As Safir Logo
المصدر:

محور.ديكارت والفلسفة الفرنسية كل الأفكار الحديثة خرجت من مبدأ الحرية في الكوجيتو

المؤلف: شعبان وفاء التاريخ: 1996-05-31 رقم العدد:7400

يرجع أصل الحداثة الديكارتية الى الذات كمصدر كل معرفة وكل فعل. والمقصود الذات التي تعي وجودها بواسطة فعل سالب، هو الشك المطلق الذي تدرك به الأنا انها تفكر، وفي الوقت نفسه تكتشف انها موجودة، لتصبح ذات التفكير هي نفسها موضوع التفكير. فتتحقق الموضوعية ابتداءً من الذاتية. ويحمل فعل الشك الذاتي إمكانية اتخاذ موقف وتأكيد على الارادة كميزة خاصة بالانسان الكائن الحر الذي يقرر ويختار بإعلان قبوله أو رفضه بمبادرة ذاتية محض. ويمكن القول ان كل الأفكار الحديثة والمعاصرة خرجت من أصل واحد هو مبدأ الحرية الذي يتضمنه الكوجيتو الديكارتي. وهي حرية أنا تعبّر عنه مبادئ مطلقة تجعله قادرا على بلوغ حقيقته الخاصة وحقيقة الأشياء المحيطة به. وتتلخص هذه المبادئ بالحدس والاستدلال. الحدس الديكارتي ولا علاقة للحدس الديكارتي بفكرة الحدس التقليدية التي تفسر المعرفة بالانطباعات الناجمة عن اتصال الجسم بالخارج وتبعية الفكر له، مع ما يصدر عن هذا الوضع من أفكار مشوشة، غير واضحة، وبعيدة عن المعرفة الحقيقية. أما ديكارت فيتكلم على حدس له أساس في فعل الشك الذي، بذهابه الى النهاية، لا يستطيع أن يشك في أنه يشك، وبالتالي يتأكد من وجود الذات المفكرة كذهن محض وفي الوقت نفسه، يبرهن عن انفصالها عن الجسم مصدر الأفكار الكاذبة. ويثبت أيضا قدرة الفكر على معرفة الطبيعة بما فيها الجسم نفسه، فيحولها الى امتداد قابل لمعرفته بواسطة عمليات جبرية وأشكال هندسية. وتختفي بالنتيجة خصائص الأشياء وطبائعها لتصير خطوطا وأرقاما قابلة للقياس والعد. وتكتشف علاقات وتوضع معادلات وكلها ذهنية محض. ويربط الاستدلال بين مختلف الحدوس ليكوّن الحقائق. وبهذا المعنى تنشئ الأنا المفكرة الأفكار الواضحة والمميزة باتباع نظام وقواعد تعمل على مبادئ خاصة بها بعيدا عن كل إكراه براني بما في ذلك ضغط السلطة الإلهية. والإله الديكارتي هو ذلك المطلق الذي يضمن الأنا المفكرة ويعطيها الثقة بقدراتها على التأييد أو النفي حتى تبلغ الحقيقة، لأنه لا يمكن " أن يخدعها. ولا يعود الفكر يتلهى بالبحث عن طبائع ا" وصفاته لأنه ليس معروفا تماما لديه. هو مصدر الكمال الذي تحيل إليه الذات عندما تشك. ولكنه يقع خارجها، ويبقى مفارقا لها، ويتمتع بدور ابستمولوجي في ضمان الأنا لمعارفها، كما يعطيها الحرية المطلقة حتى تتمكن من السيطرة على كل موجود غير واع المتضمن الجسم أيضا، وبهذا التفسير يكون ديكارت قد حرر الذات من كل شرط إلهي وكل إطار جامد لتصبح معرفتها مطلقة تنمو مع كل ظرف جديد، ويكون في الوقت نفسه قد أنقذ وجود ا". ولاقى كتاب ديكارت الرئيسي »مقال في الطريقة« شهرة واسعة وشكل مرجعا مهما لكل نشاط ذهني وتجاوز حدود فرنسا وعصر ديكارت وأخذ بعدù كليù. وبات من الصعب تجاوزه، فوقف عليه كل اللاحقين له وخاصة أصحاب المذاهب الكبرى وفي مقدمتهم سبينوزا وكنط وهيغل وهوسرل وهيدغر وغيرهم. جميعهم قالوا كلمتهم فيه، وحددوا بدايتهم به، ايجابا أو سلبا. فلم يتجاوزه أي من فلاسفة الأزمنة الحديثة. وتبقى تجربة ديكارت الشخصية نموذجا لكل تفكير إنساني هي حكاية فكر فردي منعزل ومتأمل أصبح مثالاً كليù. موطن ديكارت ومن المهم أن نتطلع إلى موطن ديكارت، وأقصد فرنسا، الذي بقي أمينا لفيلسوفه، إلى حد جعله ينفر من فلسفات مهمة شكلت ثورات ومنعطفات في التفكير. وحتى عندما انفتح على بعضها طوّعها لتلائم المبادئ الديكارتية، ويساوي تعلق الفكر الفرنسي بصاحب الكوجيتو تعلقه بحرية التفكير الذاتي وباستقلاليته. ويمكن القول إنه أيا كانت الاتجاهات التي أخذها الفرنسيون منذ بداية العصر الحديث مرورا بتطورات القرن العشرين ومنعطفات الحرب العالمية الثانية حتى البنيوية، تبقى الفلسفة الفرنسية ديكارتية بامتياز. وقد تمسكت بمبدأين رئيسيين، هما الذات وما تفرع عنها من أفكار حول الحرية والشخص ثم النظام وما ارتبط به من تصورات حول طرق التفكير كالترتيب والعلاقات. إن أول ما استرعى انتباه الفلاسفة الفرنسيين هو بالتأكيد فعل الشك الديكارتي. فانطلقوا منه ليشكلوا أفكارا جديدة تعطيه أبعادا واسعة. مثلا اعتبره ماليزانس ورنوفييه شرطا للمعرفة والأخلاق على السواء وسببا للابداع. ومن هذه الفكرة ذهب بعض الفرنسيين الى الكلام على الماهيات العارضة، لأن فعل الشك، كفعل حر لا نهاية له، يؤدي الى عدم ثبات الحقائق، فنشأت من جراء هذا الموقف، أفكار تقر بالفروق والاختلافات والمغايرات، بل ونظر إليها كأساسية في كل تفكير، من غير أن تمس، في الوقت نفسه وحدة الكائن، وإنما تم بها إثبات اختلاف الانسان النوعي. ومن فعل الشك للذات الحرة استخلص الفرنسيون فكرة الشخص. لأن الأنا التي تشك تتخذ موقفا بمعنى أنها عندما تقدر وتختار تتمايز وتؤكد اختلافها عن كل ذات مفردة أخرى وتصبح شخصا. ونصادف هذه الفكرة عند كل من لاشلييه وبوترو وهاملان ورنوفييه وبرغسون. ويشكل الشخص، كذات تتأمل وتريد، عنصرا أساسا في التفكير المعاصر في فرنسا. وميّز فلاسفة فرنسا بين مستويات مختلفة في المعرفة. ويرجع هذا التمييز الى الفصل الديكارتي بين النفس والجسم أو بين الفكر والطبيعة كما قال كل من لاشلييه ومين دي بيران، فتكلموا على معرفة حسية متعلقة بالجسم وأخرى عقلية خاصة بالنفس. ودفعهم هذا الفصل الى الإقرار بعدم وجود حقيقة مطلقة لأن المعرفة ترجع إلى أنا مفرد يسعى إليها بشروط إمكان مسبقة خاصة به هي القواعد التي يفكر بواسطتها. وأساس هذه القواعد هو أيضا ديكارتي، ومنها برز الاهتمام الفرنسي بفكرة النظام وإحلالهم القانون مكان العلة، وشروط الإمكان مكان الغائية. ونجد عند مالبرانش، مثلا، تأكيدا لأن التفكير والعالم يعودان الى النظام، وتبين المقارنة التي أجراها بين النظام في الطبيعة والنظام في الاجتماع الإنساني اثر »مقالة في الطريقة« على مواقفه. وأفضى البحث في النظام الى البحث في العلاقة وهي من أخصب الحقائق الفرنسية لأنه، منذ ديكارت، ما برحت الفلسفة الفرنسية تعمل على كشف العلاقات والنسب في الطبائع النفسية، ابتداءً من »الأنا أفكّر أنا موجود«. وسوف تبرز هذه الفكرة، لاحقا، في الدراسات الابستمولوجية والبنيوية. منذ بدايات القرن العشرين، راحت الديكارتية تنمو باتجاهين رئيسين: الأول وتمثله حيوية برغسون، يبحث في الوعي الذي يعيش الماضي والحاضر في تيار واحد غير متقطع من دون فعل وبلا صلة له بما يغايره أو يقع خارجه. وبتأثير ما توصلت إليه البيولوجيا من تأكيد لوحدة الجسم الحي، يتجاوز برغسون ديكارت بموقفه من الذات المفكّرة فلا يفصل بين النفس والجسم، ويجعل الحرية منهجù للحياة وليس فقط موقفù ذهنيù من الحقيقة. ولم تمنعه تعريفاته المخالفة لتفسيرات ديكارت لكل من العقل الذي وصفه بالآلي الذي يجرد والحدس أو الشعور الذي رآه مركزù للوثوب الحيوي وحركة اندفاع نحو الحياة، من إبقاء منهجه ضمن إطار الوعي، وقد مهد برغسون لما سمي في فرنسا فلسفات الوعي وأهمها الوجودية. الاتجاه الآخر هو الكنطية الجديدة التي ألّفت بين منهجي كنط وديكارت على نحو يربط المعرفة بإمكانيات العقل الذاتية. ويسند أهم أعلامها، برتشفيك الى الفلسفة مهمة كشف العلاقات والاضافات بواسطة التأمل المجرد في العقل الذي يفكر العالم الخارجي. وينظر برتشفيك الى الفكر كله كتعبير عن إرادة النظام والشمول. ويبقى أكثر ديكارتية من برغسون لأنه حافظ على هوية العقل والوعي. معالم تغيير ومنذ بدء الحرب العالمية الثانية ظهرت معالم تغيير حاسمة في الفكر الفرنسي، فأزيحت من الواجهة كل من حيوية برغسون وعقلانية برتشفيك. وتبدلت انشغالات الفلسفة الفرنسية التي راحت تبحث في قضايا جديدة لم تعهدها من قبل. وانفتحت على الفلسفات الألمانية وخاصة الهيغلية منها التي تجاهلها الفرنسيون لمدة طويلة. واحتلت الوجودية كامل المساحة الثقافية. ولم يمنعها اهتمامها بمناهج هوسرل وهيدغر إضافةإلى هيغل من أن تبقى أمينة للكوجيتو الديكارتي. فالأنا أفكر أصل كل تفكير. ويخص الإنسان وحده كذات حرة تعي ذاتها. ولكن »أنا« الوجوديين لم تعد »أنا« مجردة. بل انطلقوا من فكرة وحدة الحياة ليتكلموا على الذات في وضع أو الفكر في جسم أو الوعي لواقع معيش. فسميت فلسفتهم عينية. والوجوديون هم فلاسفة الحرية الذاتية وأصلها في الكوجيتو كفعل حر يتأكد بالشك، والشك سلب، والسلب قرار قبول أو رفض يعني اختيار أي حرية، وهو خاص بالإنسان وحده، ويجعله مختلفù عن كائنات الطبيعة، وطوّر الوجوديون إمكانيات هذا الفعل السالب الحر، ليصيب الخلق والابداع في كل ميدان من سياسة واجتماع وفن إضافة إلى اكتساب المعارف المقتصر عليه الفعل السالب الديكارتي. ويعرّف سارتر الإنسان بالفعل ويراه سلبù محضù، لأنه، أي الإنسان، يرفض بوعيه واقعه من أجل خلق واقع جديد. يعني أن السلب أصل التغيير في العالم وسبب نشوء الحقائق الجديدة وأساس المعنى في التاريخ. بالسلب يسعى الإنسان الى تغيير ظروف وجوده فيتقدم ويصنع ماهيته. ويتجاوز الكوجيتو عند سارتر موضوع المعرفة ليطاول الحياة بكاملها فيتكلم على القلق والكآبة اللذين يشيران الى عدم رضى الذات عن الواقع الذي توجد فيه وعلى إرادة الحرية المطلقة لديها في الاختيار بين الممكنات المطروحات أمامها، لتجعل من الإنسان مشروعا لنفسه كذات تندفع للانخراط في الحياة وتحمّل المسؤولية والالتزام، حتى تبقى تجاوزا مستمرا لذاتها. ولا يعود العالم سوى عالم الانسان أي »عالم الذاتية الانسانية«. ونرى في وجودية مرلوبونتي تأكيدù أيضù لأسبقية الكوجيتو الديكارتي؛ مع العلم بأنه يتكلم على وحدة النفس والجسم ويعطي هذا الأخير دور الوسيط بين الذات والعالم بواسطة فعل الإدراك، ويؤسس ذات التفكير على ذات الادراك لأن الأنا هو دائما موجود في وضع. ولكن مرلوبونتي يقر بأن الأنا أفكر يعطي المعنى للأنا موجود ويرجعنا بالتالي إلى الأصل الأول. ومنذ الستينيات انقلب التفكير الفرنسي على فلسفات الوعي، ونشأت مواقف تلغي دور الذات الفاعلة التي تخلق الدلالات والمعاني وتعلن موت الانسان (ميشيل فوكو) لتأكيد خضوعه للإكراهات المقيدة لحريته. وانتسبت هذه المواقف الى البنيوية التي أحلت البنية مكان الذات واللاوعي مكان الوعي، والبنية هي مجموع علاقات تضبط الفكر والسلوك وتفقد الأنا إرادته بإخضاعه لسلطانها. والبنيوية منهج بحث اعتمد في الفلسفة وسائر العلوم الإنسانية والاجتماعية استعان أصحابه، على اختلاف ميادينهم، بالدراسات الابستمولوجية وبعض العلوم الحديثة (الألسنية) لإنشاء نماذج عقلية مماثلة لموضوعات العلوم الدقيقة تجعل حياة الانسان، كفرد وكمجموع، قابلة للمعرفة. وليست المعرفة عند البنيويين سوى بحث في العلاقات والنسب والمعادلات فهي تفكير بقواعد ثابتة تحض الذهن. فنتج انه بإسقاط الوعي والذات لم يسقط البنيويون ديكارت لأنهم احتفظوا بفكرة الطريقة الأساسية عنده. ومع خسوف البنيوية، في ما بعد، وعدم إمكان عودة فلسفات الوعي، لم يفارق الفكر الفرنسي أصله. وبقيت همومه مركزة على حرية الإنسان وأفعاله وإمكانياته في ضوء الأنا أفكر ومناهج التفكير. فلم تهمل الذات وإن تعددت طرق النظر فيها.. وأبقت الطريقة شرطا للتفكير في الانسان. وإن بقي الكوجيتو الديكارتي حاضرا في كل المواقف، ليست استعادته رجوعا الى ماض انتهى، إنما هي تكرار يولد المختلف والجديد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة