As Safir Logo
المصدر:

رحيل.إميل حبيبي عاشق كل حجر في أرض فلسطين صوت الذين يعيشون في الزنزانة الكبيرة(صورة)

المؤلف: عبد القادر فاروق التاريخ: 1996-05-17 رقم العدد:7389

أوصى إميل حبيبي، قبل أن يغمض عينيه عن هذا العالم، بأن تنقش على شاهدة قبره حروف قليلة »باقٍ هنا في حيفا«. هذه الحروف كافية لإضاءة حياة من وجهيها: النضال السياسي والإبداع الأدبي على السواء. عاش إميل حياة طويلة ممتلئة، وكان حقù رجلاً تمشي بين يديه الزوابع والعواصف. ولد في حيفا في 1921، وأتم دراسته الثانوية فيها وفي عكا، واشتغل عامل بناء زمنù، ثم انتقل للعمل مذيعا في إذاعة القدس. واستقال منها ليعمل موظفا في معسكرات جيش الانتداب، ثم محررا في جريدة »الاتحاد«، وأصدر مجلة أسماها »المهماز« في حيفا في 46. وقد كان واحدا من مؤسسي »الحزب الشيوعي الفلسطيني« في 41، وناضل نضالا متصلا ضد الانتداب البريطاني، ثم ضد ممارسات الدولة الاسرائيلية بعد قيامها (حين قامت كان إميل رئيس تحرير جريدة »الاتحاد«)، واختاره الحزب كي يمثله في »الكنيست« مع بقية أعضائه من الشيوعيين في 53، وبقي عضوا فيه حتى 72 حين قدم استقالته كي يتفرغ للكتابة. وفي 89 دبَّ خلاف حاد بينه وبين قادة الحزب الشيوعي (الاسرائيلي)، خاصة سكرتيره ماير ملنر، وتوفيق طوبى، فقدم إميل استقالته من عضوية اللجنة المركزية ومن هيئات الحزب المختلفة، وأحاط هذا الخروج صخب عال وضجيج، وتبودلت كالمألوف في الأحزاب الشيوعية، والعبرية بوجه خاص الاتهامات بالعمالة والخيانة والانتهازية وما إليها. وقد جمع إميل وثائق تلك الواقعة: الدافع إليها، ومواقف الآخرين منه. وموقفه منهم، والمقالات التي رفضت صحيفة الحزب نشرها له (وفيها يدافع دفاعا حارا عن »البيروستريكا« و»الغلاسنوست«، ويطالب حزبه بالتخلي عن المفهومات والممارسات الستالينية السائدة فيه) في كتاب جعل له عنوان »نحو عالم بلا أقفاص«، 93. (حين أهداني نسخة من هذا الكتاب وطلب معرفة رأيي فيه، قلت له بعد أن قرأته ما اعتدت أن أقوله له في مثل تلك المواقف الملتبسة: يا أبا سلام، أهل مكة أدرى بشعابها، وأنا لا أعرف الكثير عن تلك المعطيات التي بنيت عليها موقفك، ومن ثم فليس لي أن أحكم بتخطئة أو تصويب، لست أدري). وفي 90 أهداه ياسر عرفات »وسام القدس«، أرفع وسام فلسطيني، وفي 92 منحته إسرائيل »جائزة الابداع« فثارت حوله الزوابع من جديد، وارتفعت الأصوات تطالبه برفضها، لكنه بقي على موقفه، فقبل الجائزة، ثم أعلن تبرعه بقيمتها المادية (حوالى ثمانية آلاف دولار) لجمعية »المقاصد الاسلامية« هو المسيحي التي تتولى علاج مصابي الانتفاضة. وأذكر أنني كتبت آنذاك مقالة في »روز اليوسف« (1/6/92) لم أكن فيها أدافع عن إميل بقدر ما كنت »أحرر المسألة« كما يقول فقهاؤنا، وأضعها في سياقها الصحيح. جاء فيها: »بأي وجه نطلب منه أن يرفض جائزة تمنحها له الدولة التي يعيش داخل حدودها، وقضى عشرين عاما نائبا معارضا في مجلسها النيابي، ويحمل وثائقها ويتعامل بعملتها ويدفع لها الضريبة؟ ألأن يدي شامير ملوثتان بدماء الفلسطينيين؟. ولكن: من يجهل أن كل قادة إسرائيل ونخبتها الحاكمة، منذ قامت وحتى تباد، أيديهم ملوثة بدماء الفلسطينيين والمصريين واللبنانيين والسوريين وسواهم؟ كلهم: »ليكودهم« و»عملهم«، يمينهم ويسارهم، صقورهم وحمائمهم سواء (...) قابلت عددا من شباب المسرحيين من حيفا في مهرجان مسرحي، قال قائلهم بوضوح: »نحن نختلف مع إميل حبيبي حول مئة قضية وقضية لكننا نرى في تلك الجائزة اعترافا بالأدب العربي الذي يكتب في الأرض المحتلة، وتكريما لمن تعتبرهم الدولة بالتعريف مواطني الدرجة الثانية..«. عن هذا الأدب نفسه يكتب إميل: »من المعروف أن النظام الرأسمالي يعمِّق الغربة بين غالبية الشعب، والوطن النظام الذي يعيشون في كنفه، فكيف بحال العرب في إسرائيل الذين يعتبرهم النظام نفسه ومباشرة غرباء؟ إن هذه الغربة القومية والاجتماعية في وطن الآباء والأجداد (ولا وطن لنا غيره).. ان رفضها الحضاري والتاريخي واليومي والمستقبلي هو الأمر المميز للأدب العربي في إسرائيل..«. صادرا عن هذه الأفكار ذاتها انشغل إميل هذا العام الأخير من حياته في إصدار مجلة أدبية أسماها »مشارف« (صدر عددها الأول في آب 95، وآخر ما وصلني منها عددها السابع الصادر في آذار الماضي)، كتب في افتتاحية عددها الأول: »لقد اتفقنا في بيان »مشارف« التأسيسي على مداميك ثلاثة لبنيان نستطيع النزول إلى سطوحه من فوق خوازيقنا الحالية، ونشرف من فوق سطوحه على »خطر« القرن الحادي والعشرين والألف الجديدة من السنين: مدماك الحوار الحضاري الانساني بيننا وبين أنفسنا، عائدين وقاعدين، ومدماك الحوار الحضاري الإنساني بيننا وبين أنفسنا أيضا، عربا فلسطينيين وأشقاءنا من العالم العربي، ومدماك هذا الحوار بيننا وبين حضارات »الآخرين«، خصوصا مع من كُتب علينا وعليهم العيش في وطن واحد، إنْ شرù وإنْ خيرù، وقد شربنا كأس أولهما حتى الثمالة، ولم يبق ان أردنا الحياة إلا تبادل الخير حيثما وجد. تلك جوانب من حياة إميل حبيبي، وهذه بعض أفكاره: أفكار مناضل يعيش داخل الزنزانة الاسرائيلية، لكن هذه الأرض أرضه، ولن يبرحها أبدا، وإسرائيل حقيقة قائمة لا معنى لإنكارها، ولا بد من خوض الصراع الدائم ضد التسلط والعنصرية والقهر ومحاولات النفي والابادة، تتعدد وسائل الصراع وتتنوع أدواته، ومنذ قامت إسرائيل اختار إميل طريق: النضال بوسيلتي العمل السياسي ثم الابداع الأدبي، وقد حدَّثنا أنه استقال من الكنيست كي يتفرغ للكتابة، وهو يحدثنا عن هذين الاختيارين في عمله الأخير بلغة أخرى هي لغة الفن الجميل. دوافع 1967 ولا شك عندي في أن ما حدث في 67 كان الدافع الأول وراء اتجاه إميل حبيبي نحو الكتابة الأدبية: ها قد هُزمت الجيوش العربية مرة أخرى، والأرض الضائعة تتسع حدودها إلى الغرب والشمال والجنوب: سقطت فلسطين كلها، من البحر إلى النهر، وسقطت أراض أخرى، فُتحت الحدود بين الأرض التي ضاعت أخيرا وتلك التي ضاعت من عشرين عاما، لم تعد »بوابة مندلبوم« رمز المنفى القديم قائمة، فتحت الحدود من الجهة الأخرى الخاطئة. في هذا المناخ بدأ إميل كتابة عمله الأول »سداسية الأيام الستة«. كان إميل في السابعة والأربعين حين نشر عمله الأول، بعده تتابعت الأعمال: »الوقائع الغريبة واختفاء سعيد أبي النحس المتشائل« (74)، »لكع بن لكع« (80)، ثم »إخطية« (85)، وأخيرا »خرافية سرايا بنت الغول« في (91). ولن يتسع لنا المقام هنا والآن إلا لبعض الملاحظات السريعة هي انتقائية بالضرورة حول تلك الأعمال التي جعلت صاحبها أحد أهم المبدعين العرب المعاصرين: } أقف عند أجمل لوحات للسداسية، أعني اللوحة الثالثة »أم الروبابيكا«، ملكة وادي حيفا غير المتوجة، رفضت الخروج الأول في 48 مع زوجها وابنها، وظلت عشرين عاما مع الأشياء التي تركها أصحابها ورحلوا، تنتظر أن يعودوا إليها، وهذه بعض ثروتها: »لديَّ حزمات من أنوار الصبا، رسائل الحب الأول، لديَّ قصائد خبأها فتيان بين أوراق كتب مدرسية، لديَّ أقراط وأساور وغويشات.. لديَّ عقود تتعلق بها قلوب ذهبية إذا فتحتها وجدت في القلب الذهبي صورتين: له ولها.. لديَّ يوميات بخطوط دقيقة جيدة، وبخطوط عريضة واثقة، عن تساؤلات: ماذا يريد مني؟ وعن أيمان مغلظة: يا وطن..«، لكن أحدù من هؤلاء الذين عادوا لم يسألها شيئا، فهم لا يدرون أنها احتفظت لهم بكنوزها. } وما أكثر ما كُتب عن أبي النحس المتشائل، حتى كاد يصبح أشهر من صاحبه وخالقه! في تلك الرواية الفذة لم يسلك إميل أيù من السبل المطروقة في الرواية العربية أو الغربية، بل أسَّس إبداعù جديدù يقوم على دعائم ثابتة من استلهام التراث الفلسطيني والعربي، وحسن استخدام اللغة، والجرأة في التعامل معها، والاستعانة بالحكاية الشعبية، ثم اللجوء الى السخرية أو الفكاهة السوداء لو صح التعبير. أقف منها عند وصول سعيد ومن قبله صاحبه إلى حتمية صيغة الفداء والمقاومة المسلحة. هو في »الكتاب الأول« باحث عن التكيف، مستعد لتقديم كل التنازلات للدولة العنصرية الباطشة، ثم يقف في نهاية »الكتاب الثاني« ممزقù في »ازدواجيته اللعينة« تلك، وقد حمل ابنه الذي أسماه »ولاء« السلاح ضد الدولة، ولاذ بكهف بعيد. وفي »الكتاب الثالث« يلتقي سعيد في السجن فدائيù جريحù جاء عبر الحدود من لبنان، رأى فيه الجلال المسجى، وحين حاوره ضمّد جراحي بالحديث عن جراحه، ظل يوسع في الكوة الضيقة الوحيدة حتى رأيتها في عرض الأفق الذي لم أره من قبل، وأصبحت قضبانها المتشابكة جسورù نحو القمر، وما بين فراشه وفراش حدائق معلقة، وكنت أحدثه عن نفسي بما كنت أحلم به، وما كنت كاذبا، إنما خشيت أن أدنس جلال هذا المقام بخصوصيات جردني منها السجانون حين جردوني من ملابسي الخصوصية..«، وينتهي الأمر بسعيد إلى الجلوس على قمة العمود، يرفض النزول عنه، صحيح انه تغير، وأيقن أن تنازلاته كلها لم تجد شيئا، لكنه عاجز عن النزول إلى الناس والمشاركة في نضالهم، ولا يجد أمامه سوى الاستنجاد بالكائن الفضائي الذي يستجيب له، فيحمله إلى حيث أَلَقْت..، هو الجنون أو هو الموت، وتكون كلمة »يعاد الثانية« خير ما يقال في وداع »أبي النحس«، لقد أراح واستراح!. } العملان الأخيران لإميل حبيبي »اخطية« و»سرايا« توأمان أو كأنهما توأمان. »إخطية«: رواية الحنين إلى حيفا في حيفا، رواية استعادة »أيام العرب« حين كانت الفاكهة حلوة المذاق لا حد لحلاوتها، وكانت الدنيا واسعة لا حد لاتساعها »كانت دنيا بأكملها مشاعة لنا، حلالاً زلالاً علينا، كانت الدنيا والآخرة هي بلادنا..«. إنما من هذه الدنيا التي ضاعت يستدعي الروائي أحداثا وشخوصا، يرويها لنا في غنائية عذبة، واستخدام خاص للغة، وتطوير خصب لأساليب الكتابة العربية وجمالياتها. لكن هذا ليس كل شيء في »اخطية«، عنها يكتب صاحبها وقد قاربت نهايتها: »إني أجدها الآن ما ان تشرف على النهاية حتى تشرف على حديقة جديدة أو شاطئ جديد. (..) ان حالي فيها كحال الوالدة حين كانت تفك الكنزة الصوفية العتيقة خيطا خيطا، كانت تعقد أطراف هذه الخيوط فتصبح خيطا واحدا تنسج منه..«، هذا أقرب وصف لها، هي خيوط، بعضها من الذاكرة، وبعضها من الواقع، بعضها من التراث العربي، وبعضها من الممارسات الفلسطينية القديمة، بعضها من الداخل (داخل الذات والحدود معا)، وبعضها من الخارج (بالمعنى نفسه)، والروائي يحاول أن يجعل من هذه الخيوط نسيجا لا تتنافر ألوانه، وأن يحكم سداه ولحمته. ولا أزعم أنني فككت كل حروف الشعرة التي كتبت بها »اخطية« لكنني أستطيع القول ان »التخلي« هو السبب وراء ضياع اخطية ومن بعدها »سروة«، ولكل »اخطية«.. »عظم من عظامه، ولحم من لحمه«، هو الذي أضاعها، وهو الذي يركض وراءها، وحين يراها يخيل إليه أنه رآها لن تكون سوى وهم خُلَّب، فهو إنما أضاعها يوم تركها وتخلى!، إنما مثلها مثل معالم حيفا القديمة، كما يقدمها ذاكرتها وراويتها وشاهدها: »تلك الأماكن كلها لا تذهب عنكم، بل تذهبون عنها، لا يأخذونها منكم، بل يأخذونكم منها، يرحلون عنها ولا يعودون، أما هي فلا تعود لأنها لا ترحل«، ثم ان »اخطية« قطعة رائعة من فن القص، جوهرة صقيلة، استطاع صائغها أن يخفي لنا عرقه وهو يصوغها، وبقيت في وجوهها المتعددة مثقلة بهموم الباقين داخل الزنزانة الكبيرة، ومن شأنهم ان شاؤوا التواصل أن يدقوا على جدرانها في لغة خاصة، موجزة وبليغة، تستعين بالصورة والرمز والصورة الموحية وتحميل الكلمة الواحدة أكثر من معنى واحد، والاحالات الكثيرة إلى المأثور وطاقته الوجدانية الهائلة. إجهاد القارئ } قل مثل هذا وأكثر عن »سرايا«. إن صاحبها يبلغ في استخدامه للغة حدù غير مسبق في ما أعرف من أدب العربية، حدù يجعل من نصه عملاً بالغ الإجهاد لقارئه، بالغ الإمتاع له في الوقت ذاته. ولئن كان النص مجهدù للقارئ فلا شك في أنه كان أتونù حقيقيù احترق الكاتب فيه مع كل فقرة وجملة ولفظة. أكثر من مرة لا يقوى الكاتب على احتمال بلواه فيتخفف منها، ها هو يشكو لقارئه: »هذا الأتون هو هذه »الخرافية« السيرة المسيَّرة، كدت أصف هذا الأتون بنار جهنم الحمراء من شدة ما أقاسيه من آلام محرقة..«. وحين صدرت »سرايا« في 91 كتبت عنها (راجع من فضلك: »خرافية سرايا بنت الغول، عن عذاب الكتابة وعذوبتها« في »من أوراق الرفض والقبول«، 93، ص 153 158): »بعبارة من عندنا: ثمة هاجس يهجس للكاتب بأن هذا آخر أعماله، وأنه قد لا يقوى بعده على »مجالدة« عمل آخر، وربما كان هذا الهاجس وراء ما نجده في »الخرافية« من حضور واضح لذات الكاتب وحياته وعائلته، على نحو يجعل منها شيئا أقرب الى »سيرة ذاتية مفننة«، ليست سيرة تنحو منحى تأريخيù أو موضوعيù أو تلتزم إطارù محددù سلفù، لكنها فوضى من الصور والحكايات الصغيرة والوقوف أمام الأماكن ونبش الذكريات، ومحاولة صياغة هذا كله في سياق متسق. زد على هذا إحالات الكاتب وتضميناته التي تمده بها جعبة ثرية، جنبù الى جنب تجد استلهام أسفار التوراة وإصحاحات الإنجيل وآيات القرآن وترانيم اخناتون، تجد المعري والمتنبي والنواسي والبحتري، تجد ابن الأثير وابن طفيل وابن جبير وأسامة بن منقذ، تجد أفلاطون ولينين وجورجي وأوسكار وايلد.. لكن أثمن ما ستجده هو وصف أرض فلسطين: عكا وحيفا والكرمل والزيب وشفا عمرو والناقورة..، هو ليس وصفا باردا تقدمه عين محايدة، لكنه استنطاق للمكان، والكاتب شأن أسلافه من الشعراء الذين يحبهم ويستشهد بهم يقف أمام الأماكن التي عرفها من قبل في طفولته وصباه، والتحمت بصميم حياته ووجدانه. إنه يبحث عن المكان القديم المحفور في الذاكرة، وينظر الى ما أصبح عليه.. ثم تغلبه اللوعة فلا يقوى على كتمانها.. وفي »خرافية« إميل لحن باطني متردد: قوامه مساءلة الذات ومحاسبتها، والقسوة في تلك المساءلة، والنظر في اختيارات الماضي، والتوق الحارق لفرصة عذراء تتاح له كي يختار ما سبق ان اختار سواه. قسوته على الذات تتمثل في تلبية استهلال ابن الأثير لرواية ما شاهده من غزو المغول: »فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيù منسيù..«: ما تلك الاختيارات؟ في »خطبته« يحدثنا إميل حبيبي انه لم يهتد إلى حقيقة »سرايا« إلا في الصفحات الأخيرة من العمل، وأنه ذُهل من الحقيقة التي تكشفت لعينيه.. »ولكنني لم أسمح لنفسي بإخفائها مع أنها جاءت مناقضة للنهج الذي اخترته لحياتي من حيث اعتقادي بأنه من الممكن ومن المفيد »حمل بطيختين بيد واحدة«. الانشغال بالسياسة والانشغال بالأدب!«. وها هو الآن في »يقظته المتأخرة« يتمنى أن تتاح له فرصة اختيار ما سبق له ان اختار سواه: الانشغال بالأدب بدل الانشغال بالعمل السياسي اليومي. ولعل إحساسه بتأخر تلك اليقظة هو ما يدفعه الى احتمال هذا الأتون، ومواصلة السير على درب الآلام بحثا عن »سرايا«! ولعله من التزيد بعد ذلك التساؤل عمن تكون »سرايا«. انه يشبه تماما التساؤل عمن تكون »اخطية«. وقد سبق القول ان بين هذين العلمين من التشابه ما يمكن أن يكون بين توأمين، سواء في طريقة القص (فات عليك القول عن »اخطية« ان صاحبها ما ان يبلغ نهايتها حتى يجدها تنفتح على حديقة جديدة، وهو يقول أيضا عن »سرايا« انها رواية تنفتح على رواية) أو في المعنى العام الذي يربط أجزاء كل من العملين (في الخرافية يقول عن سرايا: »لكل منا، يا ختيار، سراياه الهائمة على وجهها، كما هامت يمامة سيدنا نوح بحثù عن الأرض..« كذلك لكل اخطيته« عظم من عظامه ولحم من لحمه.) أو في الوقوف أمام الأماكن واستنطاقها، أو في استخدام اللغة وظلال الكلمات وتطوير أساليب الكتابة العربية، والاستطراد بوجه خاص، والحساسية الفائقة في تناول الألفاظ حتى ليصبح للحرف الواحد أهميته ودلالته (في شتى صور الجناس والطباق والسجع والاختصار والتصحيف). لكن إميل حبيبي وهو يفنن سيرته الذاتية في هذه اللغة الخاصة، وهو ينبش في أعماق الذاكرة لا ينفصل، لحظة واحدة، عن الواقع المعيش، واقع هؤلاء الذين يعيشون في الزنزانة الكبيرة، »داخل حدود الدولة التي لا تكف حدودها عن الانتشار«، معرضين في حياتهم اليومية للقهر والبطش والملاحقة والتضييق في الرزق والحركة، يسرق منهم تراثهم وتاريخهم، وتشوه معالم الأماكن التي ألفوها وعاشت في ذاكرتهم، إنما لهذا يستخلص إميل حبيبي من قبضة العدم الوشيك كل ما يقوى على استخلاصه من صور المكان والحياة والممارسة، يود أن يحفرها عميقا في وجدان أهل وطنه، فلا ينساها منهم أحد. (القاهرة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة