تتخذ سياسة تتفق مع علاقات حسن الجوار والمصالح المشتركة واحترام المصالح العربية«. (نص البيان وتفاصيل القمة صفحة 14). والتزم رئيس وزراء إسرائيل المنتخب بنيامين نتنياهو الذي تسبب انتخابه في الانقلاب السياسي الحاصل في المنطقة، الصمت تجاه القمة الثلاثية والدعوة الى القمة العربية الموسعة، على الرغم من إعلان قادة في الليكود انه »لن يذعن للضغط العربي«، وانه »لن يحدد موقفا قبل تشكيل حكومته المتوقع الاعلان عنها قبل زيارته الى واشنطن«. وبدا الانزعاج واضحا في إسرائيل عبر تصريح للرئيس عازر وايزمن قال فيه »ان أمرا غير طيب يجري في الدول العربية، انها بدأت في اتخاذ مواقف«. إلا أن كلينتون الذي يستعد لعقد لقاء مع الملك الأردني يوم الخميس المقبل هو الأول مع أحد قادة المنطقة منذ الانقلاب الانتخابي في إسرائيل تحرك أمس مدفوعا بالتطورات العربية الأخيرة في محاولة، لترجيح كفة موقف الانتظار، حتى تبلور سياسة رسمية معلنة من نتنياهو تجاه السلام، وأجرى اتصالا هاتفيا بهذا الخصوص بالرئيس المصري حسني مبارك، دعاه فيه الى زيارة واشنطن الشهر المقبل، أي بعد لقاءيه مع حسين ثم نتنياهو. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض مايكل ماكوري ان كلينتون، المنهمك في حملته الانتخابية، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في تشرين الثاني المقبل، تباحث مع مبارك لمدة عشر دقائق ودعاه الى زيارة لواشنطن »تستهدف اجراء محادثات بشأن السلام« بعد فوز نتنياهو. وقال ماكوري ان كلينتون بحث مع مبارك في قمة دمشق الثلاثية، وانه اتصل به وهو في الطائرة التي اقلته من واشنطن الى لاس فيغاس في اطار الحملة الانتخابية. وفي تلخيصه لاتجاه الحديث بين كلينتون ومبارك قال ماكوري ان »السياسات التي تنتهجها الحكومة الاسرائيلية الجديدة ستحدد مواقف كثير من الحكومات في العالم العربي من عملية السلام«. اضاف ماكوري ان كلينتون حث على »عدم تعجل احد الحكم قبل تشكيل الحكومة وقبل صياغة السياسات«. وقال ان مبارك »ابدى شيئù من الارتياح للتصريحات ذات اللهجة التصالحية التي ادلى بها نتنياهو في الاونة الاخيرة عن عملية السلام«. وقالت وكالة انباء الشرق الاوسط المصرية ان كلينتون ابلغ مبارك استمرار الولايات المتحدة في بذل الجهود السلمية في الشرق الاوسط، على ان يلتقي الرئيسان اواخر تموز. ونقلت عن كلينتون تأكيده »ان اللقاء مع الرئيس مبارك سوف يكون مفيدù ومثمرù لدفع عملية السلام«. ولم يصدر عن الولايات المتحدة، اي تقييم لعملية السلام منذ الاعلان عن انتخاب نتنياهو في الواحد والثلاثين من ايار الماضي، في تعبير واضح عن الارتباك في مواقف الادارة الاميركية التي كانت تتوقع فوز شمعون بيريز. ورحبت العديد من الدول العربية بالدعوة الى القمة، ومن بينها الأردن الذي كرر ملكه امس ابداء التفاؤل بمستقبل العملية السلمية مع وصول الليكود الى الحكم، والذي واصل امس عملية التطبيع مع اسرائيل، عبر تدشين خطوط نقل بري معها. وقال ولي العهد الأردني الأمير حسن ان عمان ترى في عقد القمة خطوة في دعم مسيرة السلام في منطقة الشرق الاوسط. السلام الذي انطلق وفق مرجعية مدريد. اضاف في تصريح له مساء امس حول تصوره لنتائج القمة المقبلة انه من المرغوب فيه تعزيز العمل العربي المشترك وفق نظرة كلية ومجردة وفي الوقت ذاته النظر الى التفاوت في الخصوصيات والاولويات من منظور ايجابي. وتمنى الحسن »ان تتناول القمة موضوع الأمن الشامل في المنطقة بما في ذلك أمن دول الخليج العربية عبر سياسة تكاملية شاملة تنأى بنا جميعù عن سياسة المحاور«. وتطرق الى مستقبل عملية السلام في ضوء وصول الليكود الى السلطة في اسرائيل فأشار الى ضرورة التعامل استنادù الى مواقف الحكومات والدول وليس بتحليل الانتخابات وحملاتها. (رويتر، أ ف ب، أ ب، ا ش ا)