تشهد منطقة حارك حريك يوم غد الجمعة حدثù دينيù واجتماعيù كبيرù، محوره مسجد الامامين الحسنين التابع »لمجمع بهمن الاسلامي«، الذي انتهت مؤخرù المرحلة الاساسية من بنائه، ليتم تدشينه مع اعلان السيد محمد حسين فضل الله القيام ب »صلاة الجمعة«، التي كان يُستعاض عنها بالصلاة اليومية مضافة اليها خطبة الجمعة.. ومن هنا سيفقد مسجد الامام الرضا في بئر العبد »خاصيته« في يوم الجمعة من كل اسبوع، وسيفتقد الى »نبرة« الخطيب وانفاس المصلين، »ليحتكر« هذا الدور »منافسه« الجديد، لا سيما في ظل عدم امكانية اقامة صلاتين للجمعة في مدى خمسة كيلومترات ومئتي متر (فرسنح) بالحكم الشرعي، حيث انه اذا اقيمت صلاتان، فان الثانية تبطل لمجرد بدء الاولى. وتبرز اهمية »صلاة الجمعة«، ليس باعتبارها احد الشعائر الدينية فحسب، وانما بما ينتج منها من مترتبات اجتماعية، اذ انها تستوعب المصلين في منطقة يزيد شعاعها عن عشرة كيلومترات من جميع الجهات انطلاقù من نقطة المحور (المسجد). وانطلاقù من ذلك، فان عشرات الآلاف من المواطنين مدعوون الى اداء هذا الواجب الشرعي الا في حالات استثنائية معينة، وخارج اطارها تغدو المشاركة في اداء هذه الصلاة بمثابة حكم الزامي لا يمكن ان يمارسه الانسان وحده كبقية الصلوات، ولا يمكن تأديته الا جماعة. وفي ظل هذه الشروط، يتوقع ان تتقاطر جموع المصلين من مختلف المناطق اللبنانية الواقعة ضمن نطاق المسافة المحددة بالنص الشرعي، لينتج من ذلك نوع من الاندماج الاجتماعي نتيجة الاحتشاد الاسبوعي، اضافة الى اشكال التوعية الشاملة والتعبئة الروحية، والتي يمكن لها ان تهيئ من خلال المنبر الخطابي كل عناصر الوعي والاثارة في القضايا التي تعكس الواقع العام. ولعل ذلك يتحقق من خلال خطبتين (احداهما دينية، والاخرى سياسية واجتماعية) تسبقان الصلاة، وقد تحلان محل ركعتين من صلاة الظهر بحسب الاحاديث، لتمثل الركعتان الاخريان صلاة الجمعة. ولكن ماذا عن توقيت اعلان »صلاة الجمعة«؟ ليس ثمة مناسبة معينة لاعلان القيام بهذه الصلاة بالمعنى الزمني من قبل السيد فضل الله، اذ ان المسألة كانت تنطلق من خصوصية هذه الصلاة، باعتبارها لدى الكثير من العلماء في المذهب الجعفري تستوعب منطقة تزيد عن عشرة كيلومترات من جميع الجهات، وبالتالي فعلى الناس لدى الكثير من المرجعيات الدينية، وفي مقدمتهم الراحل السيد ابو القاسم الخوئي، الحضور للصلاة، الا من كان له عذر او عمل ملزم به، او وظيفة او مرض وما الى ذلك من استثناءات اخرى. ومن هنا فان الاعداد الهائلة التي تتطلبها تأدية »صلاة الجمعة« لا يتسع لها مسجد الامام الرضا. وانطلاقù من ذلك كان السيد فضل الله لدى مواجهته الكثير من الالحاح لاقامة هذه الصلاة، يعد بتأجيلها الى حين انهاء اعمال المسجد الكبير الذي تبرع في انشائه المحسن الكويتي الحاج عبد الحسين بهمن في نطاق المركز الاسلامي، الذي يتضمن ايضù مستشفى ومركزù ثقافيù اسلاميù. ولدى جهوزية المسجد الذي يتسع وباحته الخارجية لما يقارب عشرة آلاف مصلٍ، تمت الاستجابة لنداء الصلاة. اما من الناحية الفقهية، كان ثمة جدل في الوسط الاسلامي الشيعي حول »صلاة الجمعة«، حيث كان هناك رأي قديم يعتبر ان هذه الصلاة هي من شؤون السلطة الشرعية الاسلامية، وانها مرتبطة بما يسمى بالامام العادل، اي انه اذا لم يكن هناك الامام العادل بالمعنى الشرعي فلا تقام هذه الصلاة، او حتى انها لا تُشرّع كلية بنظر البعض. ولكن الرأي الفقهي الأخير يقول ان الصلاة واجبة بوجوب التخيير، بمعنى ان الانسان مميز بين اقامة هذه الصلاة وبين صلاة الظهر، وعلى هذا الاساس، فليس هناك جدل في الرأي الفقهي الأخير في اصل وجودها، وانما في مدى الزامية حضورها من قبل جميع المؤمنين غير المعذورين او في مدى لجوئهم الى التخيير. الا ان ثمة اجتهادù للسيد ابي القاسم الخوئي، الذي لا يزال الكثيرون باقين على تقليده، ينص على ضرورة حضور الصلاة على نحو الاحتياط الوجوبي. واذ يتوقع السيد فضل الله في حديث الى »السفير« ان تفيض الناس عن المسجد الى مدى الشارع، الا انه في الوقت نفسه »لا يشجع عرقلة السير للمواطنين، الا اذا انطلقت الدولة لتنظيم السير بطريقة او بأخرى«، كما يرى »انه من استطاع او وجد مكانù للصلاة، فهي واجبة عليه، واذا لا فهو معذور ويمكن ان يصلي صلاة الظهر«، وذلك من منطلق احساسه بارتفاع درجة التجاوب من قبل الناس، لان المسألة برأيه لا تتصل بالجانب الذاتي، بالشخص الذي يؤم صلاة الجماعة فحسب، ولا تتصل بالمسألة السياسية ليختلف الناس عليها من خلال حساسيتهم، ولكنها تتصل بعبادة يمارس الناس فيها ايمانهم، لا سيما لدى الذين يشعرون بأن عدم حضورهم الصلاة يمثل خطيئة بحسب تقليدهم الشرعي. و»صلاة الجمعة« ليست حديثة العهد في لبنان وتحديدù في الوسط الشيعي، اذ سبق للراحل السيد محمد حسن فضل الله ان اقامها في برج البراجنة على نحو الاحتياط الى جانب صلاة الظهر، اضافة الى الراحل الشيخ راغب حرب في جبشيت، وما زالت هذه البلدة الى جانب بعلبك تشهد وقائع هذه الصلاة بانتظام، كما ان المساجد التابعة للمذهب السني تحفل بهذه الصلاة منذ وقت طويل، مع اختلاف بشروط ادائها لجهة السماح به في المساجد القريبة او المحاذية خلافù للرأي الفقهي الجعفري في هذا المجال.. فتوى الخامنئي وكان الامين العام لحزب الله والوكيل الشرعي العام للامام الخامنئي في بيروت وجبل عامل السيد حسن نصر الله قد اصدر بيانù بالمناسبة اورد فيه فتوى مرشد الثورة الاسلامية السيد الخامنئي حول اصول المشاركة في »صلاة الجمعة«، وتنص على »ان هذه الصلاة في الوقت الحاضر هي واجب تخييري، بمعنى ان المكلف في الاتيان بفريضة يوم الجمعة مخير بين ان يصلي صلاة الجمعة او صلاة الظهر، لكن بالنظر الى فوائد واهمية الحضور في صلاة الجمعة، فلا ينبغي للمؤمنين حرمان انفسهم من بركات الحضور فيها«. وفي موضع آخر من البيان اوضح السيد الخامنئي »ان المشاركة في صلاة الجمعة من افضل القربات والطاعات، والمشاركة فيها والدعوة اليها لازمة وحائزة على الاهمية. من المؤمل ان يستفيد المؤمنون والمؤمنات من هذا الفيض العظيم الى الحد الاكثر«. وختم السيد نصر الله بيانه بالدعوة الى »اوسع مشاركة ممكنة في الصلاة العبادية السياسية التي ستقام ان شاء الله تعالى لتكون شكلاً من اشكال التعبير عن الوحدة الايمانية الرائعة التي هي شرط كل عز وانتصار وفلاح في الدنيا والآخرة«. فاتن قبيسي