رضخ العراق، امس، وبعد مقاومة دامت اكثر من سنة، ومفاوضات امتدت اربعة شهور لقرار مجلس الامن الرقم 986، ووافق على اتفاق بيع »النفط مقابل الغذاء«، وهو ما اعتبر انتصارا في بغداد قوبل بالتظاهرات ورصاص الابتهاج، فيما وصفه الغرب بأنه لا يعني رفع العقوبات، لكن منظمة اوبك بدت حذرة تجاه عودة النفط العراقي المحدودة الى الاسواق، التي اهتزت قليلا بفعل انباء الاتفاق وسجلت اسعار النفط العالمية هبوطا بسيطا لم يبلغ الدولار الواحد. وتم التوقيع، امس، بعد سنة على اصدار مجلس الامن الدولي للقرار رقم 986 في نيسان العام 1995، واربعة شهور من المفاوضات المضنية بين العراق والامم المتحدة التي بدأت في نيويورك في السادس من شباط الماضي الذي يجيز لبغداد تصدير ما قيمته مليارا دولار من النفط خلال ستة شهور قابلة للتمديد لشراء الادوية والاغذية والحاجات الانسانية، وتسديد التعويضات التي فرضتها الامم المتحدة على العراق بعد حرب الخليج. وقوبل الاتفاق بالبهجة من جانب المواطنين العراقيين واطلقت النار في بغداد فرحا وانطلقت تظاهرات عفوية في بعض الشوارع، بالرغم من ان القرار لا يوفر اكثر من نصف دولار يوميا لكل عراقي كما أعلن مسؤول في الامم المتحدة، الا ان الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا اعتبرتا الاتفاق مشروعا اميركياً بريطانياً فرض عن طريق الامم المتحدة، حيث اعلن المتحدث باسم البيت الابيض ان التزام العراق بشروط مجلس الامن »تأخر كثيراً«. وكانت المندوبة الاميركية في الامم المتحدة مادلين اولبرايت اوضحت حين اكدت ان الاتفاق لا يعني رفع العقوبات، انه من صنع اميركي. وحمل وزير خارجية بريطانيا مالكوم ريفكيند صدام حسين مسؤولية المآسي التي تعرض لها الشعب العراقي لرفضه تطبيق القرارات الواردة في القرارات الدولية. وبالمحصلة، فإن موافقة العراق تعني ان بغداد قد تنازلت عن اعتراضاتها على عدد من النقاط، قد تكون من اهمها القبول بانفراد الامم المتحدة بتوزيع المواد على مناطق الشمال ومنح موظفي المنظمة الدولية حصانة دبلوماسية. الموقف من بغداد وقالت وكالة الانباء العراقية ان رئيس الوفد العراقي المفاوض عبد الامير الانباري ومستشار الامين العام للامم المتحدة للشؤون الخارجية هانس كوريل وقعا الاتفاق في نيويورك امس. وذكرت الوكالة ان اجتماعا مشتركا لمجلس قيادة الثورة وقيادة قطر العراق في الحزب الحاكم وافق امس على مضمون الاتفاق مع الامم المتحدة، وكلف نائب رئيس الوزراء طارق عزيز الاتصال بغالي وابلاغه قرار الموافقة. واوضحت الوكالة ان اجتماعا مشتركا للمجلسين كان قد عقد السبت الماضي تم خلاله درس مشروع المذكرة، كما عقد اجتماع لمجلس الوزراء أمس الأول (الاحد) بحث تطورات الموقف. وقالت الوكالة العراقية ان »غالي اجرى اتصالا هاتفيا مع عزيز أمس (أمس الأول) اكد له فيه ان صيغة مشروع المذكرة هي صيغة نهائية وانه يعتمدها ومستعد للتوقيع عليها«. اضافت ان »المجلس الوطني العراقي عقد اليوم الاثنين (أمس) بناء لطلب رئاسة الجمهورية جلسة خاصة استمرت بضع ساعات لبحث نتائج المفاوضات مع الامم المتحدة، ومشروع مذكرة التفاهم، واعطاء رأيه بشأنها«. وقالت الوكالة ان »نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزة ابراهيم تحدث الى النواب وشرح لهم محتوى المذكرة مؤكدا حرص العراق خلال المفاوضات على تأكيد سيادته ووحدة شعبه وأمنه الوطني، وعلى التنفيد المتوازن لصيغة النفط مقابل الغذاء«. وقال الانباري ان العراق سيبدأ تصدير النفط في غضون شهر تقريبا، واصفا الاتفاق بأنه »خطوة اولى« نحو رفع العقوبات، مشيرا الى انه ابلغ الامين العام للامم المتحدة بموافقة السلطات العراقية على مشروع مذكرة التفاهم بدون اثارة اية اعتراضات على النقاط التي كانت ما زالت مثار خلاف. ووصف غالي الاتفاق بأنه خطوة مهمة في الترتيبات اللازمة بموجب القرار رقم 986 لتنفيذه تنفيذù كاملا.ورحب اعضاء مجلس الأمن ال15 »بحرارة« بتوقيع الاتفاق آملين ان يساهم ذلك في »تخفيف آلام الشعب العراقي«. الاتفاق ويحمل الاتفاق بين العراق والامم المتحدة عنوان »مذكرة تفاهم بين الامانة العامة للامم المتحدة وحكومة العراق بشأن تنفيذ قرار مجلس الامن 986 لسنة 1995«. ويتألف متن الوثيقة التي تحمل توقيع هانس كوريل وعبد الامير الانباري من عشرة اجزاء وثلاثة مرفقات ورسالة من الانباري الى كوريل. ينص الجزء الاول على ان هدف مذكرة التفاهم هو ضمان التنفيذ الفعال للقرار رقم 986، وان خطة التوزيع المشار اليها والتي اعتمدها الامين العام تشكل عنصرù مهمù في تنفيذها، وانه لا ينبغي تفسير اي شيء في المذكرة على انه يمثل انتهاكù لسيادة العراق وسلامة ووحدة اراضيه. كما ينص على ان بنود المذكرة تتعلق اساسù بتنفيذ القرار، كما ان الترتيب المنصوص عليه في مذكرة التفاهم هو اجراء استثنائي ومؤقت. وينص الجزء الثاني من مذكرة التفاهم بين العراق والامم المتحدة على ان حكومة العراق تتعهد بأن تضمن على نحو فعال التوزيع العادل على الشعب العراقي في شتى انحاء البلاد للادوية والامدادات الصحية والمواد الغذائية والمواد والامدادات الخاصة بالاحتياجات المدنية الاساسية او المواد الانسانية المشتراة بعائد بيع النفط والمنتجات النفطية العراقية. وتعني موافقة العراق على مذكرة التفاهم ان بغداد قد تنازلت عن اعتراضاتها على عدد نقاط وربما من اهمها انفراد الامم المتحدة بتوزيع المواد الانسانية على الاكراد في الشمال، ومنح موظفي المنظمة الدولية وكل من تكلفهم بمهام ضمن عمليات تنفيذ القرار، حصانة دبلوماسية. وينص القرار 986 على اعطاء العراق الحق في بيع كمية محدودة من النفط خلال ستة شهور بقيمة ملياري دولار، وينص كذلك على اقتطاع 30 في المئة من هذا المبلغ لحساب تعويضات المتضررين من الغزو العراقي للكويت، واستقطاع ما يتراوح بين 150 و180 مليون دولار لشراء الحاجيات الانسانية من اغذية وادوية لسكان محافظات الشمال الثلاث. بينما تتضمن مذكرة التفاهم تفاصيل تقنية معقدة لعمليات بيع النفط وطريقة شحنه وايداع عائد البيع في حساب ضمان معلّق والتصرف فيه في عمليات شراء الاحتياجات الانسانية التي ينبغي الحصول على موافقة لجنة العقوبات على كل عملية منها. وذكرت وثيقة عراقية رسمية انه إضافة الى خط كركوك يومورتاليك للأنابيب، عبر تركيا، وميناء البكر العراقي لتحميل النفط »هناك إمكانية ثالثة لتصدير النفط العراقي عبر سوريا«. وقد نشرت الأمم المتحدة نص الرسالة مع مذكرة التفاهم. مواقف وقال البيت الأبيض ان الاتفاق النفطي »انتصار مهم« لجهود المنظمة الدولية. واوضح المتحدث باسم البيت الابيض مايكل ماكوري ان قبول العراق الالتزام بشروط قرار مجلس الامن بهذا الشأن »تأخر كثيرا«. اضاف انه يظهر مرة اخرى ضرورة ان يتخذ مجلس الامن موقفا حازما في رفضه التفاوض مع العراق بشأن تخفيف القرارات التي اتخذت بعد حرب الخليج. وكانت السفيرة الاميركية في الامم المتحدة مادلين اولبرايت قد قالت » انه يوم ممتاز بالنسبة للامم المتحدة لان هذا الاتفاق يضعها في موضع المسؤولية عن توزيع المواد (...) وهو يوم ممتاز ايضا بالنسبة للولايات المتحدة لان الوفد الاميركي هو الذي صاغ القرار 986 على نحو يضمن اعطاء الشعب العراقي ما يحتاجه مع الابقاء على تطبيق العقوبات«. واعربت بريطانيا عن ترحيبها بالاتفاق، وقال وزير خارجيتها مالكوم ريفكيند »اني ارحب بتطبيق القرار 986 اخيرا«. وختم بالقول »ان العقوبات ستبقى سارية طالما ان العراق لم يطبق هذه الشروط، ومن الصعب تصور تطبيقها طالما بقي صدام حسين في السلطة«. وقالت السعودية انها »ستستوعب بسهولة« النفط العراقي، فيما قال وزير الاعلام الاردني مروان المعشر ان الخطوة ايجابية، ورحب بالاتفاق المؤتمر الوطني العراقي (معارضة مقرها لندن)، لكنه دعا الى رقابة دولية مشددة على طرق استخدام عائدات النفط. هبوط أسعار النفط وادى توقيع الاتفاق على هبوط حاد في اسعار النفط في بورصات لندن ونيويورك، فيما اعلن الامين العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) ريلوانو لقمان ان المنظمة »ستفعل شيئا« لتخفيف اثر عودة العراق الى الاسواق. وقال لقمان انه »من السابق لاوانه قول كيف ستواجه المنظمة عودة نحو 700 الف برميل يوميا من النفط العراقي«. وفي بورصة نيويورك انخفض سعر الخام 70 سنتا، وهو سعر خام غربي تكساس الوسيط (كوشينغ)، فيما انخفص سعر برميل النفط في لندن وبيع ب17 دولارا بتراجع بلغ 53 سنتا مقارنة مع سعر الافتتاح (53،17 دولارا)، وبتراجع بلغ 55 سنتا عن سعر اقفال يوم الجمعة (55،17 دولارا). (ا.ف.ب، رويتر، ا.ش.ا)