أنا أفكر إذù أنا موجود، هذا ما أراده ديكارت؛ تجدد لا يضاهى وصوفية إلى أبعد الحدود، وتوحيد إلى ما لا نهاية، بدءù من فلسفة أرسطو في العلل الأربع، ونفوسة لا حصر لها، والحركة والزمان والمكان،.. ولم يستبق منها إلا العلة الفاعلة، والعلة الصورية، والنفس الناطقة والحركة.. فكانت الضربة القاضية على الفلسفة اليونانية(2). كان حافزه إلى الفلسفة المثالية شكسبير وقوله المأثور: »نكون أو لا نكون، تلك هي المسألة«. وعلى رغم أن كانط وباسكال من ألدّ خصوم ديكارت، إلا أنهما احترما أفكاره، ولم يسعهما سوى النظر الى هذه التركة الهائلة من المشاكل الفلسفية التي ورثاها عنه، فبنيا فلسفة جديدة لمناهضة أفكاره ولا سيما توحيده بين العلوم أجمع. ويبقى أن أسبقيته بالقول بأن العاطفة والإلهام هما أول ما اكتشفه ديكارت وعلّق الآمال في الوصول إلى الحقيقة من خلالهما رابطù إياهما بالتناغم النسقي في الوصول الى المعرفة، هذه المعرفة الإلهامية هي التي أوصلت إلينا أهم انجازاته في الخلق، والتجسد والارادة.. مستخدمù منهجية الحدس والإحصاء. ديكارت مفكر مثالي يذهب من الفكر وينتهي إليه، »أنا أفكر إذù أنا موجود« مقولة صادقة، وعكسها غير صحيح، هي مقولة مفردة في عدم قبول النقيض. فالوجود عند ديكارت ليس أول المعاني التي تخطر بالذهن لأن الشك غزا كيانه وجعله يشك حتى بوجود شيطان يحرك فيه معارفه وأحاسيسه، فيحاول التماس الحقيقة فلا يظفر، ويعتبر وجودها أمرù مستحيلاً من خلال الشك المتواصل اللامتناهي. وهذا هو العمود الفقري لفلسفته التي بناها على موقف الشك كفكر فقدم الفكر والأفكار والعقيدة على الوجود، فكان هذا الأخير نتيجة للتفكير الشاك فكانت مثالية ديكارت هي المعلل الأول للصرح العلمي، فالفكرة عنده هي الحقيقة وهي التي تشمل ا" والعالم. لم يلتمس ديكارت حقيقة الوجود في العالم الخارجي، بل في ثنايا الفكر نفسه ولذلك لم تحتج النفس في فلسفته إلى براهين مثبتة، لأنها موجودة في النفس ضمن شعور داخلي يقيني، بينما يحتاج العالم الخارجي الى براهين لإثبات واقعه.. هذه التصورية البحتة في فلسفته هي التي أدت الى ان الفكرة عنده هي الحقيقة الأولى الموجودة بالفعل والتي لا تحتاج لإثباتها الى برهان، لأن وجود المادة عنده أساسه الفكرة المرتبطة بعلة القوانين التي تحفظ استمرارية وجودها... إذù: ما قيمة معرفته؟ وما هي أبعادها؟ وأين تكمن الحقيقة في هذه المعرفة؟ وما هو مدى حقيقتها؟ السفسطائيون يعود ديكارت بنظريته الى عصر الشكاك والسفسطائيين الذين عاصروا سقراط، ذلك العصر الذي انتقلت فيه النظرة الفلسفية من الموضوع الى الذات وطرحت المعضلة الفلسفية الكبرى القائلة بالشك في إمكانية المعرفة والسؤال الشهير: هل المعرفة ممكنة أم لا؟ من هنا ظهر الشك (موقف الشك Sceptecisme) الموالي لمذهب بيرون اليوناني (وانسيديم Ansideme)(3) و(سكيستوس أمبريكوس Sextus Empericus)(4). من هنا نشأت بذور الشك التي نمت عند ديكارت، والمعنى الأصح للكوجيتو الديكارتي ليس »أنا أفكر إذù أنا موجود« بل »أنا أشك إذù أنا موجود« والشك هو فعل نقض للحقيقة، يقول ديكارت نفسه: »أشك فأنا غير كامل«(5)، أي أن ذهني ينطوي على فكرة الكامل، إذù الكامل موجود. ذاك هو الدليل الأول على وجود ا" الذي ينتهي من خلاله ديكارت الى القول »أشك، فا" موجود« وبالتالي فخداع الحقيقة لا ينطوي إلا على الفكر الذي يعزز وجود الذات وهو اليقين الوحيد، لأنه لا يحتاج إلى الملكات الفكرية الذاكرة أو المخيلة أو الإحساس، وإنما فقط الى الحدس العقلي وهذا هو إله ديكارت Logos أو العقل(6) الذي ينطلق من النتائج الى البراهين، أي من السببية الى الوجود(7) فالوجود الفعلي لفكرة وجود الكائن الكامل في الذهن هي نفسها الإثبات الوحيد على وجود ا"، والشاهد الوحيد هو العقل... الشك(8). لعبت النفس دورù فاعلاً في إثبات وجود ا"، فيرى ديكارت أنه باستمرارية »وجود النفس« يوجد حتمية لوجود ا" الخالق الدائم لها، وسببية شعوري بوجوده. ففي ذروة العالم الديكارتي ينتصب ا" كائنù أسمى، كأصل لكل حقيقة وقيمة، وأصل لكل المعارف (المعرفة الأفلاطونية الديكارتية)(9)، فهو القيمة السببية الوحيدة، وغائية هذا الوجود تعود إليه، وقيمتها تنبع مما يوهب إلينا من حدس معرفي للوصول للحقيقة، قلده في ما بعد اسبينوزا بقوله »إن السبب الفاعل ليس سوى مسوّغ أو أنه شبه سبب صوري«(10). يؤيده ليبنتز Leibniz في ائتلافية متناغمة بين السبب الصوري والسبب الفاعل Objectif - Subjectif وفي عقلانية كلاسيكية Rationole مبتعدù عن كل ما يحرفه عن مساره الى الوجودية المطلقة مبتعدù أيضù عن استخدام معان مثل العدم اNeanatب أو الخطيئة أو اللامعقول اAbsurdeب كنقطة بداية أو نتيجة في فلسفته محتفظù بكل فلسفته على الانسانية الفلسفية Humanisme للوصول الى حل يشفي من خلاله البحث الفلسفي العقلي ويرضي البحث الإنساني عن الجانب الروحي من حياته. طرح ديكارت كل ما سبق بفكرة واحدة هي الكمال الذي منه ينبثق السؤال وفيه الجواب على وجود ا"، هذه السببية الحقة التي لا تستلزم أسبقية السبب على المسبّب. لذا فا" علة ذاته، أو فا" علة هي ذاته. وهو في الوقت نفسه علة الماهيات والجواهر كما عند أفلاطون وأوغسطينوس وملبرانش. وهذا الأخير يقول في ذلك: »إن الحقائق الأبدية كلها، من صنع ا" وخلقه«(11). فالمعاني عند مالبرانش أزلية، ثابتة، ضرورية، لا تليق إلا بالعقل الإلهي ولا تقوم إلا فيه، فا" يرتبط بنفوسنا أو عقولنا بنوع من الحضور أو المشاركة في فعل »المعرفة بتلك المعرفة« فهو بمثابة المكان اLieuب بالنسبة لعقولنا لذا فإن نفوسنا ترى في ا" معاني الأشياء وحقائقها في نقائها التام ومعقوليتها الخالصة، هذه الرؤية يطلق عليها مالبرانش: الرؤية في ا" اVision en Dieuب(12). صوفيته من هنا كانت صوفية ديكارت الذي أعاد المعرفة جملة وتفصيلاً الى ا"، بدءù من معرفتنا به وانتهاءً الى معرفة الأشياء المحيطة بنا والثابتة منها والمتغيرة، وكل معرفتنا ليست سوى حدس انفعالي من فكرة وجودها المنطلقة من إرادة ا" في معرفتنا، تلك المعرفة هي كقوانين إلهية ناتجة عن العقل الكلي اللامتناهي وهي عودة من المذهب الى الفعل الى الأفلاطونية(13) من حيث مشاهدة المثل الأزلية في ا" وعودة الى الصوفية الوجدانية بإثبات وجود ا" عن طريق الذات، وبقدر ما تنطوي هذه النظرية على العقلانية فإن دور الارادة الإلهية غير متناه، بينما تؤدي الارادة الانسانية في هذا الاثبات دور العنصر النفسي وإسقاط إلهي حر يتلاءم وضعف البشر. مثالية ديكارت معرفة كاملة تنطلق من ماهية الأشياء، ثم هو واقعي لإقراره بأن ضرورة الفكرة ليست شرطù لوجودها، برغم وجود بعض الضرورات والعلائق بين الماهيات، فالحقيقة والوجود شأن واحد. من هنا كانت مثاليته واقعية (يشترك معه في هذه الفكرة جون لوك، واسبينوزا وليبنتز... انطلاقù من أفلاطون)(14). فقد قبل ديكارت المنهج الأفلاطوني والتعبير المنطقي الأرسطي للجوهر وهو ذلك الموضوع في القضية الذي لن يكون محمولاً، كما قبل التعريف الميتافيزيقي الأرسطي للجوهر وهو ذلك »الوجود في ذاته« واختلف معه في ما يمكن أن تعتبره جوهرا.. فرؤيته للجوهر لا تنطبق إلا على ا"، فهو الموجود الأول الذي يصدر عنه كل شيء...(15). وما الكوجيتو المعرفي إلا نفي للعلل الغائبة التي تدخل ضمن عناصر تأليف العالم الطبيعي، ونظريته في التمييز بين جوهرين ثم التوحيد بينهما (الجوهر المادي والروحي أو النفس والجسد) بعلاقة علية تحكمها قوانين ميكانيكية لا يمكن البرهنة عليها لأنها مدركة بالبداهة. ولمزيد من التأكيد لهذه العلية في التوحيد يذكر في »مقالة في المنهج« قائلاً »فإذا أردنا استقصاءً ومزيدù من الفهم للصلة بين الاثنين اضطربت المشكلة واستحال الحل«(16). فالتصورات الواضحة للامتداد والحركة تشهد بأن المادة موجودة كهندسة تحكمها آلية محكمة.. هنا يكون ديكارت قد أفرغ العالم الخارجي من كل محتوياته فأصبح مجرد هندسة امتدادù، وميكانيكيا أي حركة، وأفضى به هذا الى نتيجة مفادها، ان العالم الخارجي لا يحوي إلا ما نتصوره واضحù عنه. فالفكر لا يدرك وجودù خارجيا إلا عن طريق التصورات الواضحة الجلية، ومعرفته طبقا لها.. فالعقل يستقل بالمعرفة عبر هذه الأفكار والتصورات الفطرية الموجودة بسببية أولى هي ا". كم تقترب نظريته هذه من نظرية المثل عند أفلاطون القائلة بالتذكر في عالم المثل، وهذا ما خلق المشكلة بل المشكلات الحديثة عن التجريبيين Empiriste بزعامة جون لوك، وتأهبوا جميعù للرد عليه بمبدأ التجربة قبل المعرفة في كل شيء. أهمية المنهج الديكارتي: هو ان المعرفة الصحيحة لا تتأتى إلا عن منهجية صحيحة ومبدأ ترنسندنتالي Trancendantal يبدأ بالتمحيص في كل قضية من الصعب الى الأسهل حتى الوصول الى المعرفة الاضطرارية للشيء.. هنا أفضت به المعرفة الى جبرية مطلقة، أطلقت العنان لمناوئيه حتى من تلاميذه »جالنكس« ومفكرين مثل كانط وهوبز وبرونشفيغ واسبينوزا بنقض كل فلسفته التي خلقت معضلات فلسفية ورثتها الفلسفة في ما بعد. لو لم يصطنع فيلسوفنا الشك في كل شيء، لما خلص ذهنه من كل الفلسفة القديمة، ولم يكن ليتوصل الى بناء فلسفة كل ما فيها جديد، وطرح الفكر كحقيقة للوجود، وكمعيار لصدق هذه الحقيقة، وفي الوقت نفسه شكه فلسفة جديدة لم ينافسه عليها حتى الفلاسفة الذين عارضوه.