فريدة النقاشالتطبيع الثقافي هو سعي إسرائيل والمؤسسات الصهيونية العالمية الى خلق علاقات تواصل مع المثقفين والمؤسسات الثقافية العربية بعد أن تحولت اتفاقيات السلام بين عدد من البلدان العربية وإسرائيل إلى ما أطلقت عليه الدبلوماسية الإسرائيلية السلام البارد، وذلك بعد أن مارس المثقفون العرب في غالبيتهم دورù كبيرù في مقاومة أي وجود إسرائيلي ثقافي في بلدانهم، فلا يجرؤ أي صاحب دار عرض الآن في مصر على أن يغامر بعرض فيلم إسرائيلي، وترفض الغالبية العظمى من المثقفين المصريين حتى الآن الالتقاء بوفود ثقافية إسرائيلية. وقد نجحت حركة المثقفين المنظمة في منع إسرائيل حتى الآن من الاشتراك في معرض القاهرة الدولي للكتاب أو إقامة معرض للفن التشكيلي في مصر أو حتى استضافة وفد ثقافي مصري محترم لديها. ومقاومة التطبيع الثقافي ليست بديلاً من كل مقاومة أخرى لإسرائيل، ولكنها الشيء الوحيد الذي وجد المثقفون المصريون أنفسهم قادرين عليه، فليست لهم سلطة سياسية لإلغاء الاتفاقيات أو رفض استقبال سفير العدو أو طرده من البلاد. وقد اتسعت رقعة مقاومة التطبيع بكل أشكالها لتشمل الجامعات ومحاربة البضائع الاسرائيلية، وتشكلت الحركة النسائية لمقاومة الصهيونية. ويزداد غضب الغالبية العظمى من أبناء الشعب المصري مع تزايد العدوانية الاسرائيلية وافتضاح محدودية الآفاق لاتفاق أوسلو الذي لم ينه احتلال أراضي فلسطين ولم يؤدِّ إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني فضلاً عن استمرار احتلال الجولان وجنوب لبنان. ويأمل المثقفون المصريون أن يتسع نطاق حركة مقاومة التطبيع مع تصاعد العمل الشعبي ضد الوجود الصهيوني في المنطقة ليشمل كل البلدان العربية. التطبيع الثقافي شعار مضخم يهمني القول إن ضجة التطبيع الثقافي لا مبرر لها، ولا مسوّغ لهذا القدر من الشعارات وأشكال التعبئة باتجاه ما يسمى بالتطبيع الثقافي، وذلك لأن الأزمة التي تعيشها المنطقة العربية ازاء مشروع التسوية ليست أزمة ثقافية، وهي بالتحديد أزمة سياسية اقتصادية، والتطبيع هو تطبيع سياسي واقتصادي، ولا نرى أن الثقافة الصهيونية أصلاً هي في وارد أن تدخل في معركة تطبيع ثقافي، إلا إذا كان القصد من هذا التطبيع إضعاف عنصر الثقافة العربية الاسلامية وإزاحته من الموقع المميز في الهوية العربية الاسلامية، وهذا أمر يطمح إليه الكيان الصهيوني ولكنه ليس في دائرة الممكنات بالقياس الى الجانب السياسي والاقتصادي الذي قطعت إسرائيل شوطù في رسم صيغ التطبيع والمصادرة له، وهنا أود أن ألفت إلى أن تضخيم شعار التطبيع الثقافي والتهويل بأخطاره لم يكن إلا للتغطية على التطبيع الميداني في المجالين الاقتصادي والسياسي. ومع الأسف فإن عددù من المثقفين قد استُدرج إلى هذا المخطط، وبدلاً من أن يأخذ المثقف موقعه الممانع والمصادم لعمليات التطبيع السياسي فإنه انسحب إلى الخندق الثقافي بذريعة أنه غير قادر على إحداث تأثير فاعل في المجال السياسي، وأن عليه حينئذ أن يرابط عند الخندق الثقافي. كريم مروّة أنا ضد مفهوم التطبيع الثقافي والغزو الثقافي. وبرأيي ان الإكثار من الحديث عن هذا الموضوع هو خارج الموضوع، فلا خوف عندي على الإطلاق على ثقافتنا العربية لا من الصهيونية ولا من أي طرف آخر، مهمتنا الأساسية قبل الحديث عن هذا الموضوع هي كيف نواجه مفاعيل السلام الذي سيفرض علينا بالاتجاه المعادي لمصالحنا بفعل عجزنا وهزائمنا، وهذا ما يتطلب خطة عمل طويلة المدى لتغيير هذا الواقع، أي تغيير موازين القوى وإعادة الاعتبار إلى العمل الصحيح لاستعادة حقوقنا. ولا عيب إذا لم نتمكن اليوم من تحقيق هذه الأهداف، فلنضع خطة طويلة الأمد لتحقيقها، أيù كانت الفترة الزمنية ولو قرنù بكامله. إنعام رعديخطئ البعض حين ينفون قدرة الصهيونية على أن تحل محل حضارتنا، فينفون بالتالي خطر التطبيع، ذلك أن الصهيونية في الشرق أوسطية تتطلب منا التخلي عن هويتنا وحضارتنا تمهيدù لسلبنا مواردنا وأرضنا، ولا تدعونا لكي نصبح جزءù من الصهيونية التي تبقى العقيدة العنصرية الحصرية لليهود، ولا يتخلون عنها، ولكن يدعوننا إلى التخلي عن هويتنا وحضارتنا باسم الشرق أوسطية لنصبح بلا جذور، يتامى على مائدتها، بينما تتمسك هي بصهيونيتها ويهوديتها، وهي تفرض علينا التخلي عن كل ثوابتنا الوطنية من الميثاق الوطني الفلسطيني إلى ميثاق الجامعة العربية إلى تعديل البرامج التربوية في المدارس والجامعات. عبد الرحمن النعيميهو التخلي عن الهوية الثقافية المستقلة الخاصة لمصلحة ثقافة أخرى، أو التخلّي عن بعض جوانب ثقافتنا القومية للوصول إلى قواسم مشتركة مع الثقافات الأخرى، وإيجاد ثقافة جديدة مشتركة. التطبيع الثقافي مع الغرب يجري بوتائر مختلفة، من بلد الى بلد عربي آخر. وفي بلدان غير عربية استطاعت الدول الغربية (فرنسا، انكلترا مثلاً) أن تفرض ثقافتها ممثلة في لغتها على شعوب المستعمرات سابقù، وأصبحت اللغة الفرنسية أو الإنكليزية هي اللغة الرسمية، الوعاء الثقافي لتلك الشعوب والأمم. لا شك في أننا نواجه أخطارù ثقافية من هذا السيل الهائل من التدفق الاعلامي والثقافي، الغربي، حيث المطلوب أن نتطبع بطابعهم، ونترك نسق تفكيرنا وعددù من التقاليد التي سرنا عليها، وعددù من المسلمات التي لدينا، والتي ورثناها من تايخنا. البعض يتخلى بسهولة ويتطبع، ولذلك نجد معارضة متصاعدة شعبية وأصولية ضد هذا التغريب، تتخذ مسارات متعددة من بينها العودة إلى التراث وخاصة الإسلام. التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني أراه أصعب بكثير من التطبيع مع الغرب، ليس فقط لأن الصهاينة يرتكزون على إيديولوجية عنصرية توسعية يصعب القبول بها، وإنما أيضù لأن بقية نمط حياتهم غربية، وبالتالي فالتطبيع ليس مع القاعدة، وإنما مع الأساس وهو الغرب الأمبريالي. وبمقدار تحصين أنفسنا ضد الغرب الرأسمالي، مع الاستفادة من كل معارفه وتقنياته وإيجابياته، يمكننا أن نتحصن ضد قاعدته وإفرازاتها الثقافية. وهذا يتطلب جهدù قوميù لتحصين الأمة، لأن الأجزاء المبعثرة يسهل اصطيادها في مختلف المواقع والمجالات. الأب د. أنطوان ضوالأب د. أنطوان ضوان الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا والاقتصاد والاعلام جعلت الكرة الأرضية مرتبطù بعضها ببعض إلى حد كبير. فالثقافة تستفيد من هذه التحولات، فتفعل وتتفاعل، وتساهم بشكل قوي في الوحدة الانسانية على كل الصعد. الثقافة المبدعة كان لها دورها المحلي والعالمي. أما الثقافة المدعومة فصارت في أيامنا هي المسيطرة، سواء كان لها المضمون الابداعي أو لم يكن. فالثقافة الأميركية في أيامنا، لأنها مدعومة، منتشرة بقوة، بقطع النظر عن محتواها الإبداعي. ان التثاقف هو سمة العصر، لم يعد هناك ثقافة خاصة، إنما جميع الثقافات متفاعلة في ما بينها ومؤثرة. ان ثقافة الغرب هي أكثر الثقافات تأثيرù في العالم العربي، وان إسرائيل ستمارس دورù بارزù في هذا المضمار. رفض التثاقف والتطبيع الثقافي مسألة معقدة وصعبة للغاية. هنالك أمور لا يمكن تخطّيها وتجاوزها والتغلب عليها. إلا أن الثقافة العربية إن اجتهدت وأبدعت فهي قادرة على فرض ذاتها، لتكون مغذية لأبنائها وفاعلة في محيطها والعالم. أما التطبيع الثقافي مع إسرائيل فهو موضوع جديد. ان رفض التطبيع الثقافي بالمطلق هو أمر سهل للغاية، ولكن بعد فرض التسوية سيكون لإسرائيل تأثيرها في هذا الموضوع شئنا أو أبينا. الموضوع الأساس هو الحد من تأثير التطبيع، ودعم المؤسسات الثقافية والاعلامية في العالم العربي لتتمكن من تأدية دورها ورسالتها. ان التوعية سيكون لها دورها للتخفيف من خطر التطبيع، كما أن علينا إنشاء مؤسسات ومراكز متخصصة، إضافة إلى مؤسساتنا الثقافية الرسمية والخاصة، من أجل مقاومة التطبيع ومخاطره. أخيرù، التطبيع سيتناول القضايا الأساسية ولا سيما قضايا القيم الانسانية والروحية والحضارية العربية. الموضوع سيتخطى بعض البرامج الاعلامية أو أشكال المعيشة أو التسلية. الموضوع هو بقاء الشخصية العربية الثقافية والحضارية أو زوالها أو استبدالها بثقافة جديدة وقيم جديدة على غرار النظام الشرق أوسطي الجديد، أو من وحيه. من هنا على العقل العربي أن ينتج ثقافة جديدة تحافظ على الأصيل والجوهري، وتلبّي حاجات الانسان العربي المعاصر على مشارف القرن الحادي والعشرين، وتشارك في الإبداع العالمي وحل مشاكل العالم. د. سيّار الجميلازداد استخدام هذا »المصطلح« كثيرù في الحياة العربية هذه الأيام، ولا أستطيع أن التقط من الذي روّجه منذ عام ولا يزال يروّجه هذه الأيام؟ ولا يمكن أن أجد أي تفسير أو اكتشاف أية وسيلة بإمكانها أن تستخدم لمثل هذا التطبيع الثقافي الذين يدعون إجراءه بيننا نحن العرب وبين الاسرائيليين. ان ما جرى هو توقيع اتفاقيات سياسية صرفة، وجرى تقديم أوراق ومشاريع في مؤتمرات اقتصادية.. ولم أسمع عن عقد أية تطبيقات ثقافية بين الطرفين! وعلى هذا، فلا بد من أن أحدد معلوماتي وآرائي ومن ثم موقفي في ذلك من خلال قراءتي للكتاب الذي قدمته الحكومة الاسرائيلية الى مؤتمر عمّان الاقتصادي (نهاية 1995): Government of Israel, اDevelopment Options for the Middle Eastب Draft no. 3 (5991). لقد ركزت الورقة الاسرائيلية على (التعاون) الاقليمي وطرحت عدة عوامل لتعزيزه، هي: ثمة اختلافات في الموارد الاقتصادية المتاحة/ التراث الثقافي المشترك/ الوحدة الجغرافية للدولة/ السعي من أجل تكوين تكتلات اقتصادية في الإقليم/ ضعف التبادل التجاري بين دول الاقليم. أما في المجال التطبيقي لهذه العوامل من وجهة النظر الاسرائيلية، فإن إمكانية (التعاون) في المنطقة، محصورة في الأساليب التالية: 1 تقوم مصر بإمداد دول الإقليم بالمنسوجات والحديد والأيدي العاملة. 2 تقوم إسرائيل بتقديم بضائع استهلاكية تتميز بالثقافة المتقدمة. 3 يقوم الأردن بإمداد المنطقة بالأدوية والأسمدة. 4 يساهم لبنان في مجال الصناعات الخفيفة والمتنوعة. 5 تساهم دول الخليج العربي في مجال البتروكيماويات. دعونا نناقش ذلك برؤية عربية ومستقبلية ومصيرية، وأين هو موقع التطبيع الثقافي في »طروحهات« كهذه جسدتها الاقتصاديات أكثر من أي شيء آخر! أين هو التراث الثقافي المشترك بين العرب وإسرائيل حتى يغدو بإمكانه أن يكون أحد العوامل في بناء تعاون إقليمي، وذلك باختلاف اللغة والعادات والتقاليد والدين والفولكلوريات.. وعلى الرغم من عدم تقديم إسرائيل أي مشروع في قطاع الثقافة، لكنها قدمت 36 مشروعù في السياحة يكفي تطبيقها في التأثير البالغ على المجتمع العربي. هناك أيضù تقاطعات مضادة بين الطرفين خصوصù في اختلاف الموارد الاقتصادية المتاحة! فكيف يتم السعي من أجل تكوين تكتلات اقتصادية في الإقليم في ظل الاختلافات والتقاطعات. وبقدر ما كانت هناك تقاطعات في الوعي والمواريث الثقافية بين الطرفين، فإن هناك ضعفù في التبادل التجاري، إذ لا يمكن تأسيس سوق إقليمية مشتركة في ظل حالات الانكماش؟! وحتى لو افترضنا وجود تراث كلاسيكي مندثر بين العربية والعبرية، أو وجود تلاقيات نادرة أسطوريù بين الطرفين قبل آلاف السنين.. فنحن اليوم وبعد مرور مئة سنة من تحديات المشروع الصهيوني للمشروع النهضوي العربي، لا يمكن أن تتلاقى أية شراكة تاريخية أو اجتماعية أو ثقافية بين الطرفين.. وإسرائيل تدرك ذلك جيدù بحكم ما تعرفه القلة القليلة عن دواخل إسرائيل التي تعرف هي الكثير الكثير عن العرب وبلادهم.. وهي لما تعلن عن ميراث ثقافي مشترك، لم تأت بمشروع ثقافي واحد بين الطرفين، في حين تقدمت مصر بأربعة مشاريع للثقافة! ولم يأتِ الأردن بأي مشروع ثقافي مشترك، لمعرفته بحقيقة تراث كل أمة وميزاته وخصوصياته! إن إسرائيل تفكر فعلاً في صياغة مستقبل للمنطقة، ولكنها تشترط أمام الجميع، أنها يجب أن تقف على رأسه (أي بمعنى: قيادته)، وأن ما يعنيها فعلاً هو: المجال الحيوي للشرق الأوسط! د. أحمد نجيب الشابيتعرف الأمة العربية في هذه الآونة تحديات ثقافية تهدد بأن تعصف بأركان خصوصيتها الثقافية الحضارية. بعضها تكنولوجي كانتشار الهوائيات في ميدان الاعلام المرئي، ومنها بروز شبكة »انترنت« وما تمثله من ثورة في حقل المعلوماتية، ولا يمكن للأمة العربية أن تنغلق على نفسها وأن ترفض ما تقدمه هذه الوسائل الحديثة من سيل هائل للمعلومات والأخبار في جميع الميادين، مع أنها تحمل معها شيئù من الثقافة الهابطة التي تسوّق للجنس والعنف كبضائع استهلاكية. ومن هذه التحديات ما يعقد من ندوات دولية في القاهرة وبكين وغيرهما، القصد منها نشر ثقافة مؤدّاها القضاء على الخصوصية الحضارية للأمم وتفكيك نسيجها الاجتماعي والثقافي والسياسي وصهرها في بوتقة الحضارة المادية السائدة للغرب، وهو بُعد من أبعاد النظام العالمي الجديد. وفي سياق هذا النوع من التحديات تندرج مسألة التطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني على أساس الدعوة إلى التسامح ونبذ معاداة اليهود واليهودية، واعتبار الحركة الصهيونية حركة قومية تحدرية لليهود، والدعوة إلى الشرق أوسطية كإطار يتجاوز التنافر والتناحر القوي، ويعتبر التمسك بالحقوق القومية والوطنية والنضال من أجلها ضربù من ضروب التزمت والتطرف والارهاب. وواضح أن مثل هذه الدعوات جزء من متطلبات النظام العالمي الجديد حول المصالح الأميركية والساعي إلى إنكار الحقوق المشروعة للقوميات والحضارات المختلفة. بشارة مرهجهو اختصارù عملية إلحاق الدول العربية بالمركز الإسرائيلي، وذلك بحجة تأمين السلم والاستقرار والتقدم الاقتصادي في المنطقة. جاد الكريم الجباعي إذا كان مفهوم النظام العالمي الجديد ملتبسù، فإن مفهوم التطبيع أكثر التباسù، وهو أيضù مفهوم مصدّر إلينا من أميركا وإسرائيل، ولم ينجح المثقفون العرب حتى الآن في نقد هذا المفهوم أو تحديد تخومه والكشف عن مضماراته إلا على نحو سياسوي عارض. وفي كل الأحوال ينبغي القول إن إسرائيل لا تستطيع بحكم بنيتها ووظيفتها، بغض النظر عن موقفنا منها، أن تكون دولة طبيعية كسائر الدول المعروفة في التاريخ قديمه وحديثه، ولا تستطيع بالتالي إقامة علاقات طبيعية مع »دول الجوار« على افتراض أنها من دول المنطقة، وهو افتراض متروكة الاجابة عنه للتاريخ اللاحق. أما مفهوم التطبيع الثقافي وما يصلنا عن النية في مقاومته فهو من الأوهام التي يحاربها المثقفون العرب والسياسيون الذين إما أنهم يفصلون الثقافة عن السياسة وعن الحياة الاجتماعية فصلاً ميكانيكيù، أو يقبلون التبعية الثقافية للسياسة على الرغم من إعلانهم، ولنقل رغبتهم في استقلال مجال السياسة عن مجال الثقافة. أنا من الذين يعتقدون بأن الثقافة تؤسس السياسة وتقيمها. وإذا كانت كذلك فإنها تستطيع أن تقعدها أيضù، وان مهمة الثقافة والمثقف الأولى هي نقد الواقع بشكل عام والسياسة بشكل خاص، فكيف نتحدث عن مقاومة التطبيع الثقافي ولا ننتقد التطبيع السياسي والاقتصادي؟ د. عبد الله عبد الدائم التطبيع يعني إعادة الأمور إلى طبيعتها الأصلية التي كانت عليها، فهل كانت العلاقات بين العرب وإسرائيل يومù ما علاقات سليمة أم أنها كانت دومù منذ ولادة دولة إسرائيل وقبلها علاقة اغتصاب وعدوان وصراع؟ وإذا كان ثمة اليوم ما يبرر قلب العلاقة العدوانية الى علاقة سلام، فهذا يفترض تغيرù أساسيù قد حدث في الطبيعة العدوانية التوسعية للكيان الصهيوني، ومثل هذا التغير لم يحدث، وليس من المتوقع أن يحدث. يضاف إلى هذا أن إسرائيل تشكو في داخلها من تناقضات وصراعات بين فئاتها الحزبية والدينية المتنافرة تكاد تبلغ حد الاحتراب، الأمر الذي يجعل التطبيع معها »مغامرة في المجهول« على مركب إسرائيلي مهتز، بل إقدامù على »عملية انتحار جماعية«. وفي الجملة، التطبيع مع إسرائيل لن يكون ممكنù وقابلاً للحياة والاستمرار إلا إذا تخلت تخليù جريئù وحاسمù عن منطلقاتها الصهيونية العريقة، وادعاءاتها الدينية الملفقة، التي هي مصدر اضطراب »هويتها« وأساس علاقتها العدوانية بالعرب، وإلا إذا تخلت عن نزوعها الواضح إلى فرض الهيمنة، بأشكالها المختلفة، على الوطن العربي. لقد أخطأت الصهيونية في حق اليهود حين خلقت لهم ذلك الكيان المصطنع، وأخطأت الدول الكبرى، عن علم ودراية، في حق العرب واليهود حين ولدت ذلك الكيان العنفي، خدمة لمآربها وأغراضها، على حساب العرب وضد العرب. وعلى إسرائيل والدول الكبرى وليس على العرب تقع مسؤولية إيجاد المخرج لكيان عدواني غير قابل للبقاء أصلاً. د. علي الشيخ حسين الساعديان التطبيع الثقافي يمكن أن يطلق على العمليات الاجتماعية الثقافية المؤدية إلى إعادة المياه إلى مجاريها في مجال الثقافة الروحية بين بلدين أو شعبين أو دولتين أو أكثر، بعد فترة من الحروب أو الصراعات. وبهذا المعنى قد يحدث ذلك في مجال العلاقات والحياة الثقافية بين البلدان المتجاورة، كما هو الأمر مثلاً بعيد الحرب العراقية الايرانية بالنسبة إلى ضرورات العودة الى علاقات حسن الجوار والأخوة بين الشعبين الجارين العراقي والايراني بعد وقف الحرب الساخنة والباردة بينهما. ولكن في الحقيقة فإن »التطبيع الثقافي« يستخدم في بلادنا العربية، وخصوصا في السنوات الأخيرة بعيد اتفاقيات »كامب ديفيد« وبعد أوسلو، كمفهوم يعني تسهيل مهمة الغزو الثقافي الصهيوني لكياننا العربي وتمكن الكيان الغريب، أي إسرائيل، من الهيمنة الثقافية على حياتنا العربية وتنكرنا لقيمنا ومثلنا الوطنية والقومية العربية وإعلان هزيمتنا الروحية لمصلحة انتصار ذلك الجسم الصهيوني الغريب. إن ما يسمى بالتطبيع في أي مجال بين شعوبنا العربية وإسرائيل لا يمت بأية صلة للعمليات التطبيعية، إنها إجراءات مصطنعة ومفروضة تناضل شعوبنا ضدها وتأبى الرضوخ لها، وقد تفشل ليس فقط على المدى القصير، ولكن أيضا على المدى البعيد، إذا انتبهنا إلى مخاطر ذلك التسميم لحياتنا الثقافية. أمير موسى بو خمسينالتطبيع ليس ثقافيا بل هو شامل، أي سياسي. هذا ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل في سعيهما الى التسريع في عملية السلام التي تسبق حالة التطبيع من أجل الغزو الشامل بأبعاده المختلفة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وبالتالي سيطرة الصهيونية على الوضع العربي. من جانب آخر، ومع الأسف، فإن النخبة العربية والمثقفين العرب لم يطرحوا البدائل والدراسات المنوطة بهذا الموضوع من ناحية جدية، وبقي الأمر معلقا ويأخذ باتجاه التطبيع شعارات رنانة وطنانة أكثر مما هو واقع علمي ودراسة ضمن خطة استراتيجية على المدى البعيد، وصرنا نسمع الكثير الكثير حول التطبيع إلا أن الأمر لم يتعدّ هذا الواقع الخطابي. د. نواف كبارةد. نواف كبارةثمة مشكلة في الكلام على التطبيع بشكل عام، والتطبيع الثقافي بشكل خاص. فليس هناك أحد منّا له ثقافة وهوية خالصة ونقية، وكل منا يحمل شيئù من هنا، وشيئù آخر من هناك. بالتالي ليس هناك مثلاً ثقافة أو هوية عربية نقية في مواجهة ثقافة أخرى، بل هناك تداخلات وتفاعلات كثيرة. إن كلمة تطبيع كما أراها تعكس حالة من ميزان القوى يعني فيها ان هناك فريقù ضعيفù يخسر مواقعه ثقافيù في مواجهة فريق ثقافي أكثر تقدمù وتطورù، وهذا برأيي أبعد بكثير من مجرد التطبيع مع إسرائيل، فهو التنازل على المدى البعيد عن مواقفنا وهويتنا وذاتنا في مواجهة ثقافات متقدمة كالثقافة الغربية بشكل عام، واليابانية وغيرها، نتيجة عدم قدرة الثقافة العربية على تطوير نفسها وأن تأخذ موقعها الرائد والمساهم على الصعيد العالمي. وكلما تأخرنا في الدخول في عملية المعاصرة زادت خسارتنا لذاتنا وهويتنا، وهو ما سيؤدي في النهاية الى خسارة موقعنا الثقافي والاجتماعي. حيدر إبراهيم عليانعدام أي مشروع حضاري عربي إنني أعوّل دائمù على العوامل الذاتية لأي أمة وليس على العوامل أو التحديات الخارجية. ان عملية أي تطبيع تعتمد على مدى الاستعداد الذاتي لتقبل هذا التطبيع بغض النظر عن التحديات الخارجية. الآن نحن نعيش في العالم العربي انعدام أي مشروع حضاري عربي، كما أننا نعيش حالة من التفكك السياسي والتراجع الاقتصادي، والتغييب الكامل للإرادة الشعبية، ما يجعلنا عرضة للتطبيع والاختراق. مجدي أحمد حسينمجدي أحمد حسينالمقصود بالتطبيع التبادل الاعلامي بين العرب وإسرائيل، وسفر العرب إلى إسرائيل، أو تأسيس مراكز أكاديمية إسرائيلية كما حدث في مصر أو عمليات الترجمة للإنتاج الاسرائيلي. لكن لا بد هنا من أن نميز بين دراسة العدو وهذا مطلوب والتطبيع الثقافي المباشر بمعنى تبنّي وجهات نظر العدو، لأن هذا يعني اعترافù بأن المشكلة الفلسطينية قد حُلَّت كما يعني نوعù من الاعتراف بإسرائيل وإزالة روح العداوة من طرف واحد فقط، وهذا نوع من السذاجة إن لم نقل الخيانة في أسوأ تقدير. د. عبد الله السيد ولد أباهقبل أن نتحدث عن التطبيع الثقافي أود أن أشير إلى الخلفية الثقافية العميقة للمشروع الصهيوني من حيث هو مشروع يستهدف الأمة في قيمها الحضارية وفكرها الثقافي، بقدر ما يستهدفها في مقدراتها الاقتصادية وحدودها الاقليمية. كما أود أن أشير من جهة أخرى الى ان المقاومة الثقافية شكلت مظهرù بارزù من مظاهر الصراع العربي الصهيوني. وقد أدى الفكر العربي دورù أساسيù في هذه المقاومة كاشفù خلفية الاستراتيجية الاسرائيلية وأبعادها مقدمù خطط العمل القومي الكفيلة بإدارة هذا الصراع وفق المصالح القومية. واليوم إذ نلمس سيرù حثيثù نحو التطبيع مع العدو، فإن المقاومة الثقافية ما زالت صلبة وهي تستند إلى قاعدة قوية من الزخم الديني والتاريخي والشعبي، ما يجعلها صلبة وليست سهلة الاختراق. وكما بينت التجربة في العديد من الأقطار العربية وعلى رأسها مصر، فإن جهود السياسيين تظل عديمة الأثر في مواجهة المقاومة الثقافية. ولا شك في أن التطبيع الثقافي هو أحد الأهداف الرئيسية اليوم، فالمشروع الاسرائيلي كما بيّن بيريز في كتابه الشرق الأوسط الجديد الذي يتحدث فيه مليù عن التربية والتواصل الاعلامي ومراجعة المواقف الدينية، إلا أنني ألمس أن الشارع العربي ما زال رافضù بقوة وجرأة لهذا المسعى الصهيوني. محمود المراغيلا نعرف أن إسرائيل تملك ثقافة، ومع ذلك فإن الجهد المبذول من جانبها يسير في اتجاه تغيير المفاهيم الأساسية الموجودة في المجتمع العربي خاصة في ما يتعلق بالمسألة الاسرائيلية وصورة إسرائيل لدى الغير وقضية الأرض. في التطبيق العملي تحاول إسرائيل أن تترجم مثلاً بعض الأعمال الصادرة باللغة العربية، ولا أظن أن ذلك نوع من التطبيع بل هو نوع من سرقة الانتاج الأدبي والفني. في مجال التطبيع أيضا، يذهب فنانون صغار لزيارة إسرائيل، لكن فنانù أصيلاً وكبيرù لم يذهب مرة واحدة. في مجال الصحافة على سبيل المثال هناك قرارات بالمقاطعة من جانب اتحاد الصحافيين العرب ومن جانب العديد من النقابات العربية من بينها النقابات في مصر والمغرب، برغم وجود علاقات بين البلدين مع إسرائيل. أعتقد بأن التطبيع الثقافي رحلة طويلة لن تتم في ظل استمرار الاحتلال. علي عقلة عرسانلا أفصل بين أشكال التطبيع، وأرى التطبيع الثقافي أكثر أشكال التطبيع خطورة على الوجدان العربي والذاكرة العربية وثوابت الصراع العربي الصهيوني وأهدافه. والتطبيع (Normalisation) إعادة أمور كانت طبيعية بين بلدين أو شعبين مستقرين في منطقة من العالم ضمن حدود جغرافية وتاريخية ودولية معترف بها إلى طبيعتها اثر نشوء نزاع بينهما، وليست هذه هي حالنا مع الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين، فلم يكن له هذا الوجود والاستقرار والحق التاريخي قبل نشوء الصراع معه، ولذلك تتجه الأمور الى جعل وجود هذا الكيان طبيعيا في المنطقة، أي جعله من نسيجها العضوي الجغرافي والتاريخي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي والأمني على أرضية ما يعرف من سلام، وزج الثقافة لتقوم بدور حاضن لهذا النوع من السلام تمهد له وتروج له، وعامل غرس لمعطياته في المجتمع العربي. والتطبيع من هذا المنطلق يشكل قفزة فوق المشكلة ومجاوزة على أرضية خبيثة للمفاهيم والمصطلحات والمعطيات، إنه بكل الاختصار دعوة إلى التفاعل والتواصل الثقافي بهدف تغيير منظومات القيم والنظرة العدائية وتجاوز إنشاء كيان بقوة القهر على حساب كيان آخر مشرد واعتبار أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، والبدء من مقولة ما بعد الاعتراف على أرضية الأخذ بما أسميه الواقعية الانهزامية وتسخير الثقافة لتكون تابعة للسياسة ولسياسة معينة في هذا المجال، ولتقوم باحتضان اتفاقيات الإذعان والمشروع التوسعي الاستيطاني المستمر. هذا ما نرفضه كمفهوم للتطبيع وكدور للثقافة وكدعوة قائمة ونجد أن وضع الأمور في هذه الصيغة يحتوي على مغالطة ويحاول أن يستثير تحديات أو أسئلة تبدأ من فوق المشكلة الأساسية مثل: هل تخشى الثقافة العربية من الثقافة الاسرائيلية؟ ليس هذا هو السؤال، وإنما السؤال: هل نتمسك بثوابت الصراع والحق العربي في فلسطين وبدور منقذ للثقافة وواع للمسؤولية يرفض تبعية الثقافي للسياسي ويجد أن ما يلزم السياسي لا يلزم الثقافي بالضرورة وأن الأوضاع السائدة الآن ليست قدرا ولن تستمر إلى الأبد. فهذا يتنافى مع منطق الحياة ودورة التغيير وقدرة الوعي على الصمود والمواجهة. جار الله عمرلا أجد تفسيرù محددù لكلمة التطبيع الثقافي. أعتقد أن الأمر المهم هو ما نراه من تطبيع سياسي واقتصادي، هذا الذي يشكل الخطر الأكبر على القضية العربية بل وحتى على الوصول الى تسوية متوازنة نسبيا إذا جاز التعبير، فنحن نرى العديد من الدول العربية تتسابق لإقامة العلاقات مع إسرائيل ورفع المقاطعة عن العدو الاسرائيلي في الوقت الذي ما زال فيه الجنود الاسرائيليون يجثمون على مساحات كبيرة من الأراضي العربية في الجولان وجنوب لبنان والضفة والقدس وسواها. وفي رأيي ان المخاطر الأساسية تكمن في التطبيع السياسي والاقتصادي، أما التطبيع الثقافي فإذا كان المقصود به تداخل المعارف الانسانية فإن هذا قد تم منذ زمن بعيد، ذلك أن القرآن والإنجيل لهما صلة بالتوراة. ثم إن حديثنا عن التطبيع الثقافي يتسم بكثير من الأحيان ببعض المبالغة ويؤدي أحيانا الى عدم التطبيع في ما بين المثقفين العرب أنفسهم وإلا فكيف ننظر إلى عملية فصل أدونيس من اتحاد الكتّاب العرب. حصلت ضجة كبيرة في اليمن حول مواطنة إسرائيلية من أصل يمني تدعى »عفرا« وهي تجيد أداء الأغنية اليمنية، وفي رأيي ان هذا اختراق ثقافي عربي وليس إسرائيليا. وأرى في النهاية ان الثقافة العربية الاسلامية أقوى وأغنى وأقدر على المقاومة والتطور في المستقبل من أي ثقافة أخرى بما فيها العبرية. وخلاصة القول انه ينبغي علينا التركيز على خطورة التطبيع السياسي والاقتصادي. لا أجد تفسيرù محددù لكلمة التطبيع الثقافي. أعتقد أن الأمر المهم هو ما نراه من تطبيع سياسي واقتصادي، هذا الذي يشكل الخطر الأكبر على القضية العربية بل وحتى على الوصول الى تسوية متوازنة نسبيا إذا جاز التعبير، فنحن نرى العديد من الدول العربية تتسابق لإقامة العلاقات مع إسرائيل ورفع المقاطعة عن العدو الاسرائيلي في الوقت الذي ما زال فيه الجنود الاسرائيليون يجثمون على مساحات كبيرة من الأراضي العربية في الجولان وجنوب لبنان والضفة والقدس وسواها. وفي رأيي ان المخاطر الأساسية تكمن في التطبيع السياسي والاقتصادي، أما التطبيع الثقافي فإذا كان المقصود به تداخل المعارف الانسانية فإن هذا قد تم منذ زمن بعيد، ذلك أن القرآن والإنجيل لهما صلة بالتوراة. ثم إن حديثنا عن التطبيع الثقافي يتسم بكثير من الأحيان ببعض المبالغة ويؤدي أحيانا الى عدم التطبيع في ما بين المثقفين العرب أنفسهم وإلا فكيف ننظر إلى عملية فصل أدونيس من اتحاد الكتّاب العرب. حصلت ضجة كبيرة في اليمن حول مواطنة إسرائيلية من أصل يمني تدعى »عفرا« وهي تجيد أداء الأغنية اليمنية، وفي رأيي ان هذا اختراق ثقافي عربي وليس إسرائيليا. وأرى في النهاية ان الثقافة العربية الاسلامية أقوى وأغنى وأقدر على المقاومة والتطور في المستقبل من أي ثقافة أخرى بما فيها العبرية. وخلاصة القول انه ينبغي علينا التركيز على خطورة التطبيع السياسي والاقتصادي. رسول الجشيالواقع أن النظام العالمي الجديد يقصد في النهاية الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية وإذابة كل القوميات في بوتقة وإبعادها عن العمل من أجل تحقيق ذاتها. من هنا، تنبع خطورة هذا النظام. وأنا أرى أن الخطر الثقافي على وجود الأمة العربية أكثر وجعا من الخطر السياسي كما أن عملية التطبيع التي تشمل أيضا التطبيع الاقتصادي ستؤدي حتما إلى أن تعمل المنطقة بكاملها من أجل إنعاش الاقتصاد الاسرائيلي وتقليل اعتماد إسرائيل على المعونات الأميركية وبالتالي ستكون القضية لمصلحة أميركا وإسرائيل على حد سواء وعلى حساب انتعاش الاقتصاد القومي العربي. الخطر الثقافي يمس جذور المجتمع العربي ويصيب كل معتقداته وقيمه، وبالتالي سيكون له التأثير الأكبر في الانقياد وراء المصالح السياسية والاقتصادية العالمية عندما يبتعد عن جذوره، ويفقد بالتالي شخصيته وتفقد الأمة العربية بذلك دورها في المساهمة في الركب الحضاري، وبالتالي تفقد مبرر وجودها.