قبل ان نبدأ تناول محاور هذا الاسبوع ومحاضراته لا بد من الاعتراف بأن هذا الاسبوع اصبح تظاهرة ثقافية هامة في الحياة الفكرية السورية وبدأ يستقطب المفكرين العرب بمختلف اتجاهاتهم. طرح هذا الاسبوع قضايا راهنة وساخنة نسبيا على الساحة الفكرية والسياسية بشكل يبتعد قليلا عن الطرح الاكاديمي ليلامس عقول شريحة كبيرة من المهتمين وبالتالي يخلق نوعا من الحوار والنقاش العام حولها. قسّم الاسبوع الى أربعة محاور هي الشرق أوسطية، العرب والنظام العالمي الجديد، مئة عام من التنوير، معوقات التنمية في الوطن العربي. العرب والنظام العالمي الجديد بدأ هذا المحور بندوة شارك فيها كل من الدكتور سمير أمين، والدكتور عصام الزعيم، والدكتور رفعت السيد وأدار الندوة الدكتور خضر زكريا حيث قسمها الى محورين رئيسيين »النظام العالمي الجديد«، و»مسألة العولمة«. وعن مسألة النظام العالمي الجديد تساءل الدكتور سمير أمين: هل هناك نظام عالمي جديد قائم بالفعل وهل كان هناك نظام عالمي فيما مضى من الوقت، ورأى ان العالم يعيش هذه الأيام مرحلة انتقالية بين نظام انتهى وآخر يبدأ، واكد ان هذا النظام العالمي الجديد الذي نسميه تجاوزا جديدا انما يقوم على أساس التحكم بالسوق العالمية وإخضاع الشعوب للتكيف مع هذا النظام وتهميش الآخرين. اما الدكتور عصام الزعيم فرأى ان هذا النظام العالمي الجديد قد أخفق ولم ير طريقه الى النجاح وأرجع ذلك الى أسباب داخلية تتعلق بآلية النظام نفسه، وأسباب خارجية تتعلق بالصراع بين الرأسمالية والاشتراكية. اما الدكتور رفعت السيد فرأى ان العالم يمر بمرحلة انتقالية جديدة بين هذين القطبين ولذلك تحاول الرأسمالية الآن ان تجد نوعا من التناقض مع بلدان اخرى لكي تجد مسوغا ومبررا لأعمالها. أما فيما يتعلق بمسألة العولمة التي شكلت المحور الثاني من الندوة، فبدأ الدكتور سمير أمين كلامه عن هذه المسألة بالقول ان العالم ينقسم الى ثلاث مجموعات رئيسة 1) المجموعة الاولى تمثل المراكز التقليدية في الانتاج، والتي لها قدرة على المنافسة في كل القطاعات، 2) المجموعة الثانية هي مجموعة البلدان التي لها قدرة على المنافسة لكن في قطاعات معينة (كجنوب شرق آسيا) 3) المجموعة الثالثة التي ليس لها أي قدرة على المنافسة (الوطن العربي أفريقيا). أما الدكتور عصام الزعيم فقد رأى ان ظاهرة العولمة ليست ظاهرة لا نهائية بل هي ظاهرة محدودة بالصراعات بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، والعولمة لم تتبلور بعد ولم تصبح نظاما عالميا كاملا. اما الدكتور رفعت السعيد فقد اكد ان العولمة انما تؤدي الى استبعاد كل مناطق الجنوب عن طريق الشركات متعددة الجنسيات وتحاول تهميش العالم غير الرأسمالي وبالتالي تبديد امكانيات الدول الفقيرة. الشرق أوسطية اكد جميع المحاضرين في هذا المحور رفضهم للشرق أوسطية واكدوا ضرورة الاستعداد العربي للمقاومة الثقافية والاقتصادية، فألقى الدكتور نبيل سكر محاضرة حول الامن الاقتصادي العربي في شرق أوسط متغير قدم فيها شرحا للمخاطر الاقتصادية الكبيرة الناجمة عن مثل هذه المشاريع وبالتالي ما يترتب عليها من إلحاق للاقتصاديات العربية بهذه المشاريع. والقى الدكتور محمد الاطرش محاضرة عن التصورات العربية للمشروع الشرق أوسطي سلط فيها الضوء على أن هذا المشروع يؤدي بالضرورة الى زيادة التفوق الاسرائيلي، واكد انه لا بديل لمقاومة هذه المشاريع من التعاون الاقتصادي العربي وإحياء السوق العربية المشتركة. وتحدث الدكتور سمير أمين في محاضرته »التحدي الاقتصادي للمشروع الشرق أوسطي الجديد« عن امكانية قيام مشروع الشرق أوسط الجديد، الذي خطط له بيريز، والذي يقوم على النفط والأيدي العربية والعقول الاسرائيلية، وقال ان هذا المشروع لن يستطيع ان يهيمن اقتصاديا على المنطقة فإسرائيل كما يرى الدكتور سمير أمين اقتصادها الذي هو ليس أفضل من الاقتصاديات العربية. وفيما عالجت محاضرة الدكتور حامد خليل التحديات الثقافية للمشروع الشرق أوسطي الجديد، اكد فيها ان اسرائيل تبذل أقصى جهدها لا لتغيير هويتها، وانما لتغير تركيبة المنطقة العربية على كافة الصعد الحضارية والاقتصادية والثقافية والسياسية. مئة عام من التنوير.. شغل هذا المحور الحيز الاكبر من محاضرات هذا الاسبوع وبدأت معالجته بطرح الاشكالية المنهجية للمشروع العربي الجديد، فرأى د. طيب تيزيني ان هذه الاشكالية تنقسم الى ثلاثة مستويات، المستوى الاول: وهو نظري منهجي ويتعرض الى قضية الهوية التاريخية، اما المستوى الثاني فيعالج قضية النهضة وامتدادها، والمستوى الثالث يعالج مسألة التصدي لقضايا المرحلة الحالية، ثم قدم الدكتور تيزيني عرضا للنظريات العربية القائمة: السلفية، البنائية، التطورية. ورأى تيزيني ان هذه النظريات تشكل عائقا على صعيد فهم التاريخ والنهضة، وتحول دون اكتشاف مجموعة من المفاهيم كمفهوم الهوية ومفهوم الخصوصية ومفهوم الذات الحضارية التي يمكن ان تشكل نقطة أساسية لفهم مسألة النهضة. ثم رأى الدكتور احمد برقاوي ان التنوير لا يمكن ان يوجد إلا بالقياس الى وجود ظلام يحتاج الى ان يزال، واكد ان التنوير يرفض اية قدسية ويحرر التاريخ من أية ايمانية ما ورائية، وتوصل الى نتيجة مفادها ان التنوير يطرح دائما السؤال الاساسي ما علاقة العالم بحرية الانسان!؟ فيما عالج كل من د. فيصل دراج ود. علي حرب فكرة التقدم في خطاب التنوير العربي، فرأى د. دراج ان التنوير يشمل كل مشروع سياسي وثقافي بشّر يوما بالحداثة، فيما قدم د. علي حرب نقدا لمفهوم التقدم في خطاب التنوير، فأشار الى المأزق الذي يقع فيه الفكر العربي حيث وصل الى مرحلة اصبحت فيه الديموقراطية استبدادا والوحدة تمزقا، وتحدث عن تحول مفهوم التقدم الى أسطورة وهيمنة شرائح ونخب فأصبح القرن العشرون اكثر عنفا، لذلك رأى الدكتور حرب ضرورة نقد أفكارنا وطرائق تفكيرنا وان لا نتعامل مع الافكار بطريقة خرافية او غير تنويرية وعلينا ان نمارس النقد ليس بمعنى النفي للآخر، وانما من اجل امتلاك امكانات جديدة في التفكير للخروج بالعقل من عجزه. اما الدكتور ناصيف نصار فعالج علاقة التنوير العربي بالفلسفة ومدى انتماء هذا التنوير الى حقل الفلسفة، فرأى ان المفكر النهضوي فرانسيس راش هو أول من وضع البذور الحقيقية للتفكير الفلسطيني التنويري العربي. اما الشيخ جودت سعيد فأثبت استمرارية رجالات الاصلاح الاسلامي واكد رحابة الاسلام وسماحته وان ليس لأحد رفض الاجتهاد او التأويل او القراءة المختلفة للظاهرة الاسلامية. الباحث جمال باروت تناول أسباب اخفاق الاصلاح الاسلامي واكد، كعادته، ضرورة تجاوز الفهم التقليدي للعلمانية لان اي تغيير حقيقي لن يعطي ثماره ما لم يندغم في وعي الامة. اما الدكتور عبد الرحمن الكواكبي، فقد تحدث عن الديموقراطية والشورى في فكر جده الكبير. اما محاضرتا د. فهمية شرف الدين والباحث حسين العودات فعالجتا موقع المرأة في خطاب التنوير العربي سواء في اسهامها في صياغة هذا الخطاب ام موقف هذا الخطاب منها. وفي النهاية شرح د. عبد الرزاق عيد أزمة التنوير العربي وحدد مظاهر هذه الازمة في الانحدار التدريجي للخطاب العربي عن الصورة النموذجية التي قدمها الفكر النهضوي العربي في بدايات القرن. معوقات التنمية العربية عالج هذا المحور إخفاق مشاريع التنمية العربية وحدد عوامل هذا الاخفاق وربط المشكلات المختلفة للمجتمع العربي وانعكاساتها على المشروع التنموي العربي »المسألة السكانية، المسألة التعليمية، الواقع الاجتماعي، المحلي والعالمي في هذه الازمة«. وحاول الباحثون هنا ان يقوموا بمراجعة نقدية للتنمية العربية ولا سيما بعد التغيرات العالمية: أين نقاط الفشل؟ نقاط النجاح؟ ما علاقة التنمية بمشروع الشرق أوسطية؟ ماذا سيحدث لمشاريع التنمية ان نجح هذا المشروع.. الخ.