اسم الكتاب: اAlbert camus, unevieب. المؤلف: تود أوليفييه اOlivier Toddب. دار النشر: دار غاليمار Editions Gallimard باريس 1996. »لا شيء شائنù أكثر من موت طفل ولا شيء أسخف من الموت بحادث سيارة« عبارة لم ينقطع ألبير كامو عن مواصلة ترديدها، فقد شكلت هاجسù داخليù لنوع الموت الذي لم يرغب كامو برؤيته، لكن نهايته جاءت ب»السخافة« نفسها التي حذر نفسه منها. فذلك الكاتب والصحافي والناقد الفرنسي الحاصل على جائزة نوبل للآداب، لم يكن تعدى السادسة والأربعين ربيعù قبل أن يختطفه الموت في الثالث من كانون الثاني 1960. كان كاموا يجلس في المقعد الأمامي لسيارة »فاكال فيغا« عندما توقفت رحلة حياته في الحال اثر حادث مروري مروّع في شارع »روتي ناسيونال 5«. داخل تلك السيارة كان معه صديقه الناشر ميشيل غاليمار، الذي تُوفي لاحقù بسبب جروحه، والزوجة والبنتان اللتان نجتا من الموت بأعجوبة. هذا الحادث وضع حدù لرحلة مفعمة في جداول الأدب الذي كان ما يزال يبحر فيه معتقدù أن المزيد ما زال ينتظره وأنه لم يخطُ إلا الربع الأول من رحلته. في السيارة التي أقلته نحو حتفه كان يتأبط مخطوط رواياته الأخيرة »الإنسان الأول« وفي كتيّب يومياته الصغير اعترف كامو بالخوف الذي كان يسيطر على مجريات حياته نتيجطة لضعف الرئتين ومرض السل، إلا أنه كان يعتقد بأنه سيعيش فترة أطول لتنفيذ مشاريعه. كل هذا والكثير غيره يمكن للمرء قراءته في السيرة الرائعة لكامو التي قام الكاتب والصحافي الفرنسي أوليفييه تود بنشرها مؤخرù من خلال دار النشر نفسها التي كان كامو يتعامل معها. كتاب السيرة هذا نال إعجاب النقاد الفرنسيين، ليس فقط لأنه يقدم صورة شاملة وكاملة لواحد من عمالقة الأدب الفرنسي والعالمي، بل أيضù لأنه يعتبر واحدù من كتب التاريخ النادرة حول الكولونيالية الفرنسية والصحافة والنخبة المثقفة في فرنسا، وخصوصù لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. من الجزائر ولد ألبير كامو في الثامن من نوفمبر 1913 في مندوفي بالجزائر وكان الولد الثاني لأب فرنسي تخصص بصناعة النبيذ ولأم إسبانية عملت بالتنظيفات. الأب طُلب لخدمة العلم في الجيش الفرنسي وقتل بعد سنة من ذلك. كامو، الولد اليتيم، ترعرع بعد ذلك في كنف أمه الأمية والصماء وجدّته الإسبانية وعمه وإخوته في أحد الأحياء الفقيرة بالعاصمة الجزائر. كان لعمته، التي قضى جلّ وقته عندها، الفضل الكبير في اكتشاف ميوله الأدبية، حينذاك كان هو التلميذ المجتهد والذكي وكان متميزù بين أترابه من الطلبة، الذين كانوا يحسدونه ويفتخرون به عندما يصر على رغبته في الكتابة عوضù عن أن يصبح مدرِّسù. عندما كان كامو في السابعة عشرة أدخل المستشفى بسبب السل، كان الخوف من الموت يقتحم صومعة حياته، لكنه عاش تحت سحابة الرئتين المتعبتين. في فترة شبابه اختار دراسة الفلسفة وكتب الشعر، وكان قارئù نهمù لأندريه جيده ومارسيل بروست، وقدم شرحù فلسفيù لمجلة فنية حول الموسيقى الكلاسيكية، هواياته تعددت ولكنه اختار كرة القدم وأحب التمشي على الشواطئ مع أصدقائه وصديقاته. وعلى الرغم من أن كامو كانت له جاذبية ساحرة في تعامله مع المرأة إلا أنه فشل في زواجه المبكر من الثرية سيمون التي كانت مدمنة على المخدرات. بعد تخرجه من دراسة الفلسفة ببحث عن »المسيحية وميتافيزيقية الأفلاطونية الجديدة« اختار تدريس الفلسفة والأدب وكان له مواقفه الخاصة والفلسفية من قضية الدين والتدين. مع ذلك فقد كان لكامو علاقة حميمة جدù بالمسرح فأنشأ فرقته المسرحية ومثل بعض الأدوار وكتب بنفسه النصوص المسرحية لفرقته. في تلك الفترة كان كامو يعمل على إعداد مشاريعه الأدبية، ففي 1937 صدر له اNocesب (الأعراس). لم يكن كامو، منذ البداية، بعيدù عن السياسة؛ فقد كان معظم أصدقائه من الناشطين سياسيù، وأُقنع في 1935 بالانضمام الى الحزب الشيوعي الفرنسي، و»كقدم سوداء« Pied-noir (لأنه مولود في الجزائر) بارك كامو نضال الحزب الشيوعي من أجل المساواة والحرية. مع الحزب الشيوعي علاقته بالحزب الشيوعي لم تكن أبدù انضباطية، ففي 1937 انتقد بشدة رفض الحزب الشيوعي التعامل مع الحزب الناشئ حديثù »حزب الشعب الجزائري« (PPA)، وكان هو أيضù موضع انتقاد من محيطه بسبب تزعمه لما كان يطلق عليه »مسرح العمال« فانتهت المواجهات بأن فُصل وبعض رفاقه من صفوف الحزب الشيوعي. في 1938 يلتقي كامو الصحافي باسكال بيير القادم من باريس لتزعم صحيفة جديدة يسارية وغير شيوعية اAlger republicainب وتبنى الصداقة بين الاثنين، لكن كامو لم يظهر رغبة في عرض صديقه للعمل في مجال الصحافة التي كان يعتبرها »منهج الخداع«، لكنه استسلم في النهاية ليكتب دفاعù عن الفقراء. وعن هذا يقول أوليفييه تود إن »هذه السنوات كانت سنوات كامو الأروع في علاقته بالصحافة«. وفي أيلول 1939 تصدر صحيفة اLe soir republicainب، ويعيّن كامو رئيسù لتحريرها فيهاجم الاعتقالات ضد الشيوعيين والقمع الذي كانت السلطات تمارسه ضد اليساريين، لكن هذه السلطات تدخلت فأغلقت الصحيفة في العاشر من كانون الثاني 1940. بعد شهرين من إغلاق هذه الصحيفة يقرر كامو الانتقال إلى باريس فينزل في فندق »مونتمارتري« ويحصل على عمل سكرتير تحرير في الجريدة الشيوعية اLe soirب. وبسبب الحرب تنتقل الجريدة الى كليرمونت فيراند وإلى ليون في ما بعد، وهناك يترك كامو عمله في الجريدة، فقد كان يملك مشاريع أخرى. وبعد عام كامل من العمل المتواصل أصدر روايته »الغريب« التي تدور أحداثها حول »الإنسان الحديث في عالم سخيف حيث قد مات منذ زمن طويل« هذه الرواية التي صدرت صيف 1942 عن دار غاليمار لم يتلقفها القراء كما تمنى كامو، وكان جان باول سارتر في تشرين الثاني من العام نفسه كتب عشرين صفحة حول الرواية التي اعتبرها »عملاً كلاسيكيù« لكنه نظر إليها وإلى كامو بكل إعجاب. الفشل الذي أصاب هذه الرواية لم يؤثر على غاليمار، ففي خريف 1943 أعلنت الدار عن الكتاب القادم لكامو من خلال »أسطورة سيزيف«. في هذا الوقت كان كامو الضعيف والمريض في الجزائر يقنع نفسه بالابتعاد عن الجنس الآخر ليحافظ على صحته وكان قد كتب »المرأة، بعيدù عن الحب، هي الملل بعينه«، هذا الموقف لم يستمر طويلاً قبل أن يعود مجددù الى باريس حيث عمل مستشارù في دار نشر غاليمار ومن غرفته في الفندق الذي نزل فيه استمر في عمله الأدبي فأصدر مسرحيتي »كاليغولا« Caligula و»العادلون« اLes Justesب. في هذا العالم المسرحي تعرَّف كامو الى اماريا ساريس التي انفصلت عنه بعد عام من العلاقة الحميمة. 1943 هو أيضù العام الذي أصبح فيه كامو رئيسù لتحرير مجلة »كومبات« المحظورة، من خلالها حاول أن يخلق ويطور الشكل الآخر للصحافة التي ترى انفصالاً بين المعلومة والموقف والتعليق. فالصحافي بالنسبة لكامو هو »المؤرخ اليومي«. من خلال افتتاحيات »كومبات« قدم كامو مواقفه البعيدة عن الأفكار الثورية الشيوعية ليتقرب أكثر فأكثر من خط الاشتراكية الديموقراطية في اسكندنافيا. كانت مواقفه مثيرة للجدل، فقد أكد أن معاقبة المتعاونين والخونة ما هي إلا محاولة للثأر.. وقد أثار موقفه هذا بعض الاشكالات الأدبية والأخلاقية، فوقف اتحاد الكتّاب الفرنسيين وعلى رأسه سارتر وسيمون دوبوفوار ولويس أراغون في صف المواجهين لكامو وفرانسوا مورياك.. لم يكن المخرج من هذه الإشكالية إلا بانسحاب كامو من اتحاد الكتّاب. الوجودية ليس سرù أن العلاقة بين كامو والوجودية المتشائمة، التي كانت ترى في الوجود متقدمù على الذات أو الماهية وأن الانسان مطلق الحرية في الاختيار، كان يشوبها الاختلاف. فقد كتب كامو في مذكراته اليومية اليومية أن »اعتبار الفرد مسؤولاً فقط عما يشكله هو يؤدي إلى الفقدان الكلي للمشاعر المشتركة في عالم يكتنفه العنف«. بذلك يطرح كامو تساؤلاً مشروعù حول نضال الوجوديين من أجل العدالة الاجتماعية. اعتبر كامو واحدù من الذين وجدوا أنفسهم في حالة من الحذر والشك بشيوعية الاتحاد السوفياتي (السابق) بعد الحرب العالمية الثانية. بالنسبة الى سارتر ولسائر المثقفين الآخرين الذين عرفهم عن قرب، فإن الدفاع عن حالة الشيوعية في شكلها الستاليني شكل من أشكال الانتماء للشيوعية. أما هو فقد اعتُبر واحدù من المثقفين اليساريين الذين رفضوا هذا الشكل للشيوعية التي عبرت عنها الحقبة الستالينية، ويذهب أوليفييه بعيدù في مقارنته لمواقف كامو مع كارل بوبر وجورج أورويل. قضية التطاحن الثقافي، إن صح التعبير، التي وجد كامو نفسه في مركزها، تطورت عام 1951 بإصداره »الإنسان المتمرد« اLصHomme revolteب وذلك لما ضمنه من مواجهة مباشرة وقلق من النخبة اليسارية الفرنسية، ولقي هذا الإصدار رضى الأغلبية على الرغم من أنه هوجم من قبل المجلة الثقافية اLes Temps Modernesب. هذه المواجهة أدركت أوجها عندما أصدرت »سيمون دوبوفوار رواية اLes Mandarinsب إذ انها أرادت أن تكون شخصية هنري بيرون المعبرة عن شخصية كامو وروبرت دو بريول عن شخصية سارتر. ويعتبر أوليفييه ان هذه الرواية عبارة عن »ذهاب الثقافة الفرنسية الباريسية اليسارية مع الريح«. ومن كتاب أوليفييه تود نستطيع أن نستشف أنه على الرغم من أن كامو لم يأخذ موقعه على خط الجبهة مباشرة، عندما رفض الوقوف الى جانب الموقف الرسمي الفرنسي في مواجهة الثورة الجزائرية ورفضه حينها (كسائر المثقفين اليساريين الفرنسيين) الوقوف الى جانب جبهة التحرير الجزائرية، إلا أنه كان يتمنى رؤية »فيدرالية جزائرية« يتعايش فيها الأوروبي مع أصحاب البلد الشرعيين. إن هذه المواقف وغيرها قدمتها الأسبوعية الفرنسية Lصexpress وذلك بعد أن ترك كامو مجلة »كومبات«. فمع حصول كامو على عمود ثابت في »أكسبرس«، التي كانت غير شرعية، كان لا يتردد في طرح مواقفه المثيرة للجدل. وكان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتران من ضمن الذين كتبوا في أعمدة ثابتة في تلك الأسبوعية اليسارية. بين »كومبات« و»أكسبرس« كان لكامو الوقت الكافي لإتمام عمله اLa Pesteب »الطاعون« الذي اعتُبر تعبيرù واضحù عن صورة المجتمع الشمولي وعبرت عن طريق النجاح الكبير الذي بدأ كامو بشقه. هذا الطاعون كان أيضù تعبيرù أدبيù عن فاشية فرانكو ونازية هتلر وحديدية ستالين ولم، يخفِ كامو أنه، مثل مالرو، اعتبر الاتحاد السوفياتي آنذاك خطرù كبيرù كما هي الولايات المتحدة الأميركية. في 1956 صدرت اLa Chuteب »السقوط« واعتُبرت مزيجù من السيرة الذاتية والتعبير الحقيقي عن البيئة الباريسية التي شعر كامو بعدم رضاه عنها. وإذا كانت هذه السيرة التي يقدمها أوليفييه تود محاولة أخرى للثناء على كتابات كاتب كبير، فإن قضية التقويم والثناء لا يبدو أنها ستتوقف منذ أن حصل كامو على جائزة نوبل للآداب عام 1957 وصار ممثلاً عالميù للأدب الفرنسي. عن حياته العائلية اعتبر أوليفييه تود عدم ترك كامو زوجته عائدù في الأساس الى تأصل المفهوم الشرقي عنده، فعندما يكون ثمة أطفال تقل حظوظ الانفصال والطلاق. في خريف 1959 كان ألبير كامو راضيù تمام الرضى عن حياته، حينها كان قد بدأ الخروج من دائرة القلق ليدخل حيز التفاؤل والسعادة ولينظر الى المستقبل نظرة مشرقة. اعتبر أوليفييه أن حياة كامو هي مثل حياة العديد من شخصيات رواية اLe premier hommeب (الإنسان الأول) وأن هذه الحياة يمكنك أن تكتشفها بعد أن تقرأ وتتعرف الى تاريخ هذا الكاتب. كتاب أوليفييه تود حول ألبير كامو، كما كتبت عنه الصحف الفرنسية، رسم واحدة من أفضل الصور لسيرة الكاتب. وبعد قراءته يستطيع القارئ الإبحار في كتاباته. كامو كان قد كتب ذات مرة أن »الشهرة هي شخص لا أهمية لاسمه الأول عنده، لكن هذا الاسم يعتبر للآخرين ذا مغزى ومعنى كبيرين«. مع صدور كتاب أوليفييه تود يعود كامو للحصول على اسمه الأول فهو: ألبير كامو. (*) كاتب فلسطيني يعيش في الدانمارك وعضو في نقابة الأكاديميين الدانماركية.