عندما شاهدت فيلم »الشيخة« في الجامعة اللبنانية الاميركية، حيث عرض في إطار اسبوع المرأة العالمي، الذي نظمه معهد الدراسات النسائية في العالم العربي، لم أرتح كثيرا للفيلم، وكان موقفي منه متجاذبا. فممثلوه قاموا بأدوارهم بعفوية وصدق اعطياه الكثير من الجمالية، وهذا يعود الى معاناتهم الفعلية، فهم ليسوا ممثلين كما نعلم، ولا اعتقد ان الفضل في موهبتهم يعود »لإدارتهم« الفذة، لكن لانهم اصحاب المشكلة الفعليون واصحاب موهبة. مع ان الشيخة نفسها رفضت تمثيل الفيلم، فهي كما اجابت تحب ان تمثل، لكن شخصية مختلفة عن شخصيتها، ولهذا معنى، انه تعبير عن معاناتها الواعية واللاواعية، التي ترفض »ذاتها« وتريد ان تتماهى مع مثالات مغايرة، ان »تلعب« ادوارا اخرى على الاقل! كما اعجبني التصوير في الفيلم، وفيه الكثير من المشاهد الجميلة، والسينما هي مشاهد بالدرجة الاولى، لكنها الآن ايضا »سيناريو«، والفيلم يبدو لي انه يعاني من ضعف السيناريو الغائب عمليا، وهو بهذا لم ينجح في ان يكون فيلما روائيا، ولا نجح في ان يكون فيلما وثائقيا، لان من يعرف بعض »حكايات« هؤلاء الاطفال، يعي جيدا ويلمس مدى إفقار الفيلم للواقع، ان واقع هؤلاء الاولاد اكثر غنى من اي خيال. هنا اجد ان المخرجة لم تنجح في إظهار معاناتهم الفعلية المتعددة الاوجه، كما لم تستطع »احتواء« شخصياتهم والتعبير عن مروحة المشاكل الواسعة التي نتجوا عنها، فبدا الفيلم نسخة مبسطة لسيناريو بوليسي فقير، يشكو من غياب تعدد الواقع ومفارقته والتباسه. فهو لم يكن اكثر من عرض مجتزأ لمشكلة الجناح والتشرد، ولمشكلة الاطفال الذين يفتقرون الى أطر للعناية بهم او لمجرد احتوائهم، أطر »تعرف« ان تفعل ذلك. لكن ذلك كله، لم يدفعني للكتابة عنه، قلت في نفسي، لمخرجته الحق في عمل ما تريد او ما تستطيع، ولأترك الحكم للنقاد وللجمهور. فمالي والتسرع والحشرية؟ لكن عندما قرأت تعليق د. رجاء مكي طبارة، استعدت الفيلم واستعدت موقفي المتجاذب منه، او لنقل تناقضي الوجداني الذي اثاره في داخلي، واستغربت ان لا تطرح الزميلة سوى نقاش مسألة واحدة في الفيلم، فتتهم فيه مخرجته بالتحيز وبالطائفية. لا اعرف ليلى عساف شخصيا، ولا ادعي الدفاع عنها، لكن نظرا لظروف عملها ولكونها متزوجة من اجنبي وتعيش في الخارج، لم اعتقد للحظة واحدة انها قد تكون طائفية بالمعنى الذي انبثق فجأة في ذهن الدكتورة طبارة. عندما شاهدت الفيلم، كان احساسي انها تقرر واقعا فعليا، فلم الكذب على الذات! لن ادخل في نقاش حول »المنطقتان« و»الحضارتان«، فمن خلال عملي البحثي الطويل، أقر بعدم وجود حضارتين متعارضتين، بل حضارة واحدة تحاول جاهدة ان تلتحق بالغرب وبنماذجه، وان بطرق ملتوية احيانا. لكن ذلك لا ينفي التمايز، ليس التمايز الانطولوجي الفلسفي، بل التمايز الذي يفرضه الواقع السوسيولوجي، واقع عدد أفراد الأسرة، وكيفية توزيع الدخل، وكيفية التعامل مع المدرسة ومع أوقات الفراغ ومع الشارع. وهو امر يتعلق بالتطور نحو الاسرة النووية، بحسب التسميات الحديثة. هذا التطور تنحو نحوه الاسرة في المنطقتين على تمايزهما، لكن تسبق منطقة الاخرى على هذا المستوى، وهو سبق كمي وليس نوعيا. لكن مع ذلك له آثاره الملموسة على أرض الواقع. وكي ادخل في الموضوع مباشرة، ودون فذلكات نظرية، سوف اعمد الى عرض وقائع ميدانية صرفة. في الاعوام 1993/94 تتبعت بعض الاوضاع الناتجة عن الحرب، لا لشيء، الا كي افهم انا شخصيا، ومن بينها تتبعت اوضاع الاولاد في السجن وفي الاصلاحية، ودرست حالة 47 ولدا تتراوح اعمارهم بين 11 عاما و18 عاما، موزعين بين سجن رومية والاصلاحية في منطقة الفنار. كان عدد الاولاد في السجون اللبنانية حينها لا يتعدى السبعين، او هو اقل من ذلك بقليل. وجدت ان عينتي تضم من بين ال 47 حالة، ثلاثة فقط من المسيحيين وما تبقى كانوا مسلمين! ولن أذيع سرا اذا قلت ان اعداد المسلمين في السجون تفوق اعداد المسيحيين. احترت في حينها لهذه الملاحظة، التي لم انتبه لها الا بعد ان عاينتها ميدانيا، وفكرت حول سبب هذا التفاوت الهائل! هذا بالاضافة الى سمة طبعت الكثير من الاولاد الذين عاينتهم، وهي انهم كانوا يقومون بسرقاتهم قريبا من اماكنهم السكنية وهي في معظمها قريبة من المخيمات او في وادي ابو جميل وبعد ذلك يهربون، بعيدا، بعيدا جدا عن مسرح جريمتهم باعتقادهم. الى أين! الى الشرقية، وجونية هي نهاية هذا العالم الذي يعرفونه. لكن هناك ما كانوا يتركون دائما على هواهم، كما كان يحصل هنا، بل كانت الشرطة تلاحقهم، بحسب اقوالهم نفسها (وكان هذا اعتداء على حريتهم الموهومة)، ويضطرون للهرب والاختباء. وفي الكثير من الاحيان ذكروا لي ال pڈre سليم (يقصدون الاب سليم غزال طبعا) الذي كان يؤويهم لفترة ويعطيهم ما يلزمهم من الثياب والمساعدة، ويحاول بعد ذلك اعادتهم الى مناطقهم وذويهم، كي يعاودوا الهرب مجددا، لفقدان الرعاية وعلى انواعها. هل كان يسألهم احد شيئا في مناطقهم الاصلية؟ يأخذهم الى ميتم، مدرسة او اي شيء مشابه؟ لم يذكر لي احدهم سابقة في هذا المضمار. ناقشت الامر مع مدير الاصلاحية، الذي اكد لي ملاحظتي بشكل عام. وعندما سألته عن السبب، او الاسباب في ذلك، ذكر لي كعامل اولي، اعداد افراد الاسرة واختلافها بين الطائفتين، فالأسرة المسلمة تضم عامة عددا اكبر من الاولاد، مما يستتبع وضعا ماديا اكثر صعوبة وازدحاما اكثر وعناية ورعاية أقل. وربما يتوج هذا الوضع وجود مؤسسات رعائية اقل عددا، او ربما اقل فعالية نظرا للوضع الأشد ضغطا في هذه المنطقة. ولم اتحر كثيرا عن هذه النقطة، سوى ان احدى طالباتي احضرت لائحة بعدد الجمعيات المرخص لها، فوجدنا ان اعدادها كبيرة جدا، نظرا للعاملة فعليا بينها. هذه المواضيع لم اكن احب اثارتها، نظرا لخلفيتها الطائفية وللنقاش غير المجدي الذي قد تثيره. لكنني وجدت نفسي في وضعية، كمن يخفي معلومات، ربما يكون من الاجدى معرفتها ونقاشها علنا، بدل الاختباء خلف اصبعنا الصغيرة. لذلك ما اثاره الفيلم في نفسي، ليس اعتراضا على انحياز لم اعتقد بوجوده، نظرا لانني مهيأة نفسيا لرؤيته ببعض الموضوعية او لنقل ببعض التجرد. ما أثاره الفيلم عندي، كان على مستوى آخر، مستوى معالجة المشكلة، والتي تم فيها نوع من عمل خطي (Linژaire) متواصل لا ينتبه للتفاصيل الصغيرة الموحية، الدقيقة والشفافة (Subtiles)، ولا يعتني بسيناريو او بإظهار تجربتهم المتعددة الاوجه، لذا لم اعرف هل احاسبه على انه نقل لواقع معيش، اذ انه ينقص منه الكثير، ام انه فيلم، له حكاية ذات رواية وسيناريو تتمتع بخيال خاص، وبالتالي يبدو عندها ضعيفا وغير منسجم بما فيه الكفاية على هذا المستوى. ثم انه في النهاية، فيلم، فهل يجب منع الأفلام او الاشكال الفنية (او غير الفنية) التي لا تعجبنا، او لا تتوافق مع آرائنا المسبقة او مع مواقفنا الشخصية او الطائفية او العلمانية! ما يقلقني فعلا، هو خارج هذا السياق تماما، ما يقلق، ما هو مصير الشيخة نفسها ورفاقها التي سمعت وقرأت انها حامل في سن الثالثة عشرة! وما يثير حساسيتي، التساؤل عن مصير ممثلة الفيلم نفسها، التي قرأت ايضا انها عادت الى الشارع! فهل حقا؟ وهنا، أدين نفسي، والمخرجة ومجتمعنا بأسره، الغارق في اوهامه السياسية و»النضالية«، التي لا ينتج عنها سوى »دون كشيوتية« غير ذات معنى، ينتج عنها مزايدات »وطنية«، فيما المواطن نفسه ينوء تحت حمل هذه »الوطنية« لغياب »المواطنية« الفعلية. »فعندما أهرب الى طائفة« اي مجموعة كبيرة من الناس او أدافع عنها، يفقد المعنى معناه، وتفتقد المسؤولية وظيفتها، اي تنتفي محاسبة الذات، والانتباه للبشر، بما هم كائنات ضعيفة مريبة. الطائفية او الطائفة او المنطقة او صورة هذه جميعا عندنا، عناوين كبيرة لا تشكل سوى هرب من معالجة المشاكل الفعلية او الحقيقية المتعلقة بال »إنسان«! فماذا كان مردود هذا الفيلم اجتماعيا، سوى جائزة مخرجته! ماذا حصل لعلاج هؤلاء الاطفال، او لرعايتهم فقط!