As Safir Logo
المصدر:

زيارة شيراك:وقائع جلسة مجلس النواب وحفل الاستقبال شيراك:نرفض تسوية ضد مصالح لبنان ومستعدون لضمان الحدود بري:سوريا حاجة لبنانية وندعو لمبادرة فرنسية ضاغطة لرفع الإحتلال(صور)

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1996-04-05 رقم العدد:7355

كتب نبيل هيثم الرابع من نيسان 1996.. الرئيس الفرنسي جاك شيراك في المجلس النيابي اللبناني. هذا التاريخ، مهم طبعا، للبنان كدولة تستضيف رئيس دولة كبرى لها ثقلها الدولي، صديقة له، وبصماتها مباشرة على تاريخ الجمهورية اللبنانية، حتى الأمس القريب، إلا أنه، بالغ الأهمية للمجلس النيابي، كمؤسسة اشتراعية انبثقت عن انتخابات نيابية، لقيت ما لقيته عند اجرائها صيف العام 1992، من تشكيك فرنسي بنزاهتها ومصداقيتها، ولم يصدر في شأنها موقف رسمي على مستوى الدولة الفرنسية، يبدِّد هذا التشكيك، واعتبارها كأمر واقع. فوجود الرئيس شيراك، في المجلس، ضيفù وخطيبù، كأول رئيس دولة أجنبية، وكما اعتبره النواب اللبنانيون، هو تأكيد صارخ على اعتراف الدولة الفرنسية بشرعية المجلس، وجودù وإنجازات.. فخير أن يأتي الاعتراف متأخرù من ألا يأتي أبدù، وتوقيته في هذه المرحلة التي يعيشها لبنان، تأكيد لضرورة لبنان وموقعه.. ساعات النهار، استغلها المجلس لوضع اللمسات الأخيرة على التحضيرات لاستقبال الضيف الفرنسي، فرشت سجادة حمراء وسط البهو انطلاقù من أسفل درج المدخل، إلى القاعة العامة، الأعلام الفرنسية واللبنانية رفعت جنبù الى جنب وسط ساحة النجمة، وفوق »القبة« الخارجية للبرلمان، ومن تحت، شطف الزفت، وكان الكل منهمكù، وسدت »المنافذ« الى ساحة النجمة بالانضباط العسكري، وحتى الثانية بعد الظهر، كانت التحضيرات قد انتهت. وعلى غير العادة، حضر النواب الى ساحة النجمة باكرا، واحتلوا مقاعدهم قبل نحو ساعتين من حضور ضيفهم، والحال ذاته بالنسبة الى الضيوف. إذ اكتمل عقد ممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة في لبنان، وكذلك ممثلي النقابات والموظفين الذين انتظروا وصول الضيف، وكان لافتا للانتباه غياب السفير الأميركي في لبنان ريتشارد جونز، الذي غاب أيضا عن الاستقبال في مطار بيروت، وقد يكون استعاض عن ذلك بالزيارة الصباحية التي قام بها الى المجلس حيث التقى نائب الرئيس ايلي الفرزلي على مدى ساعتين، وكان شديد الحرص بعد ذلك على القول بعدم وجود منافسة أميركية فرنسية على لبنان، وغيابه دفع بعضو في كتلة نواب »حزب ا"« الى القول: كون الأميركيين لم يحضروا، معنى ذلك أن زيارة شيراك مهمة للبنان. الخامسة والدقيقة الخامسة والخمسين، دخل الرئيس شيراك الى القاعة العامة، محاطا برئيس المجلس نبيه بري ورئيس الحكومة رفيق الحريري وسط تصفيق نيابي ودبلوماسي وإعلامي، فبادرهم شيراك برد التحية بانحناءات تقديرية. افتتحت الجلسة، في هذا الوقت، بتأخير عشر دقائق عن الموعد المحدد، وتناوب الرئيسان على الكلام. الرئيس شيراك، وفي خطاب مطول استعرض الدور الفرنسي في لبنان، مذكرا بالعطف الفرنسي وأكد انه لا بد من انسحاب إسرائيلي كامل، وأبدى الاستعداد لمساهمة فرنسا بضمان الحدود بعد هذا الانسحاب، مشددا على أن فرنسا لن تؤيد تسوية سلمية لا تضمن كيان لبنان واستقلاله ومصالحه. دعا اللبنانيين في الداخل الى الحفاظ على اللحمة الوطنية، وفي الخارج الى العودة وتجنيد إمكانياتهم وأصدقائهم لضمان مستقبل لبنان. أما الرئيس بري، فرحب ب»سليل المقاومة الفرنسية« باسم مجلس نيابي لشعب مقاوم. أكد بري ان سوريا ما زالت تمثل حاجة لبنانية سياسية وأمنية، ودعا الى جهد فرنسي لرفع الاحتلال الاسرائيلي عن شعبنا، لافتا الانتباه الى ان المقاومة، هي نتيجة الاحتلال وليست سببا له. ورحب »سلفù« بمبادرة فرنسية تطلق موقفù أوروبيù ضاغطù يؤسس لعمل دولي مشترك ينطلق من تصحيح السياسة العدوانية وإرهاب الدولة في إسرائيل، والقبول بمعادلة الأرض مقابل السلام العادل والشامل تحت مظلة القرارات الدولية... بعد الخطابين، انتقل شيراك وبري والحريري الى الصالون الخاص برئيس المجلس، حيث التقى شيراك النواب نائبا نائبا، مصافحا (مع أخذ صورة)، وكذلك الدبلوماسيين والنقابيين، ثم عقد خلوة مع الرئيس بري، انضم اليها الرئيس الحريري استمرت نحو نصف ساعة وغادر شيراك بعد ذلك برفقة الحريري، وودعه بري حتى مدخل البرلمان. خطاب بري: فخامة الرئيس جاك شيراك المحترم، السادة أعضاء الوفد المرافق، السادة رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدة في لبنان، السادة المدعوون، زملائي النواب، انه لشرف كبير، ان نستقبل في لبنان، وفي المجلس النيابي اللبناني بشكل خاص رئيس جمهورية فرنسا السيد جاك شيراك. ان هذه الزيارة تعيد الى ذاكرة اللبنانيين المحبة الخالصة التي كان يكنها الجنرال ديغول لبلدنا وتؤكد الثقة بلبنان كضرورة دولية وان اصدقاء لبنان وفي الطليعة فرنسا مصممون على توليد الاطمئنان على مستقبل لبنان. ان زيارة فخامتكم اليوم تتوج اهتماما فرنسيا كبيرا بحاضر ومستقبل لبنان، عبرت عنه زيارات العديد من المسؤولين الفرنسيين منذ توليكم مقاليد الحكم، خصوصا زيارة رئيس الجمعية الوطنية فيليب ساغان، وزيارتكم التاريخية تشكل حدثا بارزا ودعما معنويا للبنان بمواجهة التحديات القديمة والجديدة المتمثلة بالاحتلال الاسرائيلي، وإزالة آثار الحرب والنهوض في خطط التنمية. كما أن هذه الزيارة الى المجلس النيابي وتوجيه فخامتكم كلمة الى اللبنانيين وممثليهم من تحت قبة البرلمان تشكل دعما للنظام البرلماني الديموقراطي في لبنان، وتشجع على المشاركة الضرورية في تعزيز هذا النظام. وزيارتكم للجنوب غدا فيها سيدي الرئيس كل مواعيد لبنان، فأهلا بك سليل المقاومة الفرنسية في مجلس نيابي لشعب مقاوم. فخامة الرئيس، إن لبنان الذي يستقبلكم اليوم استطاع ان ينتصر على عناصر الحرب الفتنة واستطاع ان يسلك الطريق نحو عملية التحول الديموقراطي رغم التشوهات السياسية التي حكمت واقعه قبل واثناء وبعد الحرب. وبدأنا نحقق مشاركة متزايدة للمواطنين في حياة المجتمع والدولة سواء على مستوى تشكيل السلطات واداراتها وبناء مؤسسات المجتمع المدني. إن لبنان الذي يستقبلكم اليوم يوسع نظام الضمانات والائتمانات وهي تشمل بشكل تدريجي قطاعات جديدة من شعبه وقد انطلقت في الوقت نفسه ورشة عمل واعمار كبيرة لازالة آثار الحرب وتحديث انظمة الخدمات. ان لبنان الذي شهد موجات هجرة كبيرة منذ ما يزيد عن مئة عام حتى كادت تستنزف موارده البشرية لم يعد فردوسا مفقودا بالنسبة لمئات الألوف من اللبنانيين المنتشرين في اصقاع العالم الذين يعززون يوما بعد يوم مبادراتهم وثقتهم بوطنهم. ولكن لبنان، الذي اعتقد مخلصا ان سلوكه طريق صنع وبناء سلامه وإطلاق خطط النهوض والانماء والاعمار امر سيفتح الباب لمبادرات متنوعة لدعمه ومساندته وجعله يكسب رهان الوقت ليلائم مطالع القرن القادم فوجئ بتوقيع عقوبة ضده هي منع قيام الصندوق العربي والدولي وفاء بالالتزامات التي رافقت توقيع اتفاق الطائف، وشعرنا ان هناك إرادة تسعى لمنع لبنان كمنافس محتمل على نظام الاقتصاد الاقليمي المخطط ومحاولة حثيثة لجعله رصيفا للتسوية. ان لبنان الذي استنزف موارده المادية يقع تحت عبء عجز متزايد في الوقت الذي لا نلقى فيه سوى دعم خجول من هنا وهناك باستثناء المبادرات السورية المتواصلة حيث مثلت سوريا ولا تزال حاجة لبنانية سياسية وأمنية اضافة لكونها عمقا استراتيجيا واثبتت انها أب عطوف غيور وباستثناء المبادرات المعنوية الفرنسية على المستوى الدولي التي تثبت انها لا يمكن ان تفرط بلبنان. إلا أن لبنان الذي يقع تحت ضغط ظل الوقائع الشرق اوسطية التي تعرفون وواقع الازمات التي نعيش لا يمكنه الاستمرار دون ان يبادر اشقاؤه جميعا واصدقاؤه جميعا وخاصة فرنسا الى لعب دور الرافعة الاقتصادية لوضعه. وهنا فإنني اراهن على مبادرة فرنسية تجعل الوعود التي تلقاها لبنان ممكنة التحقيق. ان لبنان يا فخامة الرئيس لا يمكنه ان يكسب معركة سلامه بدون تنفيذ مشروعات التنمية العلاجية وبدون تحقيق مشروعات التنمية المستديمة المخططة. ان مبادرتنا في لبنان تكاد تصاب بالشلل نتيجة ضغط الازمات الاقتصادية والاجتماعية ودواعي القلق والاحباط الذي نعيشه نظرا لعقوبة الحرمان الاجتماعي والاقتصادي المفروضة على لبنان والاحتلال الاسرائيلي الجاثم على ارضنا وعلى شواطئنا. انني اصارحكم يا فخامة الرئيس بأننا نحاول جاهدين ان لا نصل الى درجة التأزم ولكننا في واقع الأمر نقف وظهرنا الى الحائط. لذلك، انني باسم المجلس النيابي اللبناني اتمنى، ان تؤسس زيارتكم التاريخية لاطلاق تحرك دولي ضاغط لاجل ترسيخ عملية صنع وبناء السلام اللبناني ولرفع الاحتلال والعدوان الاسرائيلي عنه وفك أسر المعتقلين من ابنائنا في السجون الاسرائيلية. أقول ذلك لان ثمانية عشر عاما انقضت على اتخاذ مجلس الامن الدولي لقراره رقم 425 والقرارات اللاحقة، والمتمثلة في تأكيد انسحاب القوات الاسرائيلية واحلال السلام والامن الدوليين، ومساعدة حكومة لبنان في استعادة سلطتها الفعلية حتى حدودها الدولية. وأقول ذلك لان اسرائيل تواصل احتلال الاراضي السورية في الجولان رغم قرارات مجلس الامن الدولي. وأقول ذلك لأن القلق يساورنا جميعا بسبب قرارات حكومة إسرائيل مصادرة الاراضي وتوسيع المستوطنات خصوصا ان آخر مداولات اجراها المجلس في هذا الاطار كانت جلسته الرسمية الاخيرة في 12 أيار 1995. وأقول ذلك لأننا نلمس ان الامن الاسرائيلي والاحتياجات الاسرائيلية تتقدم لدى عدد من الأطراف المعنية بالتسوية على حاجات ضمان الأمن والاستقرار وازدهار الانسان في لبنان وسوريا ومصر والاردن وفلسطين. فخامة الرئيس انني اذ اشكر لفرنسا دائما مواقفها الثابتة الداعمة لقرارات مجلس الامن الدولي وفي الطليعة القرار 425 ووقوفها الى جانب القضية اللبنانية، ومشاركتها في قوات الطوارئ في الجنوب. وإذ أشكر لفخامتكم تخصيصكم جنوب لبنان بموقف تعبيري مباشر من خلال زيارتكم المتوقعة لمقر قيادة الطوارئ وهي زيارة لها دلالاتها الكبيرة وتقديرها الكبير من اللبنانيين جميعا رئيسا ومجلسا نيابيا وحكومة وشعبا. إلا أنني اتمنى على فخامتكم الدفع باتجاه جهد دولي مشترك لرفع الاحتلال والعدوان الاسرائيلي عن شعبنا وارضنا جهد مماثل للذي لمسناه في الخليج والبوسنة واماكن متفرقة من العالم. اننا في لبنان كما في سوريا بل على مساحة ازمة الشرق الاوسط لا نطالب الا بوضع الاحكام الصادرة عن اعلى سلطة دولية ممثلة بمجلس الامن الدولي موضع التطبيق. فخامة الرئيس اننا نرحب سلفا بمبادرة فرنسية تطلق موقفا اوروبيا ضاغطا يؤسس لعمل دولي مشترك ينطلق من تصحيح السياسة العدوانية وإرهاب الدولة في اسرائيل والقبول بمعادلة الأرض مقابل السلام العادل والشامل تحت مظلة القرارات الدولية. ان لجوء اسرائيل الى القوة واحتلال الاراضي هو الفعل الذي استدرج نشوء المقاومة وهناك خط فاصل واضح بين المقاومة والارهاب، فالمقاومة اللبنانية للاحتلال الاسرائيلي هي نتيجة للاحتلال وليست سببا له تماما كما المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي. فخامة الرئيس ان ما تقدم يمثل الجذور العميقة والتحديات القديمة لعملية التسوية والسلام، اما التحدي الجديد لكل سلام قطري وكذلك للتسوية الشاملة فإنه يتمثل بالتنمية في سياقات السلام، والاقتصاد، وحماية البيئة، والعدالة الاجتماعية، والديموقراطية. ان هناك محاولة متواصلة لاحلال نظام اقليمي ينتج عن اطار للتعاون الدولي بعنوان الشرق اوسطية. ان النظام المطروح لا ينظر الى جميع القوى الممثلة فيه على نحو عادل ومتوازن وهو في واقعه نظام آحادي تشكل فيه اسرائيل نقطة المركز على حساب الجميع. إننا من جهتنا نرى ان »المتوسطية« هي الاطار الارقى للتعاون الانمائي وهي الخيار الذي يؤسس لاتخاذ اجراءات داعمة لخطط التنمية الشاملة وتنمية الموارد البشرية على الصعيدين الوطني والاقليمي والى قيام نظام متعدد الاطراف قوي وفعال. اننا في هذا الاطار ننوه بقرارات البرلمان الاوروبي المنعقد في ستراسبورغ بتاريخ 14/12/1995 وبالسياسة المتوسطية للاتحاد الاوروبي والاقتراحات لتحقيق شراكة اوروبية متوسطية تأخذ بعين الاعتبار المصلحة المشتركة للدول المتوسطية واسجل في هذا الاطار انه عندما تتعثر حركة العمل الاوروبي فإن العرب سيكونون أول المتضررين. فخامة الرئيس إن لبنان وفرنسا قادران على لعب الدور الأساسي في تحقيق مشروع الشراكة هذا. إن البلدين إذ شكلا انموذجا لعلاقات الصداقة العميقة والتاريخية من خلال دورهما وموقعهما في العالم العربي وأوروبا قادران على وضع اطار تنظيمي لهذا المشروع واطلاق مبادرة لتأسيس مجلس نيابي مكون من نواب متوسطيين وآخرين من دول شركاء لهؤلاء ارتكازا على الحوار البرلماني العربي الاوروبي وعلى وجود مؤسستين برلمانيتين هما الاتحاد البرلماني العربي والبرلمان الاوروبي وكذلك تشكيل نواة مجلس وزراء وامانة عامة يجتمعون بانتظام لوضع أسس هذا المشروع. فخامة الرئيس لقد أطلت عليكم ولكنها ساعة للحقيقة التي يجب ان نقولها لانفسنا ولصديق لبنان الكبير فخامة الرئيس جاك شيراك، والحقيقة وحدها ستخدم دون شك السلام والمصلحة المشتركة لفرنسا ولبنان. عشتم فخامة الرئيس عاشت فرنسا عاش لبنان خطاب شيراك: دولة رئيس مجلس النواب، دولة رئيس مجلس الوزراء، حضرات السادة الوزراء، حضرات السيدات والسادة النواب، إنه لشرف عظيم أن أتحدث اليوم أمام البرلمان اللبناني، هذا الرمز الذي يجسّد روح المؤسسات في بلادكم، وانني ممتن لكم على دعوتكم الكريمة هذه. لقد اخترت أن أبدأ بلبنان زيارتي الرسمية الأولى الى الشرق الأوسط، كي أعبّر عن حرص فرنسا على بلادكم وعن المودة التي تكنها لها بلادي. ولقد أحسن الجنرال ديغول، قائد فرنسا الحرة، اختيار العبارات المناسبة فعلاً في 27 تموز 1941 للتعبير عن متانة الصلات بيننا وديمومتها، حين قال: »إن كنا ابتهجنا لمعاودة الصلة بلبنان، فذلك ان إسم لبنان بحد ذاته يحرك في قلب كل فرنسي وشائج خاصة جدا. فاللبنانيون، هؤلاء الأحرار الكرام، كانوا، على مرّ التاريخ الشعب الوحيد، في العالم، الذي ظل عبر العصور، ومهما تقلّبت الأيام بين حلو ومر، واختلفت الأقدار، ظل قلبه يخفق خفقان قلب فرنسا«. وكيف لي أن أنسى، من ناحية أخرى، أن شعبكم آت من مسافة 6000 سنة من التاريخ، وأنه فوق ذلك يجيد لغتنا بطلاقة، ويشاطرنا قيمنا الحضارية والثقافية. والكل يعلم أن متانة الصداقة تستند أول ما تستند، إلى وشائج القلب والفكر. فأساتذتنا والجامعيون لدينا ورجال القانون والطب لم يكفوا يوما عن التواصل مع النخبة الفكرية لديكم، التي منحتنا شرف اختيار اللغة الفرنسية والولوج الى وجدانها، والاضطلاع بتدريسها. إن هذه الروابط القوية العريقة التي تربطكم بفرنسا وأوروبا منحت لبنان انفتاحا استثنائيا على العالم الغربي. وتتمثل ثروة لبنان وشخصيته الفذة في تلاقي الحضارات والأديان بفضل تواجده على ملتقى طرق الشرق والغرب، والمسيحية والاسلام، ودروب العالم الأوروبي والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي. لقد أبصرت دولتكم ومؤسساتكم النور غداة الحرب العالمية الأولى، ولقد اعترف المجتمع الدولي بأسره بحدودكم. وكانت فرنسا وما تزال شديدة الحرص على استقلالكم وسيادتكم واحترام سلامة أراضيكم، داخل حدود ثابتة، لا مساس بها. كونوا على ثقة أن التاريخ الذي جمع بيننا، إنما هو تاريخ نعتز به، ولم يحدث أبدا أن تحولت فرنسا عن الاهتمام بمصيركم. ففي أحلك ساعات المحن التي عشتموها، وحتى الآونة الأخيرة، كان أبناؤها وجنودها يسقطون ضحايا دفاعا عن قضايا الحق والسلام. أجل، إن فرنسا وفية لالتزامها التاريخي إلى جانب استقلال لبنان وسيادته. كيف لنا أن ننسى التضامن الذي أعلن عنه الجنرال ديغول مع لبنان فور وقوع الاعتداء على مطاره المدني؟ كيف لنا أن لا ننوه بالجهود المستمرة التي بذلتها بلادي بل وانفردت ببذلها أحيانا، من أجل مطالبة الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة باحترام قرارات المجلس كافة وعلى رأسها القرار 425 الذي يتيح للبنان أن يستعيد سلامة أراضيه؟ أجل، يا دولة الرئيس ويا دولة رئيس الوزراء ويا حضرات النواب: إنني أؤكد لكم رسميا هذا المساء: لن تكف فرنسا عن النضال من أجل سلام عادل وشامل في المنطقة، سلام يعيد إلى بلدكم سيادته كاملة على كل أراضيه: وأكرر ان فرنسا تود أن يكون لبنان حرù سيدù مستقلاً. وبعد اتفاقية الطائف، بعد أن طوى لبنان وهو الذي لم يحبطه اليأس يومù صفحة الحرب الطويلة الضروس، حان الأوان أخيرا للسلام والمصالحة والإعمار، وفرنسا تلتزم بهذه المسيرة إلى جانبكم بكل عزم، في هذه المرحلة الجديدة من تاريخكم. إن المودة التي تكنها فرنسا للبنان شعور نابض عميق لأنه يستند الى الوفاء لقيم مشتركة، قيم تمثل شخصية بلدكم الفريدة وخصوصيته في هذه المنطقة من العالم. ولا بد لكم من السهر على صونها وترسيخها بشكل أعمق في قلوب وعقول الأجيال الفتية. تتمثل رسالتكم في كونكم دولة نموذجية يتعايش فيها مواطنون من كل الأوساط والطوائف، ويتشاركون بالحكم. ويرتكز التنوع هذا، كما ترتكز إرادة العيش المشترك، على الحوار المستمر والاحترام الدائم. وبالتالي فإن أمورا كالنظام الديموقراطي البرلماني، وضمان الحريات العامة وحقوق الانسان واحترام معتقدات الجميع إنما تمثل الطموح اللبناني الحق. وبذلك تكون أمور كالتوازن والإصغاء للآخرين والتسامح والسعي للحلول الوسطى من شؤون الحياة اليومية في لبنان. كما يتماشى هذا المفهوم للحياة العامة مع نظام اقتصادي ليبرالي ومع حرية الأعمال التجارية والإبداع، التي تسمح لكل اللبنانيين بإطلاق العنان لعبقريتهم المميزة ومواهبهم وروح المبادرة لديهم. واليوم وقد استتب الأمن والسلام المدني، انطلقت مسيرة الإعمار الاقتصادي مجددا: ورش البناء في كل مكان وقد لاحظت منذ زيارتي الأخيرة تغيرات جسيمة فعلا، كما لاحظت إعمارا تدريجيا للبنى التحتية والنتائج المسجلة مذهلة حقا، حتى لو أدركنا حجم ما تبقى من مهام تستوجب الإنجاز وثقل القيود التي يتحملها الشعب اللبناني من جراء هذه الجهود المكثفة. وبالرغم من كل ذلك، فإنني ألمس لدى العديد منكم، وأيù كانت انتماءاتهم، شيئا من الحيرة والقلق حيال المستقبل بل والخوف على كيان البلد نفسه. هذا مع أن الصدامات الانتحارية التي دارت رحاها في السنوات الماضية قد توقفت اليوم ومع أن الاصلاح الاقتصادي ماض في طريقه ومع أن مفاوضات السلام لا بد ان تؤدي، في غضون مستقبل نرجوه قريبا، إلى نهاية الاحتلال الأجنبي والصدامات في جنوب لبنان. والمستقبل سيكون على الوجه الذي يصنعه اللبنانيون أنفسهم، فعلى عاتقهم تقع مسؤولية إعطاء السلام معنى حقيقيا، ولا بد من استكمال المصالحة السياسية في ظل احترام الحريات العامة والقيم الديموقراطية التي يحرص عليها اللبنانيون أجمعون، كما نحرص حرصا شديدا. وهكذا فالواجب الوطني يملي على كل مواطن أن يشارك في اختيار ممثليه، وأن ينخرط في نشاط المؤسسات. وعلى الحكام أن يوفروا الشروط الموضوعية والضمانات الكفيلة بتأمين الخيار الحر والتمثيل الأوسع لكل التيارات والمشارب السياسية في البلد. وما من إعمار دائم إن لم تسانده إرادة الجميع وحالة من الاستقرار السياسي. وفرنسا ترجو للبنان الغد تضافر طاقاته الخلاقة كافة، وترسيخ مؤسساته الديموقراطية. ولنتذكر اليوم تلك الكلمات المتبصرة التي وجهها الجنرال ديغول وكان آنذاك برتبة رائد، في 13 تموز 1931 الى الشباب اللبناني، حيث قال: »أجل. إن الإخلاص للخير العام أمر لا بد منه، بما أن الأوان قد حان لإعادة الإعمار، وهذا الواجب العظيم يكتسي معنى فوريا قسريا لأن المسألة مسألة تشييد وطن. فعلى هذه الأرض الرائعة، المجبولة بالتاريخ، عليكم، باستنادكم إلى حصون جبالكم واتصالكم عبر البحار بأنشطة الغرب، أن تشيدوا الآن دولة. لا أن تكتفوا بتقاسم الوظائف وممارسة الصلاحيات فيها بل أن تمنحوها الحيوية الذاتية والقوة الداخلية التي تبقى دونها المؤسسات خاوية«. وهي مهمة طموحة على قدر عزائمكم. بل أنتم باشرتم بها فعلاً. حضرات السيدات والسادة النواب، لبنان لن يكون وحده ما دمتم قادرين على صون وحدته، وما دمتم أوفياء لقيمكم ومؤمنين بمستقبلكم. وفرنسا لم تخذل لبنان يوما، وهي عازمة على البقاء إلى جانبه في مرحلة الإصلاح الوطني. وسوف تستمر في تأييدها لجهود الإعمار التي تقوم بها سلطاتكم. لقد كانت أمنيتي منذ بداية ولايتي، تعزيز التزام فرنسا إلى جانبكم، وكنت قد أعربت عنها أمام فخامة الرئيس السيد الياس الهراوي عندما أتى الى باريس منذ ما يقارب العام. وهذا ما فعلته بمناسبة الزيارة الرسمية التي قام بها دولة رئيس الوزراء السيد رفيق الحريري حيث اقترحت عليه زيادة مساعدتنا الاقتصادية والمالية وتحسين شروط تقديم القروض للبنان. دولة الرئيس السيد نبيه بري حضرات السيدات والسادة النواب، أجل، ستساهم فرنسا في التنمية الاقتصادية وتساعدكم على جعل بيروت القلب النابض للمنطقة اقتصاديا وماليا، ولا سيما في إطار شرق أوسط يعمه السلام. كما يمكن للبنان أن يعتمد كذلك على دعم فرنسا في إطار الاتحاد الأوروبي، فلقد ساهم هذا الاتحاد في تمويل الإعمار خلال السنوات القليلة الماضية وسوف تكثف هذه الجهود في إطار الشراكة الأوروبية المتوسطية التي تمّ إقرارها في مؤتمر برشلونة الذي شارك به لبنان. وسوف تدافع فرنسا عن قضية لبنان في الاتحاد الأوروبي بحيث يتم توقيع اتفاق الانتساب بسرعة. وفي ما عدى ذلك فإنني أود تعزيز علاقاتنا الثقافية وتكييفها بحيث تعود بيروت وهي العاصمة التي تتميز فيها الفرنكوفونية بالحيوية، حلقة الوصل بين الشرق من ناحية وفرنسا وأوروبا من ناحية أخرى. وتعبر فرنسا بافتتاحها أعمال ترميم السفارة في قصر الصنوبر بعد غد، وهو المعْلَم البارز الذي يرمز إلى تاريخ لبنان ووحدته، وبإرادتها إعادة السفارة الى قلب بيروت، كما وتعبر بقرارها فتح معهد عال لإدارة الأعمال في مبنى السفارة السابقة في كليمنصو، عن استمرارية المودة التي تكنها للبنان. وفرنسا متفائلة أيضا في حضور لبناني ساطع غدا في قلب شرق أوسط نتمنى له السلام العارم. لقد أثبت لبنان أمام العالم أن ستة عشر سنة من الصدام والمحن لم تقفل الباب في وجه الأمل. ان اللبنانيين بتمهيدهم دروب المستقبل التي سيسلكها المسيحيون والمسلمون لينظموا أمورهم دون أن يفرض طرف إرادته على الطرف الآخر، إنما يكدسون رأس مال وخبرة. فما من مكان أفضل من لبنان لشق طرق المواطنية الجديدة الحرة المسؤولة، المتسمة باحترام الآخر واحترام الذات، مواطنية ستحتاجها منطقة الشرق الأوسط ما بعد السلام. وفرنسا مقتنعة أن السلام قريب. وترجو أن يكون عام 1996 عاما حاسما تبرم فيه اتفاقات سلام بين سوريا وإسرائيل، ولبنان وإسرائيل. فعبر السلام العادل والدائم وحده يستعيد لبنان سيادته على كامل أراضيه، وفقا لقرارات الأمم المتحدة. وأعلم أن لديكم تخوّف من أن يُقرر مصير لبنان عبر سلام مصنوع في مكان آخر، لا يسمح لكم باستعادة سيادتكم كاملة. وانني لا أجهل مبررات هذا القلق. فإن أي سلام لا توافقون عليه موافقة حرة ويتنكّر لحقوقكم الكاملة بالسيادة يكون سلاما منقوصا.. ولكن لا تنسوا مع ذلك أن السلام ليس حقù مكتسبù، بل انه يتطلّب منكم التزامù عازمù مستديمù. كونوا على ثقة أن فرنسا ستكون حاضرة في كل خطوة خلال الأشهر المقبلة، حين يتم التفاوض حول الشكل الذي سيكون عليه السلام الشامل. ولا بد، بعد انسحاب إسرائيلي كامل، أن يكون الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي الضمانة الوحيدة لفرض سلطة الدولة على كامل التراب الوطني، بحيث يشعر بلدكم كما تشعر إسرائيل والبلدان العربية في المنطقة بأمان تام. وهي مسؤولية أساسية يتعين على لبنان أن يضطلع بها بنفسه، في إطار اتفاق سلمي. وسوف يسمح الوضع الجديد، وأنا لا أشك بالأمر، للقوات السورية بأن تنسحب، بعد الاستتباب التام للسلام. وفرنسا مستعدة، إذا ما طلب منها الفريقان المعنيان بالأمر ذلك، للمساهمة بضمان حدودكم في مرحلة انتقالية. وتأكدوا أن فرنسا لن تؤيد إطلاقا أية تسوية سلمية لا تضمن بشكل كامل مصالح لبنان المشروعة أو كيانه أو استقلاله. حضرات السيدات والسادة النواب، ما من أمة على قدر من الازدهار والعظمة إلا وآمنت بنفسها قبل أي شيء آخر. ولبنان بهذا المعنى، شأنه شأن فرنسا، بلد يحذو حذو التاريخ. فما قاساه من محن وما قدمه من دم أبنائه أكبر من أن يعطل إرادته على إنجاح السلام. فهذه الحيوية التي لا تكل وهذا التفاؤل الذي لا يمكن لشيء أن يحطمه، بالرغم من المعاناة الأليمة، كلها من السمات المميزة للروح اللبنانية والشعب اللبناني ومن الأمور التي تبعث على الأمل. أود هذا المساء أن أتوجه بنداء الى كل اللبنانيين. فأقول لهم ثقوا بعظمة بلدكم وبرسالته التي ستجعله من جديد قطبا جاذبا يشيع التنمية في الشرق الأوسط. إعملوا على تعبئة طاقاتكم وروحكم الوطنية في خدمة استقلال لبنان ورخائه. وحِّدوا جهودكم للمساهمة في هذا التحرك الواسع الجماعي واعملوا على إحياء بلدكم من جديد. كونوا قادرين على إعلاء المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة. فعلى هذا الأمر تتوقف هيبة الدولة ومصداقية الحكّام وكرامة المؤسسات. وتذكروا، في لحظات الريبة والشك، أنه ما من دولة إلا واقتضت تضحيات. أيها الشبيبة اللبنانية، أيها الشعب اللبناني، عودوا الى ينابيع الأجداد وانهلوا من معين عبقريتهم فأنتم صانعو لبنان الغد. أيها اللبنانيون داخل لبنان، كونوا واثقين من أنفسكم، حافظوا على اللحمة الوطنية، والقوا بثقلكم في العمل من أجل بلدكم. وأنتم أيها اللبنانيون في الخارج، في فرنسا وأوروبا وأفريقيا وأميركا، يا من ساهمتم بحضور لبنان المتوهج، بفضل المهارات التي وضعتموها بتصرف أنشطتكم، إطرحوا على أنفسكم السؤال عن واجبكم حيال الوطن.. تجندوا، وجنِّدوا إمكانياتكم، وأصدقاءكم لضمان مستقبل بلدكم. وأنتم الذين غادرتم تحت ضغط الأحداث، عودوا الى هذه الأرض للتمهيد لنجاحات الغد. فلبنان بحاجة الى كل مواطن وكل مواطنة منكم. آمنوا بالسلام، واعملوا من أجل السلام. وبكم جميعا، متآلفين، يكون مستقبل لبنان خصبù واعدù. وأتوجه إليكم وإليكن جميعا برسالة الصداقة والتأييد من فرنسا. وأنقل لكم تمنيات الشعب الفرنسي للشعب اللبناني بالتوفيق، كما أعرب عن ثقتنا في مستقبل هذا الشعب وآمالنا بنجاح السلام. وفي هذه المهمة الطموحة الملقاة على عاتق الشعب اللبناني بأسره، سوف تواكبكم فرنسا بكل ما أوتيت من قوة تتيحها صداقة قديمة وتاريخ مشترك. وشكرù

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة