As Safir Logo
المصدر:

مفهوم الجسد في المسرح الشرقي والغربي(صورة)

المؤلف: تشانج ت. التاريخ: 1996-03-29 رقم العدد:7349

مقارنة المسرح الشرقي والغربي منذ القدم حتى العصر الحاضر وعلاقته باستخدامات جسد العارض، وتتضمن الأساليب المستخدمة في: المسرح الأثيني، والمسرح الهندي، مسرح النو والكابوكي في اليابان، مسرح الأوبرا في الصين، مسرح شكسبير، موليير، ومسرح القرن العشرين. لا بد لنا من أن ننظر إلى البدايات الأولى للمسرح الشرقي والغربي، إذا أردنا تقويم الكيفية التي يستخدم من خلالها الجسد في المسرح وأسلوب النظر إليه. ومع احترامي الشديد لزملائي في الشرق الأوسط، فإنني أقصد ثقافة الشرق الأقصى حينما أشير إلى كلمة شرق، لأنني أكثر دراية ومعرفة بها وهي ثقافة شعوب: الصين واليابان والهند. تمتذ الجذور الأولى للمسرح الشرقي إلى الطقوس والاحتفالات التي كان يستخدم فيها الرقص والموسيقى والمسرح لخدمة أهداف دينية وطقوس اجتماعية على نحو متكامل. وكانت بعض هذه المهرجانات تقام في الشوارع بينما كان أغلبها يجرى في احتفالات بالآلهة أو تضرعا وصلاة لجلب ظروف مؤاتية لموسم الحصاد. في الهند مثلاً كانت الأعمال المسرحية الروائية تستقى من الآداب السانسكريتية وبصفة أساسية من أسطورة رامايانا Ramayana التي تتابع مغامرات الملك راما Rama والملكة سيتا Sita، ورقصة ماهاباراتا Mahabbarata التي تحكي عن الحرب التي وقعت بين عشيرتي باندافا Pandava وكورافا Kaurava وكذلك الأساطير التي سبقت أسطورة إيسوب Aesop وهي أساطير هيتوباديزا Hitopadesa وبانشاتارا Panchatara. وبالإضافة الى هذا، نذكر الأغاني التي وردت في الأدب الهندي القديم عام 2000 قبل الميلاد والتي تناقلتها الأجيال مشافهة عبر التراث والمأثورات، ولا يعرف عنها إلا القليل من الناحية المسرحية. بهاراتا ويعتبر »بهاراتا« Baharata أول منظِّر للدراما الهندية القديمة حيث إنه حسب أقوى الافتراضات قد عاش في القرن الأول قبل الميلاد، وقد وضع الخطوط العريضة لفن الدراما الهندية في مؤلفه »فن المسرح« وقد كتب عن تجربة إخراج مسرحية »أبساراس« أو »حور السماء« ومسرحيات كريشانا Krishana »حاملات اللبن«. وثمة نص أقدم من هذه النصوص هو يعالج زواج لاكشيمي Lakshimi من فشنو Vishnu وتم عرضه أمام الآلهة. وكانت هذه الأعمال في جلها مسرحيات راقصة تحاكي وتقلد الأبطال بطريقة ساخرة، ومن ثم كان جسد العارض هو الأداة الرئيسية في العرض، يتحرك على إيقاع الآلات الموسيقية والترانيم تعبيرù عن أدائه المسرحي. وكان لجمال الجسد المرئي وجمال القوام والألوان المحيطة به أهمية كبرى من وجهة نظر الجمهور. ويعتبر الجسد في الحركة المسرحية الهندية وعاءً مقدسù يجري من خلاله التعبير الدرامي من خلال ملامح الوجه وحركات الأطراف. وهكذا فإن التعبير الجسدي يتواصل في حركات منعزلة تصدر عن كل مفصل وعضلة من عضلات الوجه والأطراف. وأكدت التقنيات والأساليب الفنية مرونة العضلات وطولها في اليدين والذراعين والأكتاف والأقدام خاصة منطقة ما تحت الركبة التي حظيت بأهمية بالغة. أما جذع العارض وهو مركز الجاذبية فقد كان يظل منتصبا، في الوقت الذي يقوم راوية بقراءة الأناشيد بصوته، بطريقة رسمية وقورة بل وإنشائية. وبعبارة أخرى كان يجب على الممثلين أن يمتلكوا زمام أجسادهم ويسيطروا عليها سيطرة كاملة. من ناحية أخرى، كانت اللغة الشعبية اللغة الدارجة هي اللغة التي يستخدمها المهرجون والنسوة. ولأن المسرحيات الهندية القديمة كانت تقدم تجسيدù لما وراء الطبيعة من مثاليات أكثر منه تمثيلاً أدبيù لمواقف الحياة اليومية فإن العواطف الثماني التالية كانت تقدم بطريقة رمزية: 1 الرغبة، أو الشوق الملتهب. 2 الضحك، أو المرح الهزلي. 3 الغضب. 4 الحزن نتيجة للانفصال عن المحبوب. 5 الفخر بقدرات المرء الذي يفضي الى استعراض الشجاعة والإقدام أو الصدقة. 6 الخوف من اللوم أو الهجوم. 7 الكراهية أو البغض. 8 العجب من أي مقابلة أو لقاء يثير الدهشة الطفولية. (ثمة ثلاث وثلاثون عاطفة »غير مستقرة« خلاف تلك العواطف المشار إليها سابقù لست بحاجة لذكرها في هذا الصدد). وقد طوّر المسرح الهندي القديم مفردات معقدة للتعبير عن تلك الإيماءات والحركات والرقصات في عالم المسرح بالاضافة لإثارة مثل تلك العواطف التي أسلفنا الحديث عنها. وقد ازدهرت وترعرعت مأثورات وموروثات المسرح الهندي ورقصاته عبر القرون طبقù للإقليم أو اللهجة أو الأسلوب المتبع. ومن الأسباب ذات الصلة بتركيز المسرح الهندي على حركة الجسد الملابس الخفيفة الفضفاضة المستخدمة في الرقص الهندي وعلى خشبة المسرح، ومما ساعد على توفير مزيد من الحركية للجسد العارض لبس الساري المصنوع من الحرير والقطن والجاكيتات التي تشبه الصديري والسراويل الملفوفة بمرونة، وهي أمور ساعدت على سهولة القفز، والسقوط والوثب والانكماش. على الجانب الآخر، بدأ المسرح الطقوسي في منطقة البحر المتوسط في جزيرة كريت Crete، في ذات الوقت تقريبù الذي استكملت فيه مصر »انتصار حورس« وهي مسرحية قائمة على الطقوس الدينية في عام 1300 قبل الميلاد تقريبا. وتحتفل هذه الأسطورة بانتصار »حورس« على عمه »سيت« Seth الذي قتل أخاه أوزيريس Osiris واغتصب مملكته. وكانت ايزيس حاملاً منه سرù بالابن حورس وهي الزوجة والأخت لأوزيريس وعندما كبر الابن حورس ثأر لأبيه وحكم صغيرù مصر ودلتاها. أما جزيرة كريت Crete، فإن الاحتفالات الدينية والمواكب ومصارعة الثيران قد أدت الى ظهور أداء يوناني ذي طابع رسمي يمجد الأعمال العظيمة التي يقوم بها الآلهة مثل إله الصيد (أرتميس Artemis) وفي كل عام كان يجري عرض المسرحية العاطفية التي تدور حول »ديميتر Demeter« إلهة الحصاد على أرض تلك الجزيرة. وتحكي الأسطورة عن اختطاف ابنة الإلهة المسماة »بيرسيفون Persephone« بواسطة هيدز Hades«، إله العالم الآخر، وقد أغرقت دموع الأم التي ذرفتها على ابنتها المحاصيل ودمرت المحصول السنوي. وتم عقد تصالح ووافق »ديميتر« على قضاء ستة شهور على الأرض وستة شهور أخرى في عالم ما تحت الأرض في مقابل عودة ابنتها. وإبان دراستي في جامعة بارنارد في نيويورك منذ سنوات كثيرة خلت عُرضت هذه الأسطورة ضمن الألعاب اليونانية التي كانت تقوم آنذاك وهي ترمز الى عودة الحياة من جديد، وقد فاز طلبة السنة الأولى في هذه المسابقة. وتتطلب مثل هذه العروض المتعلقة بالطقوس أن يكون العارض مثل آلهة اليونان أو محاربيهم حيث يستخدم الجسد في أوضاع تشبه أوضاع التماثيل أكثر منه في أوضاع مسرحية عادية. الألعاب الحربية تقوم مسرحيات الطقوس على الألعاب الحربية التي تتطلب استخدام جماليات الجسد كما هي الحال في رقصات الديسكو الآن، حيث يجري تحريك الذراع أو الساق كاملاً كأنما يقوم العارض بألعاب رياضية لتحقيق هدف في مجال الرياضة أكثر منه تعبيرا دراميا عن موقف معين. زد على ذلك، فإن الشاعر المسرحي هو القوة المحورية في العرض وليس الممثل. وفي الواقع فإن طبيعة الجوقة (الكورس) كحيلة مسرحية استدعت وجود دورين أو ثلاثة على خشبة المسرح يقومون بأداء فردي لدور القائد أو الجنرال الذي تحتفي به المسرحة. فنجد أن أيسخوليس وسوفوكليس أمضيا وقتاً طويلاً في قيادة الجيش في المناصب العامة. وبالتالي فإن إنجازاتهم الأدبية كانت هدفا ثانوية. ومن الجلي أن الأقنعة الخشبية وأحذية المسرح كانت تشد من جسد العارض أثناء الأداء على المسرح لمثل تلك الأدوار اليونانية في الغرب، بالاضافة الى الرداء الطويل الرسمي الذي يعيق حركة الممثل الغربي. إن ثمة جلالاً وجاذبية تحيط بالمسرح اليوناني القديم تيسر وتطوع حركة الممثل منتصب القامة، حينما يقوم بحركات دائرية. بالاضافة الى ذلك، فإن الجمال الجسدي اليوناني المثالي يتجلى في حركات جذع الرياضي المتناغم المتناسق الحركات الذي يضارع التماثيل العديدة التي يشتهر بها هذا العصر، والتي يختزلها ويعطي أنموذجù لها المثّال مايكل إنجلو في تمثاله »داوود« David. الكلمات كانت تعبّر عن التراجيديا بلا هوادة، وكان المسرح يقوم على الكلمة، أما الأجساد، أجساد الموتى، فقد كانت تترك على المسرح في العراء كي ينعاها وينوح عليها الآخرون. الحدث يتسم بالبطء، أما المأساة فإنها تعربد، مليئة بعيون تقتلع وتصاب بالعمى، وأطراف تقتطع ويمثَّل بها. وإذا جئنا إلى الجوقة (الكورس) فإننا نجد أنه يقوم بدور الراوية والمعلق ويتحرك كوحدة واحدة متكاملة، ويتعيّن على الممثل أن يؤدي حركات كاسحة ضخمة وقد رفع ذراعيه عاليا في ساحة المسرح لأن الحركات الصغيرة لن يراها الجمهور. والممثل في هذا الصدد شأنه شأن اللاعب الفردي في الفريق العصري يبدو وكأنه بقعة يقوم على تقنين صارم للإجراءات المسرحية حيث نجد أن الماكياج، والزي، ودخول المسرح ومغادرته والأداء الصوتي واستخدام الأعمدة المسرحية، كل هذه الأمور ترسم بدقة شديدة طبقù للأعراف والتقاليد المتبعة، مثال ذلك: جذع العارض يظل مستقيماً منتصباً، وتتركز الحركات على الأطراف والرأس. وقد ازدهرت هذه الأشكال المسرحية في القرن السابع عشر، وهكذا نجد أن التراث المسرحي الهندي كان سابقù على الياباني في هذا الصدد. وبات استخدام الصوت عنصرا أساسيا، بتنغيماته، ودرجاته وأنماطه المميزة. واضطر الممثل لأن يلتزم الوزن والإيقاع لأنه كان مضطرا لأن يمثل على أنغام الموسيقى. لم يحتل الجسد مكان الصدارة وكلفه كان يعبر من خلال الكلمات والحركات عن الشحنة العاطفية. سيطر الأداء الجسدي والحركي عند عرض تلك الصفحات من المسرحية التي تتطلب حركات بهلوانية خاصة مثل الصفحات المتعلقة بالحرب في أوبرا بيكين Peking والكابوكي. اتبعت حركات الممثلين ومرونتهم الجسدية حركات الأجيال السابقة بدقة مثل وضع الجسد، طريقة السير، والقفز والقتال يداً بيد بالأسلحة والعمل الجماعي. النو وكان مسرح نو Noh الياباني أكثر أشكال المسرح جمودا من حيث الحركة الجسدية المرنة الواضحة اللهم في خضم كبير. واستخدم الرقص وسيلة للتعبير عن شريحة درامية محددة مثل تصوير تضحية »إيفيجينيا Iphigenia« أو الحداد حيث تمزق النسوة ملابسهن حزنا وهلعا. والحركة في المسرح اليوناني حركة جسدية دائرية، رشيقة متناغمة. ولا ريب في أن حركة الذراع والساق الغنائية تلك تمثل تباشير فن الباليه الحديث كما نعرفه الآن. بلغت التراجيديا والدراما اليونانية أوجها عام 500 قبل الميلاد تقريبا (وهو العصر الذهبي لليونان) وكانت أقرب الى فن الأوبرا منها الى الدراما، إذ ان الكثير من الأشعار الدرامية كانت تتردد على أنغام الموسيقى بل إن الحوار بين ممثلين لم يكن سوى حوار إيقاعي ومنتظم. ومن الأسباب التي دفعت بجسد الممثل الى المرتبة الثانية في الدراما اليونانية الموسيقى الرسمية التي تتبدى في التراجيديا بأغانيها الشعرية الكورالية والتجاوب الشعري في الأوزان والقوافي. كانت القدرة على الخطابة وتوصيل الصوت للجمهور في ساحة المسرح اليوناني أمرù أوليù بالغ الأهمية. أما المسرح الياباني والصيني فإنه يتسم بالجدية، ويعتمد على بناء درامي يغرس السلوك الشرقي القومي بل ان مسرح نو Noh والكابوكي ومسرح الأوبرا الصيني إلا في تلك الافتتاحيات الهزلية المعروفة بالاكسوجين Xyogen. وقد ازدهرت تلك الحركة المسرحية في القرن الرابع عشر على يد الكاتب المسرحي زيمي Zeami، وهي لا تزال تُمثَّل بلا تخفيف على المسرح الياباني حتى يومنا هذا. رأى زيمي Zeami مثله الأعلى في الحركة الرشيقة »ليوجن« Yugen، فهو لم يحاكِ الطبيعة أو الواقع بل استهدف التعبير بالرمز الذي كانت تحكمه طائفة من القواعد والقوانين الصارمة الخاصة باستخدام الحركة والإيماءة باقتصاد شديد: حيث يظل الجسد مستقيمù مع حركة اليدين الرشيقة التي ترتفع على شكل قوس، جنبù الى جنب مع لمحات بارعة من حركات الرأس المحسوبة أو حركة خفيفة من الأكمام للتعبير عن البكاء، أو ارتواء الحب وإشباعه، أضف إلى ذلك ان الزي الياباني يتضمن طبقات من الملابس التي لا تسمح بحركة مرنة لينة. وتتخذ المروحة كنوع من الدعامة، مع وجود الأقنعة التي تمزق الواقعية وتلغي البعد الزماني والمكان جريù وراء الرمزية. أما مركز الجاذبية فإنه يكمن في الجزء الأسفل من البطن والسير مع ثني الركبتين. فالجسد يشبه الوعاء المقدس واليد والساق تمثلان امتدادù طبيعيù له. أما القدم فهي أهم جزء يعبر عن الخطو الخفيف الصغير، ودق الأرض العنيف، ورفع الساق في الهواء. وقد نشأ مسرح نو Noh من قلب الطقوس الدينية الرسمية الملكية التي تعتمد على الموسيقى وتبعث نشوى دينية جارفة. وتضمن كثير من المسرحيات أشباحù خرافية، زاد من وقعها على النفس الحركات الرسمية. ومن ثم تصبح عملية العرض تجربة دينية غيبية رائعة. وعلى النقيض تماما من ذلك، فإن الافتتاحيات الكوميدية المسماة كيوجين Kyogen تعطي نوعا من الراحة والاسترخاء الكوميدي. أما المهرج فإنه يقوم بأعمال حركية جسدية ضخمة بل بهلوانية أحيانا تعبر عن السكر أو الهزيمة أو التفوق على سيدة في رجاحة العقل وذلك من خلال السير بطريقة مبالغ فيها أو تكرار لزمات حركية جسدية معينة. وقد عبّرت هذه الحركات عن ذلك القالب الدرامي الهزلي الذي يتميز به سلوك الجسد ولغته المعروفة في كل الثقافات عندما تستهدف راحة النفس والتخفيف عنها. (*) باحث أميركي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة