يصعب الدخول بسهولة الى شريط »حرارة« لمايكل مان. والصعوبة تكمن في التباس المعنى الذي يمكن أن ينتج عن مشاهدتنا فيلم يكاد يكون موضوعه عاديا، في حين أن التعمّق أكثر في البنية الداخلية للشخصيّات المتنازعة فيما بينها، وللعلاقات التي تجمعها سلبا أو ايجابا تدفعنا الى تخوم الانجذاب المفترض. أقول »المفترض«، وأعني بذلك أن ثمة ما سيأخذنا الى رحلة مختلفة في الشخصية وتطور الحدث والمناخات الدرامية، والعوالم النفسية، والمشهدية الموغلة في نوعية مبطنة من عنف ما وحركة وتشويق. التباس المعنى يأتي، بالتالي، من التعاطف الكبير الذي يشعر به المشاهد إزاء شخصية اللص، السارق، الذي لا يعني له القتل شيئا مهما، الا حين تضغط ظروف ما عليه لارتكاب جريمة كهذه. وايضا إزاء الشرطي الذي تبدأ مطارداته بدافع وظيفي مهني بحت، قبل أن تتحول الى اعجاب بالصورة النقيضة له، التي يظهر فيها الطرف الآخر (اللص)، ثم الى تماه ما معه. فالسرد الحكائي يتوزّع على اكثر من مستوى: مطاردة بوليسية لا تخلو من أكشن مُصوّر بجمالية مشهدية مميزة؛ علاقة تكاملية تناقضية (في وقت واحد) بين شرطي ولص، يضيع معهما مفهوم الضحية والجلاد، حين يقع كل واحد منهما في تلك المتاهة الحياتية؛ الحياة اليومية لكل طرف من طرفي الصراع؛ العلاقات الاجتماعية (المتناقضة بدورها بين الشرطي وهي مرتبكة معه، وبين اللص ونراها متماسكة الى حد كبير)؛ وغيرها من العناوين الفرعية التي تبرز تدريجيا على هامش الحكاية. كما أن الصعوبة تظهر من جمالية الحضور الفني لثنائي، تخطى بمواهبه واحترافه ونمطه الخاص، المنحى الجماهيري العادي، باتجاه خطى أوثق نحو تفاعل أعنف بين الذات وبين الشخصية. فالصحافة الاجنبية ركّزت، من بين أمور اخرى، على اللقاء »التاريخي« (هل ثمة مبالغة ما هنا؟!) بين قطبين من أقطاب السينما الاميركية الخارجة على النظام الهوليوودي، بمعناه التجاري والفني المعروف. قطبان نجمان جاءا من نيويورك الى حدود الاندغام الكلي بالتمثيل، فأعطيا سلسلة أعمال أصبحت اليوم جزءا اساسيا من تاريخ السينما العالمية، في السنوات الثلاثين الاخيرة. انهما: آل باتشينو (مواليد 1940) وروبرت دي نيرو (1943) الذي يشاهده اللبنانيون حاليا في شريط مارتن سكورسيزي الاخير (اكثر المخرجين تعاونا معه)، »كازينو«. فهذا اللقاء جاء بعد واحد وعشرين عاما من لقاء(سابق) لم يكتمل، في الجزء الثاني من »العرّاب« لفرنسيس فورد كوبولا، تحفة السيرة الذاتية لآل كورليوني، وعنه نال باتشينو ترشيحا لأوسكار أفضل ممثل، في حين فاز دي نيرو بأوسكار أفضل دور ثانوي. حينها، لم يلتق هذا الثنائي وجها لوجه، بل حضرا معا في شريط واحد. اليوم، تمّت هذه المواجهة المنتظرة، في مشهد وان لم تتجاوز مدته العشر دقائق (او اكثر بقليل) قبل ان يكون ثمة مشهد أخير، تتم فيه التصفيات النهائية فانه اعتبر من اجمل ما صوّره مايكل مان، في شريط هو في النهاية عمل تتوافر فيه مواصفات الجمالية البصرية المطلوبة. الثنائي ينتمي الثنائي آل باتشينو وروبرت دي نيرو الى جيل واحد، وأصل واحد (ايطاليا)، ويسكنان في مدينة واحدة، هي نيويورك. علما انهما تتلمذا فنيا بحسب طريقة »الاكتورز ستوديو« الشهيرة. غير ان الاول توجه قبل كل شيء الى المسرح، في حين ان الثاني لم يكن يرغب في اكثر من السينما. اذاً، كان (ولا يزال) باتشينو عاشقا للمسرح والثقافة، فهو مثّل على الخشبة شكسبير وديفيد ماميت، وأنجز فيلما طليعيا عُرض في متحف الفن الحديث في نيويورك، وهو الآن في صدد التحضيرات اللازمة لتحقيق شريط آخر حول شخصية ريتشارد الثالث. اما دي نيرو، الاكثر براغماتية (كما في تقرير صحافي)، فقد اشترى مبنى في نيويورك ايضا (المدينة التي يعشقها هذا الثنائي) مؤسسا فيها شركته الخاصة بالانتاج »تريبكا« (TRIBECA)، وفتح مطعما، وحقق أول فيلم له كمخرج (»حكاية برونكس«،الذي شاهده اللبنانيون العام الفائت). في تحقيق نشرته مجلة »ستوديو« الفرنسية (شباط 1996)، جاء ان هذين التوجهين فسّرا، فيما بعد، كيف ان لكل واحد منهما مقتربه المختلف للّعبة الفنية: فالأول (باتشينو) لديه ميل في ان يترك الشخصيات تأتي اليه، اما الثاني (دي نيرو) فيقترن هو بها أدبيا، اي الى حدود اقصى تبدلات الصورة، اقصى الاستعارات الرمزية الممكنة ايضا. من هنا، وان اختلف الاثنان في كيفية الاداء التمثيلي وتجسيد الشخصية وأسلوب التحرك الجسدي والحركات المرادفة، فانهما يلتقيان عند المستوى الرفيع جدا في إضفاء لغة إبداعية على مناخ أي شريط سينمائي يمكن أن يكون أحدهما الأساس البنياني له. وفي »حرارة« مايكل مان، نكتشف سحر الجاذبية في علاقة الشخصيتين وصراعهما، حيث برزا معا وهما يمارسان أقصى أنواع القدرات الادائية، بهدف الامساك المطلق بخيوط اللعبة الحدث الشخصيات. هذا لا يعني ان الآخرين كانوا هامشيين. من جون فويت، القدير في حضوره كواحد من أبرز الوجوه السينمائية، الى فال كيلمر، المنتمي الى جيل آخر، والمتمكن هنا من مواكبة تفاصيل الصراع بين النجمين، كونه الاقرب الى أحدهما (الصديق المقرّب لشخصية دي نيرو)، برز الممثلون كشخصيات وان بدت ضرورية لاستكمال المشهد، كانت فاعلة في رسم ابعاد هذا الصراع، كما في تحولها الى وقود له، بالمعنى الابداعي للصورة الفنية. المواجهة يعيش نيل ماكولاي (دي نيرو) حياة عزلة اجتماعية قد تكون خانقة. لذا، فهو يحيط نفسه بشلة من الاصدقاء الحميمين له، شكلوا معا فريق عمل ناجحا، وظيفته سرقة الاموال. لا يهجس نيل بالقتل، فجريمة من هذا القبيل تأتي وسط حاجة ملحة اليها، وليست هدفا بحد ذاته. رغم القدرات الكبيرة التي يمتلكونها، في استخدام الاسلحة، كما التقنيات العالية من اجل الدخول الى »الكنز« المرصود. قصة نيل ماكولاي حقيقية، حصلت في الستينات. يروي المخرج مايكل مان ان صديقا شرطيا له، اخبره في بداية الثمانينات كيف طارد نيل ماكولاي طويلا، قبل ان يلتقيه وجها لوجه، باتجاه تصفيته. هذا الشرطي هو فنسنت هانا (باتشينو) في »حرارة«. اذاً، من الواقع المتوج ببعض المناخات الدرامية المطلوبة، قدم مايكل مان تلك الحكاية بقالب سينمائي اعتمد على قراءة ما لثنائية الضحية الجلاد، من دون إسقاطات مباشرة على أبطالها: ذلك انه بقدر ما يبرز نيل جلادا في مهنته (السرقة)، ليظهر إزاءه فنسنت كضحية (كونه في البداية عاش في ظل بطولات نيل التي كادت تلامس حدود الاسطوري، قبل ان تنقلب المعطيات)، فان المتغيرات المتلاحقة، كانت تخلط هذا المفهوم بالثنائي المتواجه: الا نشاهد ان الجميع كان ضحية ما لواقع ما؟ ألم يكن نيل ضحية عزلته وعالمه المأسوي منذ طفولته؟ وفنسنت الفاشل في حياته الزوجية العاطفية، لا يستطيع مساعدة نفسه، أو أي احد آخر، باستثناء انقاذه لابنة زوجته الثالثة؟ ألم يكن الرفاق (لدى الطرفين) ضحايا من أنواع مختلفة؟ ثم أين هو الجلاد الحقيقي؟ وهل »حرارة« نجح في تقديم صورة ما عنه؟ غالب الظن ان لا جلاد ولا ضحية، باختصار كلي. لان الحكاية تروي سيرة شخصين يمتهنان وظيفتين متناقضتين. كل واحد منهما يقوم بعمله. واللقاء المواجهة بينهما في مقهى، شكّل انعطافة جذرية في التحوّلات الذاتية والنفسية والاجتماعية لكل منهما: نيل وفنسنت اتفقا، ضمنا، على ان العلاقة بينهما استكملت شروطها، وبات على كل منهما ان ينفذ الحلقة الاخيرة من المسلسل الدرامي. اي انهما عرفا ان مواجهة اخرى ستحدث، وان على الاقوى والأسرع بينهما ان يصفي الآخر. بعد هذا اللقاء، قام نيل ورفاقه بمهمة اخيرة: سرقة مصرف. هنا، يصوّر مايكل مان (بمساعدة مدير التصوير دانتي سبينوتي) واحدا من اجمل مشاهد العنف والمطاردة. فما ان يخرج فريق نيل من المصرف، بعد نجاح عملية السرقة من دون قتلى (في العملية الاولى التي نشاهدها في بداية الفيلم، يرتكب احد رجال نيل الجدد جريمة قتل شرطي، تستدعي تصفية زميليه. لكن نيل ما ان يحاول معاقبة هذا المهووس، حتى ينجح هذا الاخير في الهرب منه)، حتى تصل الشرطة بقيادة فنسنت هانا، لتدور معركة في الشوارع، في إطار تصويري باهر. اذاً، وكما سبقت الاشارة، فان لقاء فنجان القهوة بين نيل وفنسنت، حوّل من مجرى الاحداث. والمواجهة العنيفة في الشارع، فرضت مطاردة اخيرة كان من المفترض ان تنتهي عند نقطة واحدة: على احدهما ان يدفع الثمن. لوهلة، وبعد التعاطف الكبير مع نيل، يكاد المشهد الاخير يثير نوعا من النفور والاشمئزاز. لكنها النهاية »المنطقية« للنزاع بينهما. وكان مايكل مان، الذي سبق وأنجز عام 1993 »آخر الموهيكان« (مع دانيال داي لويس ومادلين ستوي) عن موضوع الهنود في أميركا، حقق هنا واحدا من أفلام الأكشن التي لا تكتفي بمجرد العنف المبتذل الذي اعتدنا عليه، بل قدم صورة اخترقت الذات والعلاقات، ودفعت بالصراع الى أبعد حدوده الممكنة، من دون التغاضي عن أسلوب سردي متكامل ومشدود ومتماسك في مختلف جوانبه التمثيلية والتقنية. نديم جرجوره